عدد المحرم 1438هـ
- التفاصيل
- كتب بواسطة: الشيخ محمد حسني
- المجموعة: عدد المحرم 1438هـ
- الزيارات: 10730
أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وأصحابه، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
عند اشتداد الخطوب وتكالب الكروب وتمييع العقائد واهتزاز الثوابت تشتد الحاجة إلى الدعاة المخلصين والأمناء الناصحين الذين يحملون همَّ الدين والدعوة إليه من دون أن يحركهم حظُ نفس ولا بريقُ شهرة، وإذا كان الواقع يشير إلى دخول أعداد غفيرة في مجال الدعوة بكافة صورها القديمة والحديثة، فإن هذا الأمر ليس إيجابيا من شتى الوجوه فقد تصدى للأمر من لا يحسنه وتسَوَّر على العلم من لا يتقنه وتجرأ على الفتوى غيرُ أهلها.
والدعوة إلى الله ليست عاطفة محضة ولا حرفة مجردة؛ فشأنها عظيم إن كانت على بصيرة وعلم، وخطرها جسيم إن كانت عن جهل وهوى، وهي سبيل صفوة البشر من الأنبياء والرسل ومن سار على نهجهم {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]
فالآية دليل على أن من أراد أن يدعو إلى الله فيلزمه أن تكون دعوته على بصيرة؛
قال الرازي في تفسير الآية السابقة: وهذا يدل على أن الدعاء إلى الله تعالى إنما يحسُنُ ويجوز مع هذا الشرط وهو أن يكون على بصيرة مما يقول وعلى هدى ويقين، فإن لم يكن كذلك فهو محض الغرور. (1)
ومن لم يدع إلى الله علي بصيرة فليس من أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-؛
قال ابن القيم -رحمه الله-: فدلت الْآيَة أَيْضا على أَن من لم يكن على بَصِيرَة فَلَيْسَ من أَتبَاع الرَّسُول وَأَن أَتْبَاعه هم أولو البصائر وَلِهَذَا قَالَ {أَنا وَمن اتبعني}. (2)
والبصيرة المصاحبة للدعوة لها معان ينبغي أن تكون واضحة؛ قال البغوي: البصيرة هِيَ الْمَعْرِفَةُ التي يميز بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. (3)، وقال القرطبي: (على بصيرة) أي على يقين وحق. (4)، وجاء في تفسير الجلالين: {عَلَى بَصِيرَة} حُجَّة وَاضِحَة. (5)
والبصيرة هي أعلى درجات العلم كما قال ابن القيم: أعلى درجات العلم. وهي البصيرة التي تكون نسبة العلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر. (6)
والبصيرة في الدعوة لا تختص بالعلم الشرعي فقط، بل تشمل: العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة، فيكون بصيرا بحكم الشرع، وبصيرا بحال المدعو، وبصيرا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة. (7)
فعلى كل من تصدى للدعوة بكافة صورها أن يعلم أن البصيرة والعلم أساس في الدعوة إلى الله وبدونهما فإنه يقع فيما حرم الله ويتسبب في الإفساد والإضلال لا في الهدى والرشاد
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]
وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ
عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا )). (8)
وقد سار بعض المنتسبين إلى الدعوة في دعوتهم على غير بصيرة ولا علم وكان من نتيجة ذلك أنهم لم يميزوا بين سقيم الحديث وصحيحه فنقلوا الموضوعات والمكذوبات ونسبوها للنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قال: (( وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ )). (9)
قال الذهبي: وتعمد الكذب عليه من أكبر الكبائر بل عده بعضهم من الكفر وتعمد الكذب على الله ورسوله في تحريم حلال أو عكسه كفر محض. (10)
وقد تجرأ فريق من المنتسبين إلى الدعوة على الفتوى بغير علم وصرنا نسمع فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان لا تقوم على ساق الدليل؛ والله يقول: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]
وقال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116]
قال ابن عثيمين رحمه الله: من أفتى بغير علم فقد وضع نفسه شريكًا مع الله عز وجل في تشريع الأحكام. (11)
ولسنا في معرض تعداد الأخطاء الدعوية، ولكنها إشارات وتأكيدات على كل من تصدى لتبليغ هذا الدين والدعوة إليه أن يكون على بصيرة من أمر دينه فهما وتعلما وتحقيقا وتوثيقا وأداء وتبليغا.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
كتبه
محمد حسني سلامة
----
(1) مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (18/ 520)
(2) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص: 23)
(3) مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل (4/ 467)
(4) تفسير القرطبي (9/ 274)
(5) تفسير الجلالين (ص: 319)
(6) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 451)
(7) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (9/ 119)
(8) أخرجه البخاري (100) واللفظ له، ومسلم (2673)
(9) أخرجه البخاري (110)، ومسلم (3)
(10) فيض القدير للمناوي (2/ 476)
(11) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (26/ 410)
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد المحرم 1438هـ
- الزيارات: 14912
هو سماكم المسلمين

حقيقة الانتماء للإسلام ومعياره
مقتضيات الانتماء للدين
قوادح الانتماء للدين
إن أعظم نعمة وأرفع هُويَّة وأشرف نسبة هي أن ينسب المرء للإسلام قال تعالى: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]. فنسبة المرء لهذا الدين وانتماؤه إليه هي منبع العزة ومصدر الشرف قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله. (1)
وإن اعتزاز المسلم بالانتماء لدينه وصف لا ينفك عنه حتى في لحظات الضعف بل في لحظات الهزيمة
فهذا يوسف عليه السلام يلقيه أخوته في غيابة الجب ليلتقطه سيارة فيبيعونه بثمن بخس دراهم معدودة؛ ثم يتعرض لفتنة امرأة العزيز فيسجن مظلوما على الرغم من طهره وعفافه ولكن هذه الظُّلامات وتلك الملمَّات لم تمنعه أن يجهر في محبسه باعتزازه بدينه وعراقة نسبه وانتمائه إليه وبراءته مما سواه {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [يوسف: 37- 38]
والجزاء من جنس العمل فقد امتن الله عليه بعدما مكث في السجن بضع سنين
وصيره عزيزا في مصر ليأتيه أخوته سائلين راجين واصفين إياه بلقب العزيز كما أخبر رب العزة {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88]
حقيقة الانتماء للإسلام ومعياره
إن انتماء المرء لدينه يحمل معنى الاستسلام لله بتوحيده والانقياد له بطاعته والخضوع والذل له وحده؛ وثمرة هذا أن يؤثر الدين في سلوك المتدين؛ قال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138] قال القرطبي: فسمي الدين صبغة استعارة ومجازا من حيث تظهر أعماله وسمته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. (2)
وحقيقة الانتماء للإسلام ليست شعارات ترفع أو دعوى مجردة عن العمل ذلك أن العمل داخل في ماهية الإيمان ومسماه وهذا من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ قال البخاري رحمه الله: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم. . ثم سمى جماعة منهم، ثم قال: فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل؛ وذلك لقول الله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةِ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] (3)
من أجل ذلك كانت أوثق أسباب الروابط بين المسلمين نتاج التوافق في الدين
والمعتقد السليم والمنهج الصحيح، قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]
وقال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ
أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [[هود: 45-46]
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]
مقتضيات الانتماء للدين
أولا: موافقة الشرع ومتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: دين الإسلام مبني على أصلين:
- أن نعبد الله وحده لا شريك له
- وأن نعبده بما شرعه من الدين
وهو ما أمرت به الرسل أمر إيجاب أو أمر استحباب، فيُعبد في كل زمان بما أمر به في ذلك الزمان. فلما كانت شريعة التوراة محكمة كان العاملون بها مسلمين، وكذلك شريعة الإنجيل.
وكذلك في أول الإسلام لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي إلى بيت المقدس كانت صلاته إليه من الإسلام، ولما أُمر بالتوجه إلى الكعبة كانت الصلاة إليها من الإسلام، والعدول عنها إلى الصخرة خروجًا عن دين الإسلام. (4)
فلا يكفي لقبول العمل أن يكون خالصا لله بل لابد أن يكون موافقا لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-
قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]
وقال: تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]
وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]، فجعل محبة العبد لربه موجبة لاتباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببا لمحبة الله عبده.
وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى. (5)
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ. (6)، وفي رواية لمسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. (7)
ومتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم- من لوازم شهادة أن محمدا رسول الله، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع. (8)
ثانيا: اتباع منهج السلف الصالح وتقديم فهمهم للنصوص
المقصود بالسَّلَف: أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن تبِعَهم بإحسان، فلم يَخْرُج عن منهجهم.
ومن دلائل صدق الانتماء إلى الدين اتباع منهج السلف الصالح واتباع طريقهم وتقديم فهمهم للنصوص، وقد قامت الأدلة على ربط الهداية والفوز باتباع منهج السلف الصالح من الصحابة ومن سار على نهجهم قال تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ} [البقرة: 137]
وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]
قال ابن القيم: ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويظفر به من بعدهم. (9)
وقد توعد رب العزة من خالف طريق الصحابة وسلك غير سبيلهم؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]؛ فاتباع طريق الصحابة والسلف الصالح فرع عن اتباع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-
ويتميز علم السلف الصالح وفهمهم بالصفاء والاقتصار على ما ينفع وعدم الخوض في الجدال والخصام.
