طباعة
المجموعة: العدد الثالث
الزيارات: 555

 

حكمة المربي

حكمة المربي

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا، فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ وزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ، مَهْ (1)، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (ذَرُوهُ، ادْنُه(2)).، فَدَنَا حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟) قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ،

قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟) قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟)، قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟)، قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟)، قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبِي، فَوَضَعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ أَغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ)، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ الفتَى بَعْدَ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ.(3)

الدرس الأول: النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا: الرفق في كل أمورنا

هذا شاب عارم الشهوة، ثائر الغريزة، صريح في التعبير عن نوازعه إلى حدِّ الإغراب والإثارة، ورغم غرابة طَلَبه الذي أثار عليه الجالسين، لم يكن مِن الداعية الحكيم -صلى الله عليه وسلم- إلا أن لقيَه بهذا الرفق العجيب والحوار الهادئ مراعاة لحاله ومع الحوار المناسب واللمسة اللطيفة والدعاء المبارك قام ذلك الفتى؛ والزنى أكره شيء إلى نفسه.(4)

نحتاج في دعوتنا و تعاملنا إلى:

- رفق ولين ينبعان من قلب استقرت فيه الرحمة..(إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ).(5)

وبهذا اللين الذي منبعه الرحمة، امتدح الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال له: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]

- والناس كلهم بحاجة إلي كنفٍ رحيم: و(الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).(6)

- الناس بحاجة إلى كلمة طيبة (وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ).(7)

- الناس بحاجة إلى بشاشة سمحة وابتسامة صادقة و(تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ).(8)

- النصح علاج مرٌّ فليصحبه شيء من حلو الكلام، فكن من الذين يعلمون الحق ويرحمون الخلق، واسمع إلى يحيى بن معاذ وهو يقول: أحسنُ شيء كلامٌ رقيق، يُستخرج مِن بحر عميق على لسان رجل رفيق.(9)

- إذا أردت أن تنصح إنسانًا على معصية فيه أو منكر فعله فضع نفسك مكانه، وانظر كيف تحب أن تؤتى، ولا يكن همّك إقامة الحجة على أخيك، بل ليكن همّك كيف تهديه؟.

- ليس المهم توصيل الحقيقة للناس فقط ولكن الأهم هو الأسلوب والطريقة التي تصل بها إلى قلوبهم {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم: 24 - 25 ]

- لا تظنن أن هذا الأثر العجيب الذي تركه -صلى الله عليه وسلم- في نفس هذا الشاب من هدوء نفس وإعراض عن الزنى الذي كان يتوق إليه، ويرغب فيه..كان معجزة خارقة للنبي -صلى الله عليه وسلم- لا تتكرر لغيره إلا من باب الكرامات أو خوارق العادات.كلا..فإن أي معلم رباني الوجهة نبوي الطريقة يقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قولًا وعملًا سيجد بتوفيق الله تعالى الأثر نفسه أو قريبًا منه.(10)

الدرس الثاني: النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا: مهارات التواصل الناجح مع الشباب والمراهقين

 إن الشاب المراهق بحاجة ماسة لنفهمه، ونسمعه، ونتقبله قبل ذلك، ونتواصل معه، وندعو له لا أن ندعو عليه؛ وهذه وقفات مع مهارات التواصل التي استخدمها النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموقف:

تحديد الهدف:

نزع فتيل الشهوة المتضرمة من قلب الشاب، ودوام ذلك؛ بصرفه عن مجرد التفكير في تصريف شهوته بطريقة مُخلة.

وقد استخدام النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر الوسائل أمانا، وقدرة على توصيل الرسالة:

1- أجْلَسَه، والجالس أهدأ من الواقف، وأكثر قدرة على التحاور الرزين، وفيه تحقيق ألفة بينه وبينه؛ لكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- جالس أيضا.

2- تَقَبَّله: حيث تلاحظ المسافة الفاصلة بين الموجِّه والشاب، حيث دنا منه قريبا

بحيث يستطيع لمسه في اللحظة المناسبة؛ ليتم استيعابه "فقال: ادنه..فدنا منه قريبا".

3- حاوَرَه: حيث لَفَتَ نظره إلى:

- طبيعة الحياة في المجتمع الذي يعيش فيه

- وكونه يُحكم بشريعة وأعراف صارمة في هذه القضية الحساسة

- وتوجيه بأنه لا يجوز التعدي على حرمات الآخرين، كما أنه هو يرفض ذلك منهم.

4- تواصَلَ معه جسديا؛ وقد كشفت الدراسات الحديثة الأثر العظيم لذلك في فتح قلب المحاوَر والتأثير فيه: "فوضع يده عليه".لا سيما إذا كان محروما عاطفيا.

5- دعا له: "اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه".

النتيجة: كانت التعليمات الموجهة للشاب ضمنية؛ ولذلك تقبلها برضا وارتياح، وتشمل الآتي:

1- أن الزنا حرام شرعا مرفوض عرفا.

