عدد ربيع الأول 1437هـ
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فضيلة الشيخ أحمد سليمان
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1437هـ
- الزيارات: 9325
الإســلام في قفص الاتهــام

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعد،
فإن كل مصيبة تقع أو تدبر في العالم يشار بأصابع الاتهام في الحال إلى الإسلام، ويقف المسلمون موقف المدافع المتهم على الدوام، فديدن أهل الإجرام إلحاق التهم بالإسلام.
لما نزلت آيات كونية على الفراعنة بسبب كفرهم وعنادهم حملوا بلاءهم على أهل الدين في زمانهم
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ }[الأعراف]
وفي مكة بعد البعثة النبوية يحاسب أهل الإسلام على كل نازلة أصابت الأمة فيقول الله تعالى مخبرًا عن قول المنافقين: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [النساء]
وأصبح الخوف من الإسلام ظاهرة عالمية ولها مصطلح حادث يسمى "الإسلام فوبيا" أي الخوف بلا مبرر من الإسلام، ولو سئل أحدهم هل قرأت عن الإسلام من كتب أهل الإسلام أم استقيت المعرفة به من كتب أعدائه والمحاربين له؟ لكان الجواب واضحًا جليًا أنهم ما تعرفوا على الإسلام إلا من كلام المارقين عنه والمنابذين له،
وليس بمستغرب على دول الكفر حملهم علينا بهذه القسوة فلا خلاف أعظم من اختلاف الكفر مع الإيمان، وقد بين لنا ربنا سبحانه وتعالى بقاء عداوة المشركين لنا وأنهم لن يرضوا عنا حتى نكون مثلهم قال تعالى: { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}(البقرة 120 )
وإن أظهروا يومًا مودتهم لنا وحرصهم علينا فهذا خلاف بواطنهم، فهم قد أجمعوا على حرب دين الله تعالى وقتل أوليائه وإن اختلفت مشاربهم وعقائدهم، فالكفر ملة واحدة ولهذا حذرنا سبحانه وتعالى من مودتهم فقال: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}[الممتحنة 4 ]
واتخاذهم بطانة لنا وأهل مشورة فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ }[آل عمران]
ولهذه العداوة الأزلية الباقية فهم يستثمرون أخطاء بعض المسلمين ليهدموا صرح الإسلام من قواعده ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون
وهذا يدعونا إلى معالجة الأخطاء الواقعة من أبناء الأمة والمنتسبين لها، ففي الأمة طوائف خذلت أهل الإسلام وأصبحت معولا يمنع علو الأمة ورفعتها وانتصارها على عدوها، ومنهم لم يفقه فقه التمكين وتغيير المنكرات، وباستقراء مناهج المضللين نرى أنهم يعولون على نقاط الضعف التي ألمت بالأمة ومنها:
1- المنافقون وهم في الأمة كثير لا كثر الله منهم
أبناء جلدتنا لكنهم هجروا وأهل ملتنا لكنهم مرقوا
فهؤلاء يجلسون للمز أهل الإسلام وعيبهم ليل نهار، وكم عانى النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم في المدينة والوا أعداء الله وخذلوا صف المسلمين في الجهاد وطعنوا في الصالحين وصدوا عن سبيل الله ويتصدرون اليوم العديد من المشاهد والمنابر يغيرون بها الحقائق ويغيبون الوعي الصحيح عند المسلمين.
2- أصحاب البدع
وأمة الإسلام قدر لها أن تفترق على فرق عدة زادت على السبعين وكل فرقة منهم تبنت منهجًا مغايرا لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وافترقت الأمة لما افترقت عقائدها، فكل فرقة ذهبت مذهبا بعيدا عن الطريق النبوي فغالت في مسألة علمية أو فرطت بعقيدة تقاتل عليها، فمنهم من غلا في الوعد ومنهم من غلا في الوعيد ومنهم من أهمل نصوص الوحي ومنهم من جعل شيخه مشرعا من دون الله، وظهرت مسميات عدة يوالون عليها وعليها يعادون، فسمعنا بالخوارج والمرجئة والشيعة والرافضة والمعتزلة والقدرية ومن تفرع منهم، هل يتصور بعد هذا الافتراق أن يعين هؤلاء أهل السنة والجماعة على نصرة معتقدهم وقتال عدوهم، بل إن البأس بيننا وبينهم شديد وهذا ما خشي عليه النبي ‘عندما دعا ربه بدعوات، فقال -صلى الله عليه وسلم- " سألت ربي ثلاثا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي: أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها". (1)
فكل هذه الفرق الضالة لا تعظم علماء السنة بل يكيدون لهم وربما تآمروا عليهم، ووالوا أعداء الله كما فعل الروافض مع أهل السنة
وأول خارجي ظهر في الأمة لم يرض بحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- بل طعن في أمانته فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَقْسِمُ، جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ» قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: " دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّة. "(2)
فهل يرجى من هؤلاء خير فكل هؤلاء مثال يسيء للمسلمين وهم محسوبون علينا فوجودهم بغير إنكار منا عليهم وبراءتنا منهم ذريعة إلى طعن المشركين في ملتنا ولهذا أعلنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ. (3)
3- افتقاد المسئولية العامة
إن المسلم مراقب في أعماله خاصة إن كان من أهل الدعوة والوجاهة ومتربَّص به، فمن شرد منا اختطفته الذئاب الكافرة، لما هُجِر كعب بن مالك راسله ملك الروم ليحتضنه ويعينه ليكون سلاحا ضد الإسلام يقول كعب رضي الله عنه: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلاَ مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ البَلاَءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا. (4) وكم من شارد احتفظ بها في أدراجه وباع دينه بدريهمات زائلة.
فالمسلم مسئول عن تصرفاته، وأصحاب الدعوة لا بد لهم من فقه الدعوة إلى الله فقد يجر تغيير منكر لم تدرس عواقبه إلى منكر أعظم منه، وهذا يأتي بالسلب على الدعوة وتأخرها عن الامتداد والتوسع، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم-أسوة حسنة فلعلمه بالعواقب وإحساسه بالمسئولية لما استأذنه بعض أصحابه في قتال المنافقين لما طعن عبد الله بن أبي في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ. (5)
فلم يفرح بقتل منافق لما علم ما سيجره قتل هؤلاء بالسلب على الدعوة
وهذه الأسباب وغيرها كثير يدعونا للثبات على المنهج القويم، ومجانبة طريق الهالكين، والصبر على الدعوة ولا يثنينا تخذيل المرجفين، فالله أذن ببقاء دينه ولن يبقى الدين إلا إذا بقيت طائفة من المؤمنين يجاهدون في الله حتى يأتيهم اليقين وهم منصورون وإن عز الناصر في زمان انعكست فيه الموازين.
والحمد لله رب العالمين وصلى على نبيه قائد الغر الميامين
كتبه
أحمد بن سليمان
---
(1) صحيح مسلم 2890
(2) صحيح البخاري 6933
(3) صحيح البخاري 2697
(4) صحيح البخاري 4418
(5) صحيح البخاري 4905
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1437هـ
- الزيارات: 11739
تكـريـم الإسـلام للمــرأة

أولا: تكريم الإسلام للإنسان عامة، والمرأة خاصة.
ثانيا: حال المرأة قبل الإسلام.
ثالثا: كيف كرم الإسلام المرأة.
التفصيل
أولا: تكريم الإسلام للإنسان عامة وللمرأة خاصة:
من أهم مظاهر تكريم الله للإنسان:
1- خلقُهُ في أحسن تقويم: قال تعالى: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» [غافر: 64].
قال السعدى -رحمه الله-: أي: تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا أو باطنًا شيئًا(1).
2- تزويدُه بالعلم والعقل: قال تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون» [النحل: 78].
قال ابن كثير -رحمه الله-: ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى نِعْمَتَهُ عَلَى عِبَادِهِ فِي أَنْ جَعَلَ لَهُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، وَهِيَ الْعُقُولُ وَالْفُهُومُ، الَّتِي يُدْرِكُونَ بِهَا الْأَشْيَاءَ، وَيَعْتَبِرُونَ بِمَا فِـي
الْكَوْنِ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ الْفَاعِلُ الْمُخْتَارُ لِمَا يشاء(2).
3- تسخير المخلوقات للإنسان: قال الله تعالى: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة» [لقمان: 20].