وما ظهرت البدع وتفرقت الأمة إلا عند الإعراض عن فهم السلف من الصحابة ومن تبعهم كما فعل الخوارج عندما خرجوا على المسلمين محتجين بفهمهم لنصوص الكتاب والسنة على نحو يخالف فهم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وكان من نتيجة ذلك ما قاله ابن عبد البر: هم قوم استحلوا بما تأولوا من كتاب الله ( عز وجل ) دماء المسلمين وكفروهم بالذنوب وحملوا عليهم السيف. (10)
فضلوا السبيل فلم تغن عنهم كثرة قراءتهم وعبادتهم شيئا كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- من شأنهم: يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ
يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. (11)
وقد أمَر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتمسُّك بِفَهْم أصحابه، فقال: فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ. (12)
وسنة الخلفاء الراشدين أي ما فهموه لأنهم لا يخرجون عن الكتاب والسنة ليشرعوا تشريعًا جديدًا
ثالثا: الانتماء إنما يكون للدين وليس للأشخاص ولا الأفكار
قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}، قال ابن القيم: فأخبر سبحانه أن الهداية في طاعة الرسول لا في غيرها، فإنه معلق بالشرط فينتفي بانتفائه. (13)
وقال ابن القيم: قال الشافعي، رحمه الله: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. (14)
وقال ابن القيم: إن الحجة الواجب إتباعها على الخلق كافة إنما هو قول المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وأما أقوال غيره فغايتها أن تكون سائغة الاتباع فضلاً عن أن يعارض بها النصوص. (15)
رابعا: التسليم لكل ما جاءنا من الله وصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
إن التسليم للنصوص الشرعية تابع لقوة الإيمان وضعفه فكلما قوي الإيمان ازاد التسليم لنصوص الشارع وكلما ضعف الإيمان ضعف التسليم للنصوص الشرعية؛ لذا فقد أثنى رب العزة على من أسلم وجهه لله فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [النساء: 125]
وقال تعالى {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22]
عن معاذة، قالت: سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ. قَالَتْ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. (16)
خامسا: ترسيخ عقيدة الولاء والبراء
الولاء معناه المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد، والولاء والبراء أمر قلبي في أصله. . لكن يظهر على اللسان والجوارح. . فالولاء لا يكون إلا لله تعالى ورسوله --صلى الله عليه وسلم-- وللمؤمنين كما قال سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [المائدة: 55] فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والإشفاق عليهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم وتشييع ميتهم ومواساتهم
وإعانتهم والسؤال عن أحوالهم، وغير ذلك من وسائل تحقيق هذا الولاء. (17)
ولا يكون الولاء لمن وافق في الدين والعقيدة الصحيحة
قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ
أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [[هود: 45-46]
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]
البراء والولاء لله سبحانه: أن يتبرأ الإنسان من كل ما تبرأ الله منه كما قال سبحانه وتعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا} [الممتحنة: 4]، وهذا مع القوم المشركين كما قال سبحانه: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3].
فيجب على كل مؤمن أن يتبرأ من كل مشرك وكافر. فهذا في الأشخاص.
وكذلك يجب على المسلم أن يتبرأ من كل عملٍ لا يرضي الله ورسوله وإن لم يكن كفراً، كالفسوق والعصيان كما قال سبحانه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7].
وإذا كان مؤمن عنده إيمان وعنده معصية، فنواليه على إيمانه، ونكرهه على معاصيه. (18)
والبراءة من الكفار تكون: ببغضهم - ديناً - وعدم بدئهم بالسلام وعدم التذلل لهم أو الإعجاب بهم، والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم - شرعاً - وجهادهم بالمال واللسان والسنان، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام وغير ذلك من مقتضيات البراءة منهم. (19)
ونقل ابن مفلح عن عقيل قوله: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة. . . إلى أن قال: وهذا يدل على برودة الدين في القلب. (20)
قوادح الانتماء للدين
أولا: التفرق والتحزب
إن الله تعالى قد نهى عن التفرق والخصام فقال: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46]
وقال: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32]
وإن من أكبر أسباب التفرق ترك ما أمر الله به واتباع الشبهات والأهواء
قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 14]. قال شخ الإسلام ابن تيمية: فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب. (21)
قال ابن رجب رحمه الله: وأما فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعا وكفر بعضهم بعضا، وأصبحوا أعداءً وفرقا وأحزابا بعد أن كانوا إخوانا قلوبهم على قلب رجل واحد، فلم ينج من هذه الفرق إلا الفرقة الواحدة الناجية، وهم المذكورون في قوله -صلى الله عليه وسلم-: لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا
يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. (22)
ثانيا: التشبه بغير المسلمين يقدح في الانتماء للدين
لقد أرادت الشريعة الإسلامية أن تجعل للمسلم شخصية متميزة عن غيره في الظاهر والباطن؛ وقد منع الشارع الحكيم التشبه بالكفار في عاداتهم وعباداتهم وأعيادهم وملابسهم فمن حديث أنس بن مالك عند مسلم، وفيه أن اليهود قالوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ. (23)
فالتشبه بغير المسلمين يقدح في صدق انتماء المرء لدينه.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية بعضا من أخطار التشبه بغير المسلمين وهي:
1- المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس؛ فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة - مثلا - يجد من نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيا لذلك، إلا أن يمنعه مانع.
2- ومنها: أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب وأسباب الضلال، والانعطاف على أهل الهدى والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام - الذي هو الإسلام، لست أعني مجرد التوسم به ظاهرا أو باطنا بمجرد الاعتقادات من حيث الجملة - كان إحساسه بمفارقة اليهود والنصارى باطنا وظاهرا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين أشد.
3- ومنها: أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرا، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين إلى غير ذلك من الأسباب الحكمية.
هذا إذا لم يكن ذلك الهدي الظاهر إلا مباحا محضا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم؛ كان شعبة من شعب الكفر؛ فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم.(24)
والحمد لله رب العالمين
---
(1) أخرجه الحاكم (207)، وصححه الألباني في الصحيحة (1/117- 118)
(2) تفسير القرطبي (2/ 144)
(3) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 195)
(4) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، شيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 69)
(5) أخرجه البخاري (7280)
(6) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718)
(7) أخرجه مسلم (1718)
(8) مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 1/190.
(9) إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 106)
(10) الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (8/ 85)
(11) أخرجه البخاري (3610)، ومسلم (1064)
(12) أخرجه أحمد (4/127)، وأبو داود (4609) من حديث العرباض
(13) الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه (ص: 37)
(14) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 6)
(15) الرسالة التبوكية (ص: 37)
(16) أخرجه مسلم (335)
(17) أبحاث في الاعتقاد عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (ص: 28- 29)
(18) انظر: مجموع فتاوى و رسائل الشيخ محمد صالح العثيمين - باب الولاء والبراء.
(19) أبحاث في الاعتقاد (ص: 28- 29)
(20) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 237)
(21) مجموع الفتاوى (3/ 421)
(22) كشف الكربة في وصف أهل الغربة لابن رجب (ص: 319)
(23) أخرجه مسلم (302)
(24) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 93 - 94)
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد المحرم 1438هـ
- الزيارات: 15074
فتح المنان في تدبر معاني وأسرار الأذان

مقدمة
فإن من الشعائر العظيمة لديننا الحنيف شعيرة الأذان، وهي اعتراف للعظيم بعظمته وتوحيده، وإعلان هذه العظمة ليسمعها كل موجود، ويرددها المسلمون لتتأكد في أذهانهم معانيها العميقة، ويشاركوا المؤذن فضلها حين يسمعون هذا النداء الذي تهفو لإجابته القلوب السليمة، وتنفر منه القلوب السقيمة وعلى رأسها الشيطان، ثم يذكرون علم الهدى بعد الفراغ منه بالدعاء له. (1)
تعريف الأذان لغة واصطلاحاً
الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قولهم: آذنه، إذا أعلمه، قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27]، والمراد بذلك أعلِمهم به، فأصل الأذان: الإعلام. (2)
وأما في الاصطلاح: فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بلفظٍ مخصوص. (3)
حكم الأذان: والأذان مشروعٌ بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، شرعه الله في كتابه بقوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 58]، أي: أذَّنتم بها وأعلنتم بها.
وهو فرض كفاية على الراجح من كلام أهل العلم على الرجال دون النساء وعَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا". (4)
ووجه الدلالة في قوله: (فأذِّنا)؛ حيث دل على مشروعية الأذان بالسنة القولية. (5)
فضل الأذان وقصة رؤيته
عن عبد الله بْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قال: كَانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاَةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلاَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا بِلاَلُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ". (6)
عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: اهْتَمَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا، فَقِيلَ لَهُ: انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ الْقُنْعُ - يَعْنِي الشَّبُّورَ وَقَالَ زِيَادٌ: شَبُّورُ الْيَهُودِ - فَلَمْ يُعْجِبْهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: "هُوَ مِنْ أَمْرِ الْيَهُودِ" قَالَ: فَذُكِرَ لَهُ النَّاقُوسُ، فَقَالَ: "هُوَ مِنْ أَمْرِ النَّصَارَى" فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ وَهُوَ مُهْتَمٌّ لِهَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَأُرِيَ الْأَذَانَ فِي مَنَامِهِ، قَالَ: فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَبَيْنَ نَائِمٍ وَيَقْظَانَ، إِذْ أَتَانِي آتٍ فَأَرَانِي الْأَذَانَ، قَالَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه-، قَدْ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا، قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ لَهُ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنِي؟ "، فَقَالَ: سَبَقَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "يَا بِلَالُ، قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَافْعَلْهُ" قَالَ: فَأَذَّنَ بِلَالٌ. (7)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا
إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا". (8)
وعَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ-رضي الله عنهما-، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". (9)
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ-رضي الله عنه-، قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: "لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-(10)
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ-رضي الله عنه-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: " يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ ". (11)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا
لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى ". (12)
وعن أَنَسٍ -رضي الله عنه-، يَقُولُ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبِحُ، فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا". (13)
الحكمة من مشروعية الأذان
1- تنبيه الناس وإعلامهم بفريضة الله عز وجل، ويكون بعد دخول الوقت، ولا يصح الأذان قبل دخول الوقت إلا أذان الصبح الذي يكون في السدس الأخير من الليل، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. (14)
وجه الدلالة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيّن أن أذان بلال بالسحر، وهو الأذان الأول: لأن الإنسان إذا كان في قيام الليل قد لا ينتبه لدخول الفجر، فربما استمر في صلاته بالليل حتى يفاجأ بأذان الفجر ولم يوتر، ولذلك شرع الله عز وجل هذا الأذان. (15)
2- فيه إعلاءً لذكر الله عز وجل، ولذلك قال بعض السلف في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، قال: المراد بهذا المؤذن، فإنه يدعو إلى الله، ويعمل صالحاً بدعوته إلى الصلاة، ويقول: إنه من المسلمين؛ لأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمداً رسول الله، فهذا خيرٌ كثير للقائل، وخيرٌ للناس لما فيه من إعلاء كلمة الله عز وجل. (16)
3 - إعلان التوحيد، وتذكير الناس به ليلاً ونهاراً.