2- أن التوبة بوابة الخلاص من تيار الشهوة.ولذلك:

- تقبل الشاب توجيهه إلى التوبة والاستغفار، وجمال الطهارة القلبية وسكينتها في النفس، وقيمة تحصين الفرج بالطريقة الشرعية.(11)

وفي هذا إرشادٌ للدعاةِ: أن يَلجَؤوا إلى الحوار العقلي في بعضِ الأحيان إذا كانت الحالُ تَستدْعي ذلك، كحالِ هذا الشابِّ الذي طَهَّرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قلبَه من الزنى بتلك المُحاكَمةِ العقليةِ الهادية.(12)

الدرس الثالث: النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا أهمية الدعاء لمن ندعوهم

الدعاء......الدعاء

 - تممْ دعوتك وكللْ نجاحها بدعوة صادقة من قلب صادق (اللَّهُمَّ أَغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ)

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قَدِمَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ).(13)

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود -رضي الله عنه-: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).(14)

الدرس الرابع: أصناف المدعوين أربعة أقسام

إن الناس يختلفون في قبول النصح والموعظة، على قدر ما في قلوبهم من الإيمان، لذلك ينبغي أن يعرف الداعية، مراتب الناس وأصنافهم وكيفيته التعامل مع كل صنف

الصنف الأول: قوي الإيمان، عالم بالأحكام.

فهذا الصنف توفر فيه: قوة الإيمان ومعرفة الأحكام، فإذا وقعت منه معصية يُنكر عليه، ويُشدد عليه، لئلا يكون قدوة لغيره في المعصية، كما اعتزل النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلاثة الذين خُلفوا في غزوة تبوك خمسين ليلة، وأمر الناس بهجرهم، مع كمال إيمانهم وعلمهم.

الصنف الثاني: قوي الإيمان، جاهل بالأحكام.

فهذا يُدعى مباشرة ويُبَيَّن له الحكم الشرعي، ويُحذَّر مِن خطر اقتراف المعاصي، ويُزال المنكر الذي وقع فيه؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ-رضي الله عنهما-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: (يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ)، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللهِ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.(15)

 الصنف الثالث: ضعيف الإيمان، عالمٌ بالأحكام.

فهذا يُدعى بالرفق واللين بالحكمة والموعظة الحسنة، ليزيد إيمانه فيطيع ربه، ويتوب من معصيته كالنموذج الذي معنا.

الرابع: ضعيف الإيمان، جاهل بالأحكام.

فهذا نصبر عليه، ونرفُق به، ونعرِّفه بعظمة مَن يعصيه، ونعلمه الحكم بالرفق واللطف، ولا نوبخه ولا نزجره ولا نعنفه، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الأعرابي الذي بال في المسجد.(16)

الدرس الخامس: من صفات المربي الناجح

نلاحظ أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد استوعب أصحابه وهم كثيرون بالتوجيه والتربية النموذجية، في فترة تعتبر قياسية على المستوى العالمي؛ بحيث لا يستطيع جهاز أمة من الأمم في قرون أن يستوعب نفس القدر من الصحابة، وبنفس المستوى الرفيع، فما هي الميزة التي اختصر بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- الطريق في التربية على هذه الصورة.

يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي: لقد أجاد -صلى الله عليه وسلم- المنهج الإسلامي في التربية، وهو أن يحسن المربِّي كيف يأخذ بيدِ المربَّى ومن اقصر طريق إلى موقع الحق في أي قضية من القضايا، وقد تكون القضية صعبة، وللعقل فيها وقفة، ولكن لياقة المربي وحسن استعداده واتساع ثقافته، تصبح كلها أدوات تعينه على أن يصل بالمربى إلى الحقيقة التي يريدها من أيسر طريق إلى الفهم، وبأقل وسيلة في الإقناع.(17)

--

(1) لفظ (مَهْ) اسمُ فعلِ أمر، معناه: اكفُفْ.

(2)  ( ادنه ) هو أمرٌ بالدنو: ومعناه القرب، والهاء فيه للسكت جيء بها لبيان الحركة. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير(2/ 138)

(3) رواه أحمد (5/ 256) والطبراني في الكبير (7679) وفي مسند الشاميين له (1066) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 713)

(4) غرقى فمَن ينقذهم / لعبد المحسن بن عبد الرحمن

(5) رواه مسلم (2594) من حديث عائشة

(6) رواه أبو داود (4941) من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه الألباني في  صحيح الجامع (1/ 661)

(7) رواه البخاري (2989) ومسلم من حديث أبي هريرة  (1009)

(8) رواه الترمذي (1956) من حديث أبي ذر، وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 561)

(9) تاريخ بغداد (16/ 306)

(10) المنهاج النبوي في دعوة الشباب لسليمان بن قاسم العيد، ص( 153)

(11) مهارات التواصل مع الأولاد (ص: 42 - 43)

(12) الرسول المعلم / لعبد الفتاح أبو غدة (ص: 82)

(13) رواه البخاري (6397) ومسلم (2524)

(14) رواه البخاري (3477) ومسلم (1792)

(15) رواه مسلم (2090)

(16) موسوعة فقه القلوب للتويجري (3/ 2346 -  2348)

(17) من قضايا التربية الدينية في المجتمع الإسلامي (ص: 69)