قال القرطبي -رحمه الله-: ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى بَنِي آدَمَ، وَأَنَّهُ سَخَّرَ لَهُمْ «مَا فِي السَّماواتِ» مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنُجُومٍ وَمَلَائِكَةٍ تَحُوطُهُمْ وَتَجُرُّ إِلَيْهِمْ مَنَافِعَهُمْ. «وَما فِي الْأَرْضِ» عَامٌّ فِي الْجِبَالِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَمَا لَا يُحْصَى. «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ» أَيْ: أَكْمَلَهَا وَأَتَمَّهَا(3).
4- إكرامهم بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب السماوية عليهم، لتهديهم للتي هي أقوم: قال الله تعالى: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل» [النساء: 165]. وقال عز وجل: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط» [الحديد: 25].
قال السعدى -رحمه الله-: يقول تعالـى: «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ» وهـــي الأدلـــــة والشـــواهـد والعـــلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقِّيَّتـــــــه. «وَأَنزلْنَــــــا مَعَهُــــمُ الْكِتَابَ» وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، «وَالْمِيزَانَ» وهو العدل في الأقوال والأفعال، والدين الذي جاءت به الرسل، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق، وفي الجنايات والقصاص والحدود والمواريث وغير ذلك، وذلك «لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» قياما بدين الله، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها(4).
لكن هل فرق الإسلام بين الرجل والمرأة في مسألة التكريم؟! بالطبع لا. فلقد بلغت المرأة في الإسلام منزلة عالية، لم تبلغها ملة ماضية(5)، إذ إن تكريم الإسلام للإنسان تشترك فيه المرأة والرجل على حد سواء، فهم أمام أحكام الله في هذه الدنيا سواء، كما أنهم أمام ثوابه وجزاءه في الدار الآخرة سواء، قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» [الإسراء: 70]، وقال عز من قائل: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» [النساء: 7]. وقال جل ثناؤه: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» [البقرة: 228]. وقال سبحانه: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» [التوبة: 71]. وقال تعالى: «فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» [آل عمران: 195]. وقال جل ثناؤه: «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [النحل: 97]. وقال عز من قائل: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا» [النساء: 124].
وهذا يدفعنا للعنصر الثاني وهو: حال المرأة قبل الإسلام:
لقد كانت المرأة قبل الإسلام في أتعس حالٍ، فهي مهضومة الحقوق بين صفوف الجاهلية، كسيرة الجناح، تعد في مجتمع الجاهلية كأتفه الأشياء، بل وأعظم من ذلك وأطم أنها توأد وتقتل وتدس في التراب -أحيانا- وهي حية، قال تعالى: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ» [النحل: 58 - 59]. وقال ربنا: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» [التكوير: 8 - 9](6).
عَنْ أَنَس بن مالك -رضي الله عنه- أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ» إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ)(7).
قال الله تعالى: «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ» [النحل: 57 - 59].
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَابِ -رضي الله عنه-: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا في الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ(8).
قال القرطبي -رحمه الله-: وَكَانُوا يَدْفِنُونَ بَنَاتِهِمْ أَحْيَاءً لِخَصْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، فَأَلْحَقُوا الْبَنَاتِ بِهِ. والثَّانِيَةُ: إِمَّا مَخَافَةَ الْحَاجَةِ وَالْإِمْلَاقِ، وَإِمَّا خوفا من السبي والاسترقاق(9).
كيف كرم الإسلام المرأة:
لقد بلغ من تكريم الإسلام للمرأة أن أوصى الله تعالى بها بعد عبادته فقال عز وجل: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» [الإسراء: 23]. وقد حمَّلَهَا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمانة تربية الأولاد فقال مكرمًا لها: (وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا)(10).
مما يجعلها تشعر بقيمتها في المجتمع، وتعتزُّ بدورها في بناء الأسرة، ولا شكّ أنّ المرأة إذا كانت راضية النّفس، موفورة الكرامة ستحوّل بيتها إلى جنّة وارفة الظّلال، وصدق شاعر النّيل حافظ إبراهيم إذ قال:
الأمّ مدرسة إذا أعددتها. . . أعددت شعبا طيّب الأعراق(11)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ(12).
وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ -رضي الله عنه-، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ(13).
وكرمها بنتا: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ(14).
وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ، فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ
النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: (مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ)(15).