4- إظهار الشعائر، والتعريف بأن الدار دار إسلام.
5 - الدعاء للصلاة التي هي الفلاح، وتنبيه الغافلين حتى لا يفوتهم هذا الفلاح.
6- الدعاء إلى صلاة الجماعة التي فيها خير كثير. (17)
صفات المؤذن
1- أن يكون صيتاً أي قوي الصوت لأن المقصود من الأذان الإعلام.
والشخص يكون ذا صوت على أحوال، فأعلاها وأسماها وأسناها رفعة الصوت مع النداوة والطراوة، وهو الذي يسمونه ندي الصوت؛ فإنه قد يكون صوته عالياً لكنه مؤذٍ، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فإن كان صيتاً، مؤذياً بصوته فيُعدل عنه إلى من هو أندى صوتاً.
والسبب في هذا أن المؤذن يؤذِّن والناس في ضجعتهم وفي نومهم وفي راحتهم، فإن كان مزعج الصوت آذاهم بهذا الأذان، وربما أزعج الضعفاء من الأطفال والصبية، فحينما يكون ندي الصوت يكون ذلك أدعى لذهاب هذه المفسدة، ويدل على هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن زيد "إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ، وَيُؤَذِّنُ بِهِ ". (18)
2- أن يكون أميناً أي من الأمانة وهي الحفظ
والدليل على اشتراط أن يكون المؤذن أميناً ما ثبت في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ". (19)
أ- قال العلماء: وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤذن بكونه أميناً لأمور، منها: أنه يؤتمن على ركن من أركان الإسلام وهو الصلاة، وهو أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فإن المؤذن مؤتمن على دخول الوقت، فينبغي أن يكون أميناً حتى لا يغش ولا يكذب في أذانه، فإذا كان متساهلاً أو فاسقاً غير عدلٍ فإنك لا تأمن منه أن يبتدر بالأذان قبل الوقت فيفوت على الناس صلاتهم.
ب- كذلك المؤذن مؤتمن على ركنٍ ثانٍ وهو الصوم؛ لأن تأذينه في الفجر إعلامٌ بدخول وقت الإمساك، وتأذينه في المغرب إعلام بانتهاء الصيام. (20)
3- أن يكون عالماً بالوقت
لأن الأذان إعلاماً بالوقت فوجَب أن يكون المؤذن عالماً بالوقت، فيعرف وقت الزوال، ويعرف دلائل غروب الشمس، ويعرف متى يصير ظل كل شيء مثله، ومتى يصير ظل كل شيءٍ مثليه، وكيف يضبط ذلك، ويعرف الفجر الصادق من الفجر الكاذب، حتى يكون ضابطاً لوقت الفجر، وقس على هذا بقية أوقات الصلاة. (21)
في بعض أسرار الأذان وبدائعه ومعانيه
الأذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على توحيد الله بأسمائه وصفاته، فأوّله إثبات الذات، وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادها، وذلك بقوله: "الله أكبر"، وهذه اللفظة مع اختصارها دالة على ما ذكرناه.
ثم صرّح بإثبات الوحدانية ونفي ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى، وهذه عمدة الإيمان والتوحيد المقدّمة على كل وظائف الدين.
ثم صرّح بإثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد وبعد هذه القواعد كملت العقائد فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى.
ثم دعاهم إلى ما دعاهم الله إليه من العبادات، فدعاهم إلى الصلاة، وعقّبها بعد إثبات النبوّة لأن معرفة وجوبها من جهة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ثم دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء، وهي آخر تراجم عقائد الإسلام. (22)
قال الإمام الحافظ برهان الدين البقاعي -رحمه الله- في جزءٍ لطيف في أسرار الأذان سمّاه "الإيذان بفتح أسرار التشهّد والأذان" والأذان هو الإعلام بأوقات الصلاة تنبيها على أن الدين قد ظهر، وانتشر علم لوائه في الخافقين واشتهر، وسار في الآفاق على الرؤوس فبهر، وأذلّ الجبابرة وقهر وأعلم أنه لما كان الدين المحمدي دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره، قد علا على كل دين، وقد كان الشّرك منذ أزمان في غاية الظهور، والباطل هو المعمول به والمشهور، فناسب أن يصرّح بأذانه، ولما كانوا يشركون به سبحانه، ويتعبّدون بسواه، فبدأ بالتنبيه على تفرّده بالكبرياء، وتوحّده بالعلاء، فقال بادئا بالاسم الأعظم، الدّالّ على الذّات، المستجمع لجميع الكمالات: (الله) أي الملك الذي لا كفء له ولا سمّي، ولا ضدّ ولا نظير، وأتى بالخبر نكرة ليدلّ على إسناده إليه على الإطلاق، وأنه لا خفاء في انفراده بذلك، فقال: (أكبر)، وهذا يشعرك بعظمة الله، وأنه أكبر من كل كبير، ما قال: الله كبير، بل أكبر -أفعل التفضيل- كل ما كبر في نظرك أو في اعتقادك أو في حسبانك فالله أكبر من ذلك.
ولما تمّ تقرير ذلك في الأذهان، وعلم أن التوحيد قد علا، وقهر جميع الأديان، ارتقب كلّ سامع ما يقال بعده، فقال مبتدئا دورا جديدا من هذا الإعلام لمزيد التقرير عند جميع الأنام: (الله أكبر ).
فلما علم أن ذلك إلى غير نهاية، ولا حدّ تقف عنده كلّ غاية، قال مترجما لما أنتجه، ملقّنا لكل سامع ما وجب عليه من الجواب، مسرّا بذلك بعض الأسرار، إعلاما بما كان من حال هذا الدّين في أول الأمر، برهانا على حسن هذا التأكيد: (أشهد) أي أعلم علما قطعيّا أنّي في مريد بصري كالناظر إلى محسوس هو في غاية الجلاء: (ألّا إله إلا الله). ولما كان المقام كما مضى شديد الاقتضاء للتأكيد قال ثانيا: (أشهد ألّا إله إلا الله).
فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد، ولم يحتج إلى مزيد، فتلقّى ذلك بالقبول العبيد، فثبتت رسالة الذي أتى بهذا الدّين، وجاهد به الجاحدين، حتى قهرهم وحده صاغرين أجمعين، قال على طريق النتائج المسلّمة: (أشهد أن محمدا) - ذاكرا أشهر أسمائه وأطيبها وأظهرها- (رسول الله)، مخصّصا وصف الرّسالة الذي هو بين الحقّ والخلق، لأن المقام داع إليه، ومقصور عليه، ثم أتبع ذلك ما اقتضاه الحال من تأكيده في تعظيمه وتمجيده فقال: (أشهد أن محمدا رسول الله). فلما أخذ المقام حظّه من التأكيد للإعلام، بما كان فيه للإسلام من الشدائد والآلام، أتبعه ما اقتضاه الحال، من رفع الصّوت بهذا المقال مشيرا مع ذلك إلى أن باطن الدّين وظاهره سواء.
فلما استقرّ في الأذهان سرّ هذا الإعلان، أتبعه ما اقتضى الحال من الشهادة فقال (حيّ على) - أي هلمّوا أقبلوا جهارا غير خائفين من أحد- إلى (الصلاة)، بادئا بما هو نهاية الدّين، الجامع لشمله، المميّز لأهله.
فلما تقرّر ذلك كان كأنه قيل: هل من عمل غيرها؟ فقال: (حي على الفلاح)، فكان ذلك، مع أنه دعاء إلى كل عمل يوجب الفوز والظّفر بكل مراد مؤكدا للدّعاء إلى الصلاة على أبلغ وجه.
ولا شك أنه أحسن مما ورد في بعض الآثار الموقوفة في الموطّأ، رواية محمد بن الحسن، وجاء مع عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما، وصرّح الحفّاظ بأنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-قوله: (حيّ على خير العمل)، لأنه مع كونه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد صار شعار الرّوافض لا يشمل جميع الأعمال الصالحة، وكان الوارد في الصحيح أبلغ من وجهين: من جهة أنه شامل لكل خير، ومن جهة التعبير عن ذلك باللازم الذي هو الغاية المترتبة على العمل تحبيبا فيه، وتشويقا إليه، وفيه إشارة إلى أن الأمر خطير، والطريق صعب، فلا بد من التّأهّب له بأعظم الزّاد، لتحصل الراحة في المآل والمعاد.
ولما كان المدعو قد يكون نائما، وكان النوم قد يكون خيرا، إما بأن يكون القصد به راحة البدن للتّقوي على الطاعة، أو أن يكون للتّخلّي عن المعصية، وكان أكثر ما يكون ذلك في آخر الليل، كان التثويب خاصّا بأذان الصبح، فقال فيه: (الصلاة) - التي هي أعظم الفلاح، ومن أعظم مقاصد هذا الأذان الإعلام بوقتها والدّعاء إليها- (خير من النوم). ولما كان من يغلبه النوم محتاجا إلى الإزعاج، أكّد ذلك بالتكرير، فقال: (الصلاة خير من النوم).
ولما تمّ الدّين بجملته، وكمل أصلا وفرعا، قولا ونية وعملا، برمّته، علّل الدّعاء إليه مرغّبا مرهّبا، بقوله، مذكّرا بما بدأ الأمر به، لاستحضار عظمته التي أظهر بها الدّين، وأذلّ بها المعتدين، بعد أن كانوا على ثقة من أنه لا غالب لهم، (الله أكبر)، ثم أكّد بمسيس الحاجة إلى ذلك في الترغيب والترهيب، فقال: (الله أكبر). فلما تمّ الأمر، وجلا التشويق والزّجر، لم تدع حاجة إلى تربيع التكبير هنا كما كان في الأول، فختم بما بدأ به من التوحيد إعلاما بأنه لا يقبل شيء من الدّين إلا به مقارنا له من ابتدائه إلى انتهائه، فقال: (لا إله إلا الله). (23)
استحباب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وسؤال الوسيلة بعد الأذان
فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ-رضي الله عنهما-، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ". (24)
قال بعض العلماء: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالصلاة عليه بعد الأذان لذكره في الأذان، ومنهم من قال: إنه أمر بالصلاة عليه لوجود الدعوة؛ لأنه يُسن أن يُبتدئ الدعاء بالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمن فضائله -كما في أحاديث الترغيب- أن يكون في الدعاء الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ". (25)
ويقول بعد انتهائه من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم رب هذه الدعوة التامة. . )، فهي دعوة تامة كاملة؛ لأنها اشتملت على أمرين: أحدهما تعظيم الله، وثانيهما توحيده، ولذلك وصف الله صاحبها بأنه أحسن الناس قولاً، فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]؛ لأن المؤذن يصلي، وعمل صالحاً بدعوة الناس إلى الصلاة، فلذلك قالوا: هي دعوةٌ تامة، دعا إلى توحيد الله عز وجل بشهادته ثم دعا إلى إقام الصلاة التي هي من تعظيم الله عز وجل.
(والصلاة القائمة) أي: التي ستقام، فيوصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، والوسيلة هي كما فسَّرها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (درجةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال: وأرجوا أن أكون أنا هو)، ومن سأل للنبي -صلى الله عليه وسلم- الوسيلة حلّت له الشفاعة يوم القيامة، فنسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبلغه الوسيلة، وأن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته.
ثم ختمها بقوله -صلى الله عليه وسلم- (والفضيلة، والمقام المحمود الذي وعدته)، والفضيلة: من الفضل، والفضل: الزيادة، أي: الفضائل، وهي أعلى الدرجات، وإذا تفضَّل الله على العبد فقد بلَّغه أعالي المراتب وأكملها، كما قال تعالى في الخير: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 54]، فالفضل: الخير العظيم، وقال تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة: 105]، ومعنى (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) هو المقام الذي يحمِده عليه الأولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة، قال تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]، وعسى في القرآن للحقيقة، وهو مقام الشفاعة.(26)
والحمد لله رب العالمين
---
(1) شرح رياض الصالحين (97/ 1).
(2) تاج العروس (34/ 161).
(3) شرح زاد المستقنع للشنقيطي (28/ 3).
(4) صحيح البخاري (1/ 132) رقم 658، صحيح مسلم (1/ 466) رقم 293(674).
(5) شرح زاد المستقنع للشنقيطي (28/ 3).
(6) صحيح البخاري (1/ 124) رقم 604، صحيح مسلم (1/ 285) رقم 1(377).
(7) صحيح أخرجه أبو داود في سننه (1/ 134) رقم 498وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2/ 404) رقم 511.
(8) صحيح البخاري (1/ 126) رقم 615، صحيح مسلم (1/ 325) رقم 129(437).
(9) صحيح مسلم (1/ 290) رقم 14(387).
(10) صحيح البخاري (1/ 125) رقم 609.
(11) صحيح أخرجه أبو داود في سننه (2/ 4) رقم 1203، والنسائي في سننه (2/ 20) رقم 666، وصححه الألباني في إرواء الغليل (1/ 230) رقم 214، وفي السلسلة الصحيحة (1/ 102) رقم 41.
(12) صحيح البخاري (1/ 125) رقم 608، صحيح مسلم (1/ 291) رقم 16 (389).
(13) صحيح البخاري (4/ 47) رقم 2943.
(14) صحيح البخاري (1/ 127) 617، صحيح مسلم (2/ 768) رقم(1092)
(15) شرح زاد المستقنع للشنقيطي (28/ 4).
(16) المرجع السابق.
(17) موسوعة الفقه الإسلامي (2/ 387).
(18) حسن أخرجه أبو داود (1/ 135) رقم 499، وابن ماجه (1/ 232) رقم 706، وجماعة من حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- وانظر إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/ 264) رقم 246للألباني.
(19) صحيح أخرجه أحمد في مسنده (12/ 89) رقم 7169، ومن طريقه أبي داود (1/ 143) رقم 517 وجماعة غيرهما وانظر صحيح أبي داود (3/ 3) رقم 530 للألباني.
(20) شرح زاد المستقنع للشنقيطي (29/ 1).
(21) شرح زاد المستقنع للشنقيطي (29/ 1).
(22) شرح النووي على مسلم (4/ 89) نقلاً عن القاضي عياض.
(23) قلت: قد ألّف الإمام الحافظ برهان الدين البقاعي -رحمه الله- جزءا لطيفا في أسرار الأذان سمّاه "الإيذان بفتح أسرار التشهّد والأذان" وهذا الذي ذكرته نقلاً عن سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (3/ 354) بتصرف.
(24) صحيح مسلم (1/ 288) رقم 11(384)، صحيح البخاري (1/ 126) رقم 611 مختصرا.
(25) صحيح البخاري (6/ 86) رقم 4719.
(26) شرح زاد المستقنع للشنقيطي (29/ 1).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد المحرم 1438هـ
- الزيارات: 29929
التبيان لأسباب وعلاج الهموم والأحزان

خطورة الهموم والأحزان
ضوابط مهمة
الأسباب التي تجلب الهموم والأحزان
العلاج الناجع
مقدمة بين يدي الموضوع: الهموم والأحزان ضيفان ثقيلان على الإنسان في دنياه لا يكادان يفارقانه حتى يأذن الله سبحانه له بدخول الجنة، حيث لا حزن ولا ألم، ولاهم و لا غم، ولا كرب و لا ضيق لذلك فإن من أول دعاء أهل الجنة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } [فاطر: 34، 35]
والأشقياء بكل معنى الشقاء هم المفلسون من نسيم الإيمان وروحه وجنته فهم أبدا في تعاسة دائمة وضنك من العيش لا يطاق: قال الله تعالى يصف حالهم: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]
وبقدر إيمان المرء تكون سعادته. . . فتستقر نفسه لحسن موعود ربه، ويثبت قلبه بشعوره بمعيته، ويستريح ضميره من مخالفة هواه، وتبرد أعصابه أمام الحوادث، ويسكن قلبه عند وقع القضاء. . . قال الله تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } [النحل: 97]
خطورة الهموم والأحزان
الهموم والأحزان من أكبر أعداء صحة المسلم
قال ابن القيم -رحمه الله-: أَرْبَعَةٌ تَهْدِمُ الْبَدَنَ: الْهَمُّ، وَالْحُزْنُ، وَالْجُوعُ، وَالسَّهَرُ. (1)
الهموم والأحزان يُضْعِفَانِ الْعَزمَ وَيُوهِنَانِ الْقَلبَ
قال ابن القيم -رحمه الله-: الْهَمُّ وَالْحَزَنُ يُضْعِفَانِ الْعَزْمَ، وَيُوهِنَانِ الْقَلْبَ، وَيَحُولَانِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ، فِيمَا يَنْفَعُهُ وَيَقْطَعَانِ عَلَيْهِ طَرِيقَ السَّيْرِ، أَوْ يُنَكِّسَانِهِ إِلَى وَرَاءٍ، أَوْ يَعُوقَانِهِ وَيَقِفَانِهِ، أَوْ يَحْجُبَانِهِ عَنِ الْعِلْمِ فَهُمَا حِمْلٌ ثَقِيلٌ عَلَى ظَهْرِ السَّائِرِ. (2)
الهموم والأحزان مع ضعف الإيمان ربما حملا الإنسان على الانتحار
من أعظم أسباب الانتحار في العالم الهموم والأحزان وعدم الرضا بالقضاء والقدر، فتجد هؤلاء تحوّل عندهم طيب العيش إلى نكد، وهربوا من الواقع وهاموا في الشوارع وأحبوا الخلوة، وقد ابتلوا بالخمر والمخدرات والمسكرات والمفترات؛ وصدق الله تعالى حيث قال: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]
لذك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من الهم والحزن
عن أَنَس بْن مَالِكٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ )). (3)
فالهم والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم. (4)
ضوابط مهمة لابد للمؤمن أن ينتبه إليها
- الدنيا دار ابتلاء
فكل إنسان عنده هموم وأحزان، فلا أحد يسلم منها البتة قال الله تعالي: { الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3]
وقال الله تعالي: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ. . . } [البقرة: 155]
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: الدنيا وضعت للبلاء. فينبغي للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر. (5)
- المؤمن العاقل هو من يعلم أن تقدير الغم والحزَن لا يخرج عن أحد أمرين:
الأول: أن يكون ذلك عقوبة على معاصٍ يرتكبها، وآثام يفعلها، وإنما يقدِّر الله تعالى عليه ذلك حتى يرجع، ويتوب، ويدع ما هو فيه من فعل للسيئات، وتركٍ للواجبات.
قال تعالى {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]
قال ابن القيم -رحمه الله-: الغموم والهموم والأحزان والضيق عقوبات عاجلة ونار دنيوية وجهنم حاضرة. (6)
والثاني: أن يكون ذلك ابتلاءً لرفع الدرجات، وتكفير السيئات، وليس أمام المؤمن ما يفعله هنا إلا الصبر، والاحتساب، والحرص على إزالة تلك الهموم والغموم بمزيد من الطاعة، وكثير من العمل الصالح.