قال ابن عثيمين -رحمه الله-: فيه فضل عَوْل الإنسان للبنات، وذلك أن البنت قاصرة ضعيفة مهينة، والغالب أن أهلها لا يأبهون بها، ولا يهتمون بها(16).
وكرمها زوجة: قال الله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً» [النحل: 72].
قال الشنقيطي -رحمه الله-: ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ امْتَنَّ عَلَى بَنِي آدَمَ أَعْظَمَ مِنَّةٍ بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَزْوَاجًا مِنْ جِنْسِهِمْ وَشَكْلِهِمْ، وَلَوْ جَعَلَ الْأَزْوَاجَ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ مَا حَصَلَ الْائْتِلَافُ وَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وَلَكِنْ مِنْ رَحْمَتِهِ خَلَقَ مِنْ بَنِي آدَمَ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَجَعَلَ الْإِنَاثَ أَزْوَاجًا لِلذُّكُورِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ(17).
وقـــال تعالى: «وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُــــــــنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْـــــــرَهُـــــــوا شَيْئًـــــــا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» [النساء: 19].
قال ابن كثير -رحمه الله-: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهَا فَيُرْزَقَ مِنْهَا وَلَدًا، وَيَكُونُ فِي ذَلِكَ الْوَلَدِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) أَوْ قَالَ: (غَيْرَهُ)(18)، قال أهل اللغة: فركه يفركه إذا أبغضه والفرك البغض(19).
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)(20).
----
(1) تفسير السعدي (929).
(2) تفسير ابن كثير (5/487).
(3) تفسير القرطبي (14/73).
(4) تفسير السعدي (842).
(5) كانت المرأة في الشرائع السابقة وما نزل على الأنبياء السابقين مكرمة أيما تكريم، لها شأنها ومكانتها، وصانتها عن الذلة والمهانة، لها حقوق وعليها واجبات، حتى لا يظن أنها كانت قبل ذلك مهانة تعيش في متاهة، المشكلة تكمن عند الأمم السابقة في الذين لم يهتدوا بنور الرسالات السماوية الإلهية، أنهم جردوها من حقوقها وإنسانيتها، وفعلوا بها ما صارت إليها حتى جاء الإسلام ليعيد لها حقها ويصير لها المكانة اللائقة بها، ففي بدء الخلق لما أسكن الله آدم الجنة قال: {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 117 - 119]، فإذا خرجا من الجنة خرج وحده ليسعى ويقوم بمتطلبات الحياة وبقيت هي في البيت تقوم بما عليها فيه.
وكقوله تعالى عن مريم: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]، يقوم زكريا على حاجتها من مطعم ومشرب وخلافه مع تربية دينية قويمة، وهي في بيتها، لذا سألها لما وجد عندها طعاما لم يأت به. وغير ذلك مما يدل على أن للمرأة مكانة في الشرائع السابقة ذلك تشريع الحكيم الخبير العليم. فلينتبه لذلك.
(6) دروس للشيخ عبد الله حماد الرسي (20/6).
(7) صحيح مسلم دار الجيل (620).
(8) صحيح البخاري (4913).
(9) تفسير القرطبي (19/232).
(10) موسوعة الكتيبات الإسلامية (548/1) والحديث رواه البخاري (893).
(11) نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (4/1174).
(12) أخرجه البخاري (5626)، ومسلم (2548).
(13) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (60)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (44).
(14) أخرجه مسلم (2027).
(15) أخرجه البخاري (1418).
(16) شرح رياض الصالحين (3/105).
(17) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (2/412).
(18) أخرجه مسلم (1469).
(19) تفسير ابن كثير (2/212).
(20) سنن الترمذي (3895)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (2/971).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1437هـ
- الزيارات: 23001
وقفات مع سورة الماعون

ليس هذا الدين أجزاء يؤدي منها الإنسان ما يشاء، ويدع منها ما يشاء، إنما هو منهج متكامل، تتعاون عباداته وشعائره، وتكاليفه الفردية والاجتماعية، حيث تنتهي كلها إلى غاية تعود على البشر، غاية تتطهر معها القلوب، وتصلح الحياة، ويتعاون الناس ويتكافلون في الخير والصلاح والنماء.