- من استحضر الثواب خفَّ ألمه وحزنه
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنهما-: عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ (( مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ )). (7)
- أحسن الظن بربك واعلم أن الفرج قريب لا محالة
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( وَاعْلَمْ أنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا )). (8)
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29]، قَالَ: (( مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَخْفِضَ آخَرِينَ )). (9)
قل لمن يحملُ هما إن همك لن يدوم
مثلما تفني السعادة هكذا تفني الهموم
الأسباب التي تجلب الهموم والأحزان
تختلف الأسباب التي تجلب الهموم وتتسبب في الأحزان المستمرة ولكنها قد تجتمع في عدة محاور تدور حولها منها:
- الفراغ القلبي والروحي من الإيمان بالله
فالقلب في فاقة دائمة لا يمكن أن يسدها سوى قوة العقيدة في الله سبحانه، ومن أهمل تقوية ذلك كان شاعرا بنقص مستمر وفراغ وهو لا يدري سببه.
وتأمل قوله تعالى: { وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]
وتأمل هذا الكلام الماتع لأستاذ القلوب ابن القيم -رحمه الله-: فِي الْقَلْبِ شَعَثٌ، لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ. وَفِيهِ وَحْشَةٌ، لَا يُزِيلُهَا إِلَّا الْأُنْسُ بِهِ فِي خَلْوَتِهِ.
وَفِيهِ حُزْنٌ لَا يُذْهِبُهُ إِلَّا السُّرُورُ بِمَعْرِفَتِهِ وَصِدْقِ مُعَامَلَتِهِ.
وَفِيهِ قَلَقٌ لَا يُسَكِّنُهُ إِلَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ، وَالْفِرَارُ مِنْهُ إِلَيْهِ.
وَفِيهِ نِيرَانُ حَسَرَاتٍ: لَا يُطْفِئُهَا إِلَّا الرِّضَا بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَضَائِهِ، وَمُعَانَقَةُ الصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ إِلَى وَقْتِ لِقَائِهِ. وَفِيهِ طَلَبٌ شَدِيدٌ: لَا يَقِفُ دُونَ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَحْدَهُ مَطْلُوبَهُ.
وَفِيهِ فَاقَةٌ: لَا يَسُدُّهَا إِلَّا مَحَبَّتُهُ، وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ، وَدَوَامُ ذِكْرِهِ، وَصِدْقُ الْإِخْلَاصِ لَهُ. وَلَوْ أُعْطِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَمْ تَسُدَّ تِلْكَ الْفَاقَةَ مِنْهُ أَبَدًا. (10)
- الفشل وعدم الإنجاز
فأصحاب الإنجازات الذين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم ولمجتمعهم قدرا كبيرا من التقدم الإيجابي غالبا ما يطردون الهموم حيث يكون همهم منصبا على رفعة أمتهم وتقدم ذواتهم في تحقيق التقدم المستمر، وعلى العكس فالذين لم يحققوا إنجازا يذكر طوال أعمارهم وينظرون خلفهم فلا يجدون إلا فراغا فهؤلاء يكون الهم أكثر قربا منهم.
وانظر بعين التدبر في الآيات التي نزلت بصدد غزوة أُحد: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ. . } قال في الآية التي بعدها {. . . فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ } [آل عمران: 152، 153]
- الانكسار لغير الله وفقدان العزة
فالعزة مصدرها قوة اليقين بما عند الله وبموعوده وصدق الانتماء لدينه ولأمته مهما مرَّ بها من ظروف ضعف أو هزيمة قال الله تعالى {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] أما المنهزمون الذين يقدرون الأمم تقديرا خاطئاً ويضعف انتماؤهم لأمتهم فهؤلاء أكثر الذين يتعرضون للانكسار والذل والهزيمة.
- نسيان الآخرة وجعل الدنيا هي الهمّ الأكبر
قال ابن القيم -رحمه الله-: إِذا أصبح العَبْد وَأمسى وَلَيْسَ همه إِلَّا الله وَحده تحمل الله سُبْحَانَهُ حَوَائِجه كلهَا وَحمل عَنهُ كل مَا أهمه وَفرغ قلبه لمحبته وَلسَانه لذكره وجوارحه لطاعته وَإِن أصبح وَأمسى وَالدُّنْيَا همه حمله الله همومها وغمومها وأنكادها ووكله إِلَى نَفسه فشغل قلبه عَن محبته بمحبة الْخلق وَلسَانه عَن ذكره بذكرهم وجوارحه عَن طَاعَته بخدمتهم وأشغالهم. (11)
العلاج الناجع لطرد الهموم والأحزان
- الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره
عَنْ صُهَيْبٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ )). (12)
يقول ابن القيم -رحمه الله-: من ترك الِاخْتِيَار وَالتَّدْبِير فِي طلب زِيَادَة دنيا أَو جاه أَو فِي خوف نُقْصَان أَو فِي التَّخَلُّص من عَدو توكلا على الله وثقة بتدبيره لَهُ وَحسن اخْتِيَاره لَهُ فَألْقى كنفه بَين يَدَيْهِ وَسلَّم الْأَمر إِلَيْهِ وَرَضي بِمَا يَقْضِيه لَهُ استراح من الهموم والغموم وَالْأَحْزَان وَمن أَبى إِلَّا تَدْبيره لنَفسِهِ وَقع فِي النكد وَالنّصب وَسُوء الْحَال والتعب فَلَا عَيْش يصفو وَلَا قلب يفرح وَلَا عمل يزكو وَلَا أمل يقوم وَلَا رَاحَة تدوم. (13)
- القناعة بما قسمه الله
والمقصود بالقناعة هي قبول الحظ المقسوم للإنسان من الرزق والمال والأولاد والقوة والصحة والمتاع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ )). (14)
ومما يعين على ذلك أن ينظر الإنسان إلى من هو دونه في الدنيا كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ )). (15)
- الاستقامة على دين الله
فالاستقامة على طريق الله عز وجل، والامتثال لأمره تعالى، واتباع سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من أعظم أسباب رفع الضيق والحزن وعدم الشقاء في الدنيا والآخرة قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى } [طه: 123]
- الإحسانُ إلى الخَلْق ونفعُهم بما يمكنه من أنواع النفع
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ )). (16)
- الإكثار من الصلاة والسلام على النبي -صلى الله عليه وسلم-
عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: (( مَا شِئْتَ )). قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: (( مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: (( مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: (( مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ))، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: (( إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ)).(17)
- اللجوء إلي الله تعالى بالدعاء والتضرع لتفريج الهم والحزن
وهذا هو بيت القصيد وملاك الأمر وهو أن يفزع المسلم إلى ربه وينطرح بين يديه ويرفع إليه حاجته إلى ربه، وسرعان ما ينقلب الحزن فرحا والهم سعادة وإليك الأدلة على ذلك:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدْعُو عِنْدَ الكَرْبِ يَقُولُ: (( لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ )). (18)
عَنِ الْحَسَنِ البصري -رحمه الله- قَالَ: أَتَيْتُ الْحَجَّاجَ فَقُلْتُ هذا الدعاء، فَقَالَ: لَقَدْ جِئْتَنِي وَأَنَا أُرِيدُ قَتَلَكَ، فَأَنْتَ الْيَوْمَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا فَسَلْ حَاجَتَكَ. (19)
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلاَ حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا ))، قَالَ: فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ نَتَعَلَّمُهَا؟ فَقَالَ: (( بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا )). (20)
وعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه-، أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ مُكَاتَبَتِي فَأَعِنِّي، قَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ(21) دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ، قَالَ: (( قُلْ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ )).(22)
عن أَبِي بَكْرَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى صَاحِبِهِ )). (23)
عَنْ سَعْد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ )). (24)
يا صاحب الهمّ إنّ الهمّ منقطعٌ أبشر بذاك فإنّ الكافي اللّه
اليأس يقطع أحياناً بصاحبه لا تيأسنّ كأن قد فرّج اللّه
اللّه حسبك ممّا عذت منه به وأين أمنع ممّن حسبه اللّه
هنّ البلايا، ولكن حسبنا اللّه واللّه حسبك، في كلٍّ لك اللّه
هوّن عليك، فإنّ الصانع اللّه والخير أجمع فيما يصنع اللّه
وقانا الله وإياكم شر الغموم والهموم، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وتقبل منا يا أرحم الراحمين.
والحمد لله رب العالمين
---
(1) الطب النبوي لابن القيم (ص: 314)
(2) زاد المعاد (2/ 327)
(3) رواه البخاري (6369)
(4) طريق الهجرتين (ص: 279)
(5) صيد الخاطر (ص: 399)
(6) الوابل الصيب (ص: 47)
(7) رواه البخاري (5641) ومسلم (2573)
(8) رواه أحمد (1/ 307) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1151)
(9) رواه ابن ماجه (202) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة (1/ 274 )
(10) مدارج السالكين (3/ 156)
(11) الفوائد لابن القيم (ص: 84)
(12) رواه مسلم (2999)
(13) الفوائد لابن القيم (ص: 99)
(14) رواه البخاري (6446) ومسلم (1051)
(15) رواه مسلم (2963)
(16) رواه مسلم (2669)
(17) رواه الترمذي (2457) وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (5/ 457)
(18) رواه البخاري (6345)
(19) رواه النسائي (10404)
(20) رواه أحمد (1/ 391) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 387)
(21) جبل صِير: هو جبل بأجأ في ديار طيئ، فيه كهوف شبه البيوت.
(22) رواه الترمذي (3563) وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 532)
(23) رواه أبو داود (5090) وحسنه الألباني صحيح الجامع (1/ 638)
(24) رواه الترمذي (3505) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 637)
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد المحرم 1438هـ
- الزيارات: 14480
فضائل معاوية بن أبي سفيان

التعريف به
ذكر فضائله
ذكر شيء عن ولايته، وفتوحاته
اعتقادنا فيما حدث بين معاوية وعلي من قتال
مقدمه
لقد قَضى الله بحِكمته أن يكونَ لنبيِّه المختار -صلى الله عليه وسلم- صحبٌ كرام، ورجال أفذاذ، هم خيرُ الخلق بعد الأنبياء، وهم الذين حملوا رسالةَ هذا الدِّين وبثِّها في أصقاع المعمورة، واختصَّهم الله سبحانه بصحبة نبيِّه الكريم -صلى الله عليه وسلم- فكانت أجل مرافقة على مرِّ العصور؛ كيف لا، وهي مرافقةُ أفضلِ الخَلق وأكرمهم؟!
ومن المؤسِف أن يقع البعضُ في الصحابة الأخيار، وأن ينالوا منهم لهوى متبع أو اعتقاد باطل
ومِن هؤلاء الصحابة الكرام: الصحابيُّ الجليل، الخليفة والملك القائد، صاحب الفتوحات الإسلاميَّة، والقائد المحنَّك، وداهيةُ زمانه: معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه وأرضاه.
خالُ المؤمنين، وكاتبُ وحي رسول ربِّ العالمين، وكاتب رسائل النبي -صلى الله عليه وسلم- لرؤساء القبائل العربيَّة.
ولا ريب أن معاوية من أكابر الصحابة نسبا وقرباً من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلماً وحلماً، فاجتمع لمعاوية شرف الصحبة وشرف النسب، وشرف مصاهرته للنبي -صلى الله عليه وسلم- وشرف العلم والحلم والإمارة، ثم الخلافة، وبواحدة مما ذكرنا تتأكد المحبة لأجلها فكيف إذا اجتمعت؟ وهذا كاف لمن في قلبه أدنى إصغاء للحق، وإذعان للصدق.
أولًا: التعريف به:
هو معاويةُ بنُ أبي سفيانَ صخرِ بنِ حربِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصَيِّ بنِ كِلابٍ، أميرُ المؤمنينَ، ملكُ الإسلامِ، أبو عبدِ الرحمنِ خالُ المؤمنينَ، وكاتبُ وحيِ رسولِ ربِّ العالمينَ، القرشيُّ الأُمَوِيُّ المَكِّيُّ.
مولده: وُلِدَ معاويةُ -رضي الله عنه- قبلَ البَعثةِ بخمسِ سنينَ على الأشهَرِ، وقيلَ بسبعٍ، وقيلَ بثلاثَ عشرةَ.
إسلامه: أسلمَ معاويةُ عامَ الفتحِ، ورُوِيَ عنه أنَّه قال: أسلمتُ يومَ القضيةِ، ولكنْ كتمتُ إسلامي من أبي، ثم علم بذلك فقالَ لي: هذا أخوك يزيدُ، وهو خيرٌ منك على دينِ قومِهِ، فقلتُ له: لم آلُ نفسي جُهدًا.
قال معاويةُ: ولقد دخل عليَّ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مكةَ في عمرةِ القضاءِ، وإني لمُصَدِّقٌ به، ثم لما دخلَ عامَ الفتحِ أظهرتُ إسلامي فجئتُه فرَحَّبَ بي، وكتبتُ بين يديهِ.
وتزوجَ في عهدِ عمرَ -رضي الله عنه-، وله من الأولادِ: عبدُ الرحمنِ، وعبدُ اللهِ؛ وأمُّهما فاختةُ بنتُ قَرَظَةَ بنِ عبدِ عمرِو بنِ نَوفَلِ بنِ عبدِ مناف.
ويَزيدُ الذي تولى الخلافةَ، وأُمُّه مَيْسُونُ بنتُ بَحدل الكَلبية.
وصفه: كان طويلًا، أبيضَ، جميلًا، مَهيبا، أَجْلَح، إذا ضَحِكَ انقلبت شَفَتُه العُليا، وأصابته لَقْوَةٌ آخرَ عُمُرِه.
وكان من الكَتَبةِ الحَسَبَةِ الفَصَحَةِ الفُقهاءِ، ويُضرَبُ المَثَلُ بحِلْمِهِ، وعَقْلِهِ.
مكث أميرًا على الشامِ في خلافةِ عمرَ، وعثمانَ عشرينَ سنةً، ثم خليفةً للمسلمين مثلَها.
تُوُفِّيَ بدمشقَ للنصفِ من رجبٍ سنةَ ستين، وصلَّى عليه الضَّحَّاكُ بنُ قيسٍ الفِهْريُّ -رضي الله عنه- وعاشَ معاويةُ ثمانيةً وسبعينَ عامًا، وقيل غيرُ ذلك -رضي الله عنه-.
حَدَّثَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وكتبَ له مراتٍ يسيرةً، وحدَّث أيضًا عن أختِه أمِّ المؤمنينَ أمِّ حبيبةَ، وعن أبي بكرٍ، وعمر (1).
ثانيا: ذكر فضائله:
أولًا: صحبته للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
ونذكر في هذا نصوصًا عامةً في القرآنِ والسنةِ في فضائلِ الصحابةِ يندرجُ تحتَها معاويةُ.
فمعاويةُ بنُ أبي سفيانَ -رضي الله عنه- هو أحدُ الصحابةِ الذين أكرمهم اللهُ بصحبةِ نبيِّه محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وكلُّ كلامٍ يُقَالُ في الصحابةِ فيما يتعلقُ بفضلِهِم عمومًا، وما يجبُ لهم عمومًا، فإنَّ معاويةَ -رضي الله عنه- يدخلُ في ذلك، ولهم فيه كلامٌ يخصُّه، ويتعلقُ به مما ينبغي أن يوصفَ به.
﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (التوبة: 100).
ومن السنة حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَسُبُّوا أصحابي، لا تَسُبُّوا أصحابي: فو الذي نفسي بيدِه! لو أنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما أَدركَ مُدَّ أَحَدِهِم، ولا نَصِيَفهُ" وفي سياق " لا تسبوا أحدا من أصحابي". (2)
فهذه نصوصٌ عامةٌ في فضائلِ الصحابةِ -رضي الله عنهم- ويدخلُ فيها معاويةُ -رضي الله عنه-
ثانيًُا: كتابته بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي ذلك حديثان:
* الأول: عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنه- قال: كنتُ ألعبُ مع الصبيانِ فجاءَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فتَوَارَيْتُ خلفَ بابٍ، قال: فجاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً(3)، وقال: اذهبْ وادعُ لي معاويةَ. قال: فجئتُ، فقلتُ: هو يأكلُ. قال: ثم قال لي: اذهبْ فادعُ لي معاويةَ. قال: فجئتُ فقلتُ:
هو يأكلُ. فقالَ: لا أَشْبَعَ اللهُ بطنَه(4).
وعندَ أبي داودَ الطيالسيِّ: "أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بعثَ إلى معاويةَ ليكتبَ له."(5).
وعندَ أحمدَ: قال: "اذهبْ فادعُ لي معاويةَ، وكان كاتبَه. . . "(6)
وموضعُ الدِّلالةِ من الحديثِ على فضيلةِ معاويةَ -رضي الله عنه- في هذا الحديثِ من وجهين:
الوجه الأول: دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-: وبيانُ ذلك فيما ترجمَ به النوويُّ - رحمهُ اللهُ تعالى- حيث قال: بابُ مَن لَعَنَهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أو سَبَّه أو دَعَا عليه، وليس هو أهلًا لذلك، كان له زكاةً وأجرًا ورحمةً.
وهذا الحكم استدلالًا بحديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: دخلَ على رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رجلانِ فكلَّمَهما بشيءٍ لا أدري ما هو، فأَغْضَبَاه فلَعَنَهما، وسَبَّهما، فلما خَرَجَا قلتُ: يا رسولَ اللهِ، مَنْ أصابَ من الخيرِ شيئًا ما أصابَه هذانِ، قال: وما ذاك؟ قالت: قلتُ: لعنتَهما وسببتَهما، قال: أَوَ ما علمتِ ما شَارَطْتُ عليه ربي؟ قلتُ: اللهم إنما أنا بشرٌ؛ فأيُّ المسلمين لعنتُه أو سببتُه فاجعلْه له زكاةً وأجرًا(7).
وبحديثِ أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم إنما أنا بشرٌ؛ فأيُّما رجلٍ من المسلمين سببتُه أو لعنتُه أو جلدتُه فاجعلْها له زكاةً ورحمةً وقُرْبَةً تقربُه بها إليك يومَ القيامةِ"(8).
وهذا هو الظاهرُ من صنيعِ الإمامِ مسلمٍ رحمه اللهُ حيث أوردَ هذه الأحاديثَ السابقةَ ثم أوردَ بعدَها حديثَ ابنِ عباسٍ -رضي الله عنه- في قولِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في معاويةَ: "لَا أَشْبَعَ اللهُ بطنَه" وكأنَّه يذكرُ هذا الحديثَ في شأنِ معاويةَ ليجعلَه مثالًا على ما شَرَطَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على ربِّه.
وفي روايةٍ: "إني اشترطتُ على ربي، فقلتُ: إنما أنا بشرٌ؛ أَرضَى كما يَرضَى البشرُ، وأَغضَبُ كما يَغضَبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أنْ تجعلَها له طَهورًا وزكاةً وقُرْبَةً".(9)
قال النووي: هذه الأحاديثُ مُبَيِّنَةٌ ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- من الشَّفَقَةِ على أمتِه، والاعتناءِ بمصالحِهم، والاحتياطِ لهم، والرغبةِ في كل ما ينفعُهم، وهذه الروايةُ المذكورةُ آخرًا تُبَيِّنُ المرادَ بباقي الرواياتِ المطلَقةِ، وأنَّه إنما يكون دعاؤه عليه رحمةً، وكفارةً، وزكاةً، ونحوَ ذلك، إذا لم يكن أهلًا للدعاءِ عليه، والسبِّ، واللعنِ ونحوِه، وكان مسلمًا، وإلا فقد دعا -صلى الله عليه وسلم- على الكفارِ، والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمةً، فإنْ قيلَ: كيف يدعو على من ليس هو بأهلٍ للدعاءِ عليه، أو يسبُّه، أو يلعنُه، ونحوُ ذلك؟ فالجوابُ ما أجابَ بِه العلماءُ، ومختَصَرُه وجهانِ:
أحدهما: أنَّ المرادَ ليس بأهلٍ لذلك عندَ اللهِ تعالى وفي باطنِ الأمرِ، ولكنَّه في الظاهرِ مستوجِبٌ له فيظهرُ له -صلى الله عليه وسلم- استحقاقُه لذلك بأمارةٍ شرعيةٍ، ويكونُ في باطنِ الأمرِ ليس أهلًا لذلك، وهو -صلى الله عليه وسلم- مأمورٌ بالحكمِ بالظاهرِ، واللهُ يتولى السرائرَ.