وحقيقة الإيمان حين تستقر في القلب تتحرك من فورها كي تحقق ذاتها في عمل صالح، وقد لفت القرآن الانتباه لمثل هذا، وكرر على أسماعنا ما يصحح المفاهيم، ويضع الأمور في نصابها، لكنه يحتاج منا إلى تأمل وتدبر، فمع سورة مع وجازتها، وقصر آياتها، إلا أنها جمعت فأوعت، لم لا، وهو كلام الحكيم الخبير، هذه السورة الكريمة:
تكشف النقاب عن سريرة المكذبين بالبعث والجزاء، وأن الدافع لهم إلى التكذيب بالآخرة علمهم بأنهم ليسوا على شيء، وخوفهم من سوء العاقبة، لما هم عليه من قبض في اليد، وغفلة وقسوة في القلب، ورياء للناس، وتعالج جوانب عديدة من حياة المسلم المعاصر هو يعترف بها نظرا، ولكن حين الممارسة العملية لا يوجد لها واقعا، وتصحح الفهم في مفهوم العبادة وأنه ليس عبادة تتوقف عند أداء الصلاة والصوم والزكاة والحج، بل العبادة: أداء حق الله، وأداء حق المخلوق، وهما: تقوى الله، والإحسان إلى خلقه.
هذه هي سورة الماعون، قال تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) ).
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) تفتح السورة بهذا الاستفهام الذي يشوق إلى معرفة من سيق له الكلام، لأَنَّ ذلك مِمَّا يجب على المسلم معرفته، ليحترز عنه وعن فعله، والتعجب من حال المكذبين بالجزاء، وما أورثهم التكذيب من سوء الصنيع والخسران، فالتعجب من تكذيبهم بالدين وما تبع ذلك من الذنوب التي ستأتي.
والدِّين: الجزاء والحساب، أو الثواب والعقاب، أو القرآن، هؤلاء هم الذين ينكرون البعث، فلا يؤمنون بما جاءت به الرسل (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) [الواقعة: 47]؟.
حكم في الظاهر على الإنسان في خُلُقِهِ وتعامله مع الناس في مدى صدقه، وحسن تعامله ووفائه، ما الذي يجعله يكذب ويغش ويفعل أفعالاً نكراء لا يبالي بحقوق الناس؟! ليس السبب أنهم لا يؤمنون بالدين، لكن الإيمان بالدين قد غاب عن أذهانهم، لا يشاهد الجنة ولا يشاهد النار كأنه يراها رأي العين، فهو يعيش لدنياه، لذا يظلم ويسرق ويأكل مال الناس ويرتشي، يفعل المنكرات والمحرمات، هناك غفلة، وهناك تغطية على القلب، يراد منه خلع الاعتقاد الباطل، وغرس الاعتقاد الحق.
إن الإيمان بالبعث والجزاء؛ وازع حق يغرس في النفس جذور الإقبال على الأعمال الصالحة، حتى يصير ذلك لها خلقا، تطهر وتنساق للخير لا تحتاج إلى من يراقب أو يعاقب.
ثم تأتي الآية الثانية وكأنها تقول لنا فإن كنتم لا تعرفون المكذب بالدين بذاته، فاعرفوه بصفاته، فمن هذه الصفات: ( فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) يظلمه ويقهره ولا يحسن إليه، يدفعه دفعًا عنيفًا ويزجره زجرًا قبيحًا، مع إظهار الاحتقار له والتَّعالي عليه.
الأيتام الذين مات آباؤهم قبل البلوغ -إذ لا يتم بعد احتلام كما قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-(1)-، في حاجة شديدة إلى من يعطف عليهم، ويرحمهم، ويواسيهم، ويدخل عليهم السرور بما يسديه إليهم من نفقة؛ أو كسوة؛ أو كلمة طيبة، بحاجة إلى من يحفظ أموالهم حال الصغر، ليجدوا ثمرتها في حال الكبر.
فمن كان عنده يتيم فليصبر عليه، وليرحمه، وليقم بحقوقه، لينال الأجر على ذلك، وإن أغلظ لهم القول، وآذاهم -لغير تأديب مشروع- وحرمهم، أو أكل أموالهم ظلما، فقد تعرض لخطر عظيم.