والثاني: أنَّ ما وقع من سبِّه ودعائِه ونحوِه ليس بمقصودٍ، بل هو مما جَرَتْ به عادةُ العربِ في وصلِ كلامِها بلا نيةٍ كقولِه: "تَرِبَتْ يمينُك" و "عَقرَى حَلقَى" و"لا أشبعَ اللهُ بطنَه" ونحوِ ذلك لا يقصدون بشيءٍ من ذلك حقيقةَ الدعاءِ فخافَ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يصادفَ شيءٌ من ذلك إجابةً فسأل ربَّه سبحانه وتعالى، ورَغِبَ إليه في أن يجعلَ ذلك رحمةً وكفارًة، وقربةً، وطَهورًا، وأجرًا، وإنما كان يقعُ هذا منه في النادرِ، والشاذِّ من الأزمانِ، ولم يكن -صلى الله عليه وسلم- فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا لعانًا، ولا منتقمًا لنفسه، وقد سبق في هذا الحديثِ أنهم قالوا: ادعُ على دوسٍ فقال: اللهم اهدِ دوسًا، وقال: اللهم اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمون. . واللهُ أعلمُ.
وأما دعاؤه على معاويةَ أن لا يَشْبعَ حين تأخرَ، ففيه الجوابان السابقان:
أحدهما: أنه جرى على اللسانِ بلا قصدٍ.
والثاني: أنه عقوبةٌ له لتأخرِه.
وقد فهم مسلمٌ -رحمَه اللهُ- من هذا الحديثِ أنَّ معاويةَ لم يكن مستحقًا للدعاءِ عليه؛ فلهذا أَدخَلَه في هذا البابِ، وجَعَلَه غيرُه من مناقبِ معاويةَ -رضي الله عنه- لأنَّه في الحقيقةِ يصيرُ دعاءً له.(10)
قال ابن كثير رحمه الله:
وقد انتفعَ معاويةُ -رضي الله عنه- بهذه الدعوةِ في دنياه وأُخراه؛ أما في دنياه: فإنَّه لما صارَ إلى الشامِ أميرًا كان يأكلُ في اليومِ سبعَ مراتٍ يُجاءُ بقصعةٍ فيها لحمٌ كثيرٌ، وبصلٌ فيأكلُ منها، ويأكلُ في اليومِ سبعَ أَكْلاتٍ بلحمٍ، ومن الحلوى والفاكهةِ شيئًا كثيرًا، ويقولُ: واللهِ ما أشبعُ، وإنما أعيا وهذه نعمةٌ، ومَعِدَةٌ يرغبُ فيها كلُّ الملوكِ، وأما في الآخرةِ فقد أتبعَ مسلمٌ هذا الحديثَ بالحديثِ الذي رواه البخاريُّ، وغيرُهما من غيرِ وجهٍ عن جماعةٍ من الصحابةِ أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: "اللهم إنما أنا بشرٌ فأيُّما عبدٍ سببتُه، أو جلدتُه، أو دعوتُ عليه، وليس لذلك أهلًا فاجعل ذلك كفارةً، وقربةً تقر بُه بها عندك يومَ القيامةِ".
فرَكَّبَ مسلمٌ من الحديثِ الأولِ وهذا الحديثِ فضيلةً لمعاويةَ. اﻫ(11)
الوجه الثاني: وهو كتابتُه للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابنُ تيميةَ: استَكْتَبَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لخِبْرَتِه، وأمانتِه. (12)
الحديث الثاني: عن ابنِ عباسٍ - رضي اللهُ عنهما- قال: قال أبو سفيان للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: معاويةَ تجعلُه كاتبًا بين يديكَ. قال: نعم(13).
قال ابن كثير: والمقصودُ منه أنَّ معاويةَ كان من جملةِ الكُتَّاب بين يديْ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الذين يكتبون الوحيَ(14).
ثالثًا: دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- له.
كما استنبطه العلماءُ من الحديثِ الأولِ مع قولِه: "إنما أنا بشرٌ أرضى كما يرضى البشرُ، وأغضبُ كما يغضبُ البشرُ، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه من أمتي بدعوةٍ ليس لها بأهلٍ أن تجعلها له طَهورًا، وزكاةً، وقُربَةً، وقد مر بيانُ هذا الوجهِ من هذا النصِّ، وفي هذا المعنى أحاديثُ منها:
* منها حديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عُمَيرَةَ، قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لمعاويةَ -رضي الله عنه-: "اللهم اجعلْهُ هادِيًا مَهدِيًّا واهدِه واهدِ بِه". (15)
رابعًا: كونه أول من ركب البحر مجاهدًا في سبيل الله.
فعن أمِّ حَرامٍ أنها سمعتْ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "أولُ جيشٍ من أمتي يغزون البحرَ قد أَوجَبُوا"(16).
وموضعُ الفضيلةِ في الحديثِ من وجهين:
الأول: دعوةُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "قد أَوجَبُوا" أي: فعلوا فعلًا وَجَبَتْ لهم به الجنةُ أو أَوجَبُوا لأنفسِهم المغفرةَ والرحمةَ بذلك. (17)
قال ابنُ عبد البر: أرادَ -واللهُ أعلمُ- أنَّه رأى الغُزاةَ في البحرِ مِن أُمَّته مُلوكًا على الأَسِّرة في الجنّة، ورُؤياهُ وَحْيٌ، وقد قال الله تعالى في صِفةِ أهلِ الجنَّة: ﴿ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ (الصافات: 44)، وقال: ﴿ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ﴾ (يس: 56)، والأرائكُ: السُّرُرُ في الحِجال. (18)
فإذا تبيَّن هذا الفضلُ العظيمُ، كان معاويةُ من أَولَى الناسِ به؛ إذ إنَّه أميرُ تلك الغَزَاةِ بالاتفاقِ، كما تقدَّم قريبًا، وقد قال ابنُ عبدِ البرِّ عن هذا الحديثِ: وفيه فضلٌ لمعاويةَ -رحمه الله-؛ إذ جَعَلَ مَن غَزا تحتَ رايَتِه مِن الأوَّلين. (19)
الثاني: أنَّ معاويةَ -رضي الله عنه- أولُ من سنَّ هذه السنةَ في أمةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فله أجرُها وأجرُ من عَمِلَ بها إلى يومِ القيامةِ من غيرِ أنْ يَنْقُصَ من أجورِهم شيءٌ.
خامسًا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن معاوية -رضي الله عنه- فلم يذكر فيه إلا فقره، وقلة ماله.
كما في حديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ-رضي الله عنها- أن أبا عمرِو بنِ حفصٍ -رضي الله عنه- طلَّقَها البتةَ، وهو غائبٌ فأرسلَ إليها وكيلُه بشعيرٍ فسَخِطَتْه، فقال: واللهِ مالكِ علينا من شيءٍ، فجاءتْ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فذكرتْ ذلك له، فقال: ليس لكِ عليه نفقةٌ، فأَمَرَها أنْ تَعْتَدَّ في بيتِ أمِّ شَرِيكٍ، ثم قال: تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتَدِّي عند ابنِ أمِّ مكتومٍ؛ فإنَّه رجلٌ أعمى تضعين ثيابَك، فإذا حَلَلْتِ فآذنيني قالت: فلما حللتُ ذكرتُ له أنَّ معاويةَ ابن أبي سفيانَ، وأبا جهمٍ خطباني، فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أما أبو جهمٍ فلا يضعُ عصاه عن عاتِقِه، وأما معاويةُ فصُعلُوكٌ لا مالَ له؛ انكِحِي أسامةَ بنَ زيدٍ، فكرهتُهُ ثم قال: انكِحِي أسامةَ، فنَكَحْتُهُ. فجعلَ اللهُ فيه خيرًا، واغْتَبَطْتُ به(20).
فلو كان في دينِ مُعاويةَ أو خُلُقِهِ شيءٌ لذَكَرَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من بابِ أَولَى، ولم يكن من حالِه عيبٌ إلا أنَّه خفيفُ ذاتِ اليدِ وقتَها، إذ كان في أوَّلِ شبابِه -رضي الله عنه-، وحالُه في المالِ يتبيَّنُ في قصةِ أُمِّه هِندَ -في البخاريِّ ومسلمٍ- وفيها أنها سألتْ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: إنَّ أبا سُفيان رجلٌ شَحيحٌ، وليس يُعطيني ما يَكفيني ووَلَدي، إلا ما أَخَذْتُ مِنه وهو لا يَعلمُ؟ قال: "خُذي ما يَكفيكِ ووَلَدَكِ بالمعروفِ".
سادسا: معاوية خال المؤمنين.
فهو أخو أمِّ المؤمنين زوجِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمِّ حَبيبة رَمْلةَ بنتِ أبي سفيانَ -رضي الله عنهم-؛ ولذلك قال الإمامُ أحمدُ: أقول: معاويةُ خالُ المؤمنين، وابنُ عمرَ خالُ المؤمنين. (21)
سابعا: ثناء الصحابة -رضي الله عنهم- عليه.