وحقوق الأيتام كثيرة منها على سبيل المثال:
- الرفق بهم وعدم الغلظة، التي تدخل عليهم الهم والحزن، إذ ما هم فيه كاف، والرفق مطلوب في كل وقت، لكنه مع اليتيم آكد، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ)(2).
- تعليمه القراءة والكتابة وأمور الدين، وحسن السلوك، كالصدق والأمانة والشجاعة والكرم، وألا يتكلم إلا بخير، ويعلمه ما لابد منه مما ينفعه ويستطيع فعله، حتى لا يكون عالة على المجتمع، وما يحبه القائم على شأنه لنفسه ولأولاده من الخير، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)(3).
- أن ينفق على اليتيم من ماله الخاص به إن كان له مال، وإلا أنفق عليه من ماله هو ففي ذلك من الأجر والخير ما أخبر به نبينا -صلى الله عليه وسلم- في حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-: (كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ)(4). والكفالة القيام بأموره من نفقة وكسوة وتربية وغيرها.
- أن يحفظ ماله، وينميه ولا يفرط فيه حتى لا يضيع، ولا يأخذ منه شيئا ظلما، قال الله سبحانه: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفي بِاللَّهِ حَسِيبًا ) [النساء: 6]، وحذر سبحانه من الاعتداء على مال اليتيم بغير حق بأي صورة، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ). [النساء: 9-10].
- لا يُمَكِّن اليتيم من التصرف في ماله، إلا بعد رشده واختباره في التصرف، أيحسنه أم لا؟ قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا) [النساء: 6]، وليُشهد على دفع أمواله إليه، حتى لا يحصل نزاع وخصومة، قال تعالى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفي بِاللَّهِ حَسِيبًا) [النساء: 6]. إلى غيرها مما يكون فيه الصلاح والنفع، قال سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) [البقرة: 220].
لقد أوجب الله عز وجل لليتيم الاحترام والعطف ولذا قال: (فَذَلِكَ) وأشار إليه إشارة إلى البعيد؛ كأنه أبعد عن رحمة الله ومعيته سبحانه وتعالى، والجزاء من جنس العمل، فعلينا أن نرحم اليتيم ونعامله كما نحب أن يعامل أولادنا لو كانوا كذلك.
ومن صفات المكذب بيوم الدين أيضا: ( وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) الحض: الحث، لا يحث على إطعام المسكين أحدا من أهله أو غيرهم من الموسرين، ولا يدعو الناس إلى ذلك، وكني بنفي الحض عن نفي الإطعام؛ لأن الذي يشح بالحض على الإطعام هو بالإطعام أشح.
إن مــن مـحـاسن الإسلام العطف عــــــــلى الضعفــــاء، والشفقة عـلى الفقراء والمساكين، والرأفة باليتامى والمحتاجين، والإحسان إليهم، ودفع الأذى عنهم، وحسن معاملتهم، والتواضع معهم، قال تعالى: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [الشعراء: 215]، وقال: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ )[الضحى 9 -10].
إن حرمان المساكين، ومنع العون للمحتاجين، لا يتصور أن تصدر هذه الأفعال ممن يؤمن بيوم الدين والجزاء، ويخشى الحساب والعقاب! فأهل الإيمان كما قال الله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا )[الإنسان: 8 - 9]، ثم قالوا: (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) [الإنسان: 10]، فعلى الإنسان إذا عجز عن مساعدة المسكين أن يحث غيره من القادرين على ذلك ويدعوه إلى فعل الخير، فكلما اقترب المسلم من المساكين كان أدل على صدق إيمانه، وقوة دينه، والتماسا للرزق والنصرة، فعن مصعب بن سعد قال: رَأَى سَعْدُ بنُ أبِي وقَاصٍ -رضي الله عنه- أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ)(5).
فالإحسان إلى الفقير لا يتأتى -غالبا- من النفوس التي لا تبذل إلا بعوض، ولا تكف إلا من خوف، واليتيم والمسكين ضعفاء مجردون من كل ما يمكن أن يمنحونك من مصالح، وليس هناك من يدفع عنهم، وليس لديهما الجزاء الذي ينتظره أولئك منهم على الإحسان إليهم، فإذا لم نستطع مساعدة المسكين، فلنطلب من غيرنا معونته إن استطعنا.
ثم قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) هذه الآية عندما تقرؤها تستوقفك، تأمل