وتاللهِ إنَّه لايَعْرِفُ قدرَ الرجالِ إلا الرجالُ، وهل هناك في الكونِ رجالٌ –بعد الأنبياء عليهم الصلاةُ والسلامُ- أفضلُ من أصحابِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذين تَرَبَّوا في حِجرِه -صلى الله عليه وسلم-.
* وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنَّه قال لأهلِ الشامِ: ما رأيتُ أحدًا أشبهَ صلاةً بصلاةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من إمامِكم هذا (يعني معاويةَ). (22)
* عن أبي الدرداءِ -رضي الله عنه- قال: لا مدينةَ بعدَ عثمانَ، ولا رخاءَ بعدَ معاويةَ رضي اللهُ عنهما.(23)
* قال عمرُ بنُ الخطابِ -رضي الله عنه-: تذكرون كِسرَى وقيصرَ ودهاءَهما وعندَكم معاويةُ.(24)
ذكر شيء عن ولايته، وفتوحاته.
قال ابن كثير رحمه الله: فلم يزلْ معاويةُ -رضي الله عنه- نائبًا على الشامِ في الدولةِ العُمَرِيَّةِ والعثمانيةِ مدةَ خلافةِ عثمانَ، وافتتحَ في سنةِ سبعٍ وعشرين جزيرةَ قبرصَ وسكنَها المسلمون قريبًا من ستينَ سنةً في أيامِه ومِن بعدِه، ولم تزلْ الفتوحاتُ والجهادُ قائمًا على ساقِه في أيامِه في بلادِ الرومِ والفرنجِ وغيرِها، فلما كان من أمرِه وأمرِ أميرِ المؤمنين عليٍّ-رضي الله عنهما- ما كان، لم يقعْ في تلك الأيامِ فتحٌ بالكليةِ، لا على يديه ولا على يديْ عليٍّ، وطَمِعَ في معاويةَ ملكُ الرومِ بعد أن كان قد أخشاه وأذلَّه، وقَهَرَ جندَه ودحاهم، فلما رأى ملكُ الرومِ اشتغالَ معاويةَ بحربِ عليٍّ تدانَى إلى بعضِ البلادِ في جنودٍ عظيمةٍ وطَمِعَ فيها، فكتب معاويةُ إليه: واللهِ لئن لم تنتهِ وترجعْ إلى بلادِك يا لعينُ لأصطلحنَّ أنا وابنُ عمي عليك ولأُخرِجَنَّك من جميعِ بلادِك، ولأُضَيِّقَنَّ عليك الأرضَ بما رَحُبَتْ. فعند ذلك خافَ ملكُ الرومِ وانكفَّ، وبعثَ يطلبُ الُهدنَةَ.
ثم كان من أمر التحكيمِ ما كان، وكذلك ما بعدَه إلى وقتِ اصطلاحِه مع الحسنِ بنِ عليٍّ كما تقدم، فانعقدتْ الكلمةُ على معاويةَ، وأجمعتْ الرعايا على بيعتِه في سنةِ إحدى وأربعين، فلم يزلْ مستقلًّا بالأمرِ في هذه المدةِ إلى هذه السنةِ التي كانت فيها وفاتُه، والجهادُ في بلادِ العدوِّ قائمٌ، وكلمةُ اللهِ عاليةٌ، والغنائمُ تَرِدُ إليه من أطرافِ الأرضِ، والمسلمون معه في راحةٍ وعدلٍ، وصفحٍ، وعفوٍ(25).
ومما يضاف إلى فضائله ذكر جهود معاوية -رضي الله عنه- في الجهاد، والفتوحات؟
ومن ذلك فتح قيسارية على يد معاوية -رضي الله عنه- سنة 19 من الهجرة. (26)
فتح قبرص سنة 28 من الهجرة. (27)
فُتِحَتْ على يدِ معاويةَ خلالَ خلافةِ عثمانَ -رضي الله عنهما-، فقد ركب معاويةُ في جيشٍ كثيفٍ من المسلمين، ومعه عُبادةُ بنُ الصامتِ، و زوجتُه أمُّ حَرَامٍ بنتُ مِلحَانَ، وقد بشَّرَها رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بتلك الغزوةِ "فقد نام عندَها -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ -شَكَّ إِسْحَاقُ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ الله -كَمَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ، فَرَكِبَتْ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ(28).
غزو الروم سنة 32 من الهجرة. (29)
اعتقادنا فيما حدث بين معاوية وعلي من قتال
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وَكَذَلِكَ نُؤْمِنُ " بِالْإِمْسَاكِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ " وَنَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الْمَنْقُولِ فِي ذَلِكَ كَذِبٌ. وَهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ؛ إمَّا مُصِيبِينَ لَهُمْ أَجْرَانِ؛ أَوْ مُثَابِينَ عَلَى عَمَلِهِمْ الصَّالِحِ مَغْفُورٌ لَهُمْ خَطَؤُهُمْ؛ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ السَّيِّئَاتِ - وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ الْحُسْنَى - فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهَا لَهُمْ: إمَّا بِتَوْبَةِ أَوْ بِحَسَنَاتِ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ؛ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّهُمْ خَيْرُ قُرُونِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَ -صلى الله عليه وسلم-{خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي الَّذِي بُعِثْت فِيهِمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ} وَهَذِهِ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
وَنَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ أَفْضَلَ وَأَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَمِمَّنْ قَاتَلَهُ مَعَهُ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-أَنَّهُ قَالَ: {تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ}. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَعَ كُلِّ طَائِفَةٍ حَقٌّ؛ وَأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ " (30)
وقال ابن قدامة المقدسي: "ومن السنَّة تولي أصحاب رسول الله، ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، ومعرفة سابقتهم.(31)
من انتقص معاوية أو أحد من الصحابة
وسُئل الإمام أحمد عن رجل انتقص معاوية، وعمرو بن العاص: أيقال له: رافضي؟ قال: إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا له داخلة سوء(32)
قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: "مَن شَتَمَ أَحَدًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَبَا بَكرٍ، أَو عُمَرَ، أَو عُثمَانَ، أَو عَلِيًّا، أَو مُعَاوِيَةَ، أَو عَمرَو بنَ العَاصِ، فَإِنْ قَالَ: كَانُوا عَلَى ضَلَالٍ وَكُفرٍ قُتِلَ، وَإِنْ شَتَمَهُمْ بِغَيرِ هَذَا مِن مُشَاتَمَةِ النَّاسِ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا"(33)
فعلى المؤمن أن يكون طموحا عالي الهمة حريصا على اتباع الأنبياء واتباع الصحابة والعمل بعملهم، فمعيار الهداية الصحيح أن يكون إيمان العبد مثل إيمان الصحابة كما قال سبحانه وتعالى في الأنبياء: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ {الأنعام: 90} وقال تعالى في الصحابة: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا }[البقرة: 137] ولكنه ينبغي أن يعلم أن العبد مهما عمل من الأعمال وتكلف من المجاهدات لن يبلغ درجة خواص الصحابة رضوان الله عليهم، فإن من تأخر إسلامه من الصحابة لم يبلغ درجة أولئك الخواص الذين أسلموا وأنفقوا من قبل الفتح فكيف بمن كان بعد ذلك، قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا }[الحديد: 10]
وعند مسلم عن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لاتسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.
فاحرص على اتباع أولئك القوم ومحبتهم لعل الله يسكنك معهم في الجنة وحسن أولئك
وفي الختام لا نقول إلا كما قال الله تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ )
اللهم ارض عن أصحاب نبيك أجمعين واحشرنا وإياهم في زمرة سيد المرسلين
والحمد لله رب العالمين
---
(1) سير أعلام النبلاء (3/119)
(2) البخاري (3470)، ومسلم (2540).
(3) قال النووي: أما حَطَأَني فبحاءٍ ثم طاءٍ مهملتين وبعدها همزةٌ، وقولُه: حَطْأَةً بفتحِ الحاءِ وإسكانِ الطاءِ بعدها همزةٌ، وهو الضربُ باليدِ مبسوطةً بين الكتفين، وإنما فعل هذا بابنِ عباسٍ ملاطفةً وتأنيسًا. اﻫ من شرح مسلم للنووي (16/156)
(4) مسلم (2604).
(5) مسند الطيالسي (2746)، وصححه الألباني في الصحيحة 1/81.
(6) مسند أحمد (1/291).
(7) مسلم (2600).
(8) مسلم (2601).
(9) مسلم (2603).
(10) شرح مسلم للنووي (16/152-156).
(11) البداية والنهاية (8/120).
(12) منهاج السنة (4/439).
(13) أخرجه مسلم (2501).
(14) البداية والنهاية (8/119).
(15) أخرجه الترمذي (3842)، والبخاري في التاريخ الكبير (5/240). قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني في الصحيحة (1969).
(16) أخرجه البخاري (2766).
(17) فيض القدير (3/84).
(18) التمهيد 1/232.
(19) التمهيد (1/235)، وعدّه الآجري (5/2441)، واللالكائي (8/1438)، وغيرهما من فضائل معاويةَ -رضي الله عنه-.
(20) أخرجه مسلم (1480)
(21) رواه الخلال في السنة (657). وسنده صحيح.
(22) أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (282)، (283).
(23) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (526)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (59/152).
(24) أخرجه الطبراني (5/330) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به. وإسناده حسن.
(25) البداية والنهاية لابن كثير (8/118).
(26) تاريخ الطبري (2/446)، وتاريخ خليفة (1/27)، والبداية والنهاية (7/96).
(27) تاريخ ابن خلدون (2/575).
(28) البخاري (2636)، ومسلم (1912).
(29) تاريخ الطبري (2/627).
(30) مجموع الفتاوى (3/ 407).
(31) لمعة الاعتقاد (ص31).
(32) البداية والنهاية (11/450)
(33) الشفاء في حقوق المصطفى للقاضي عياض (2 /308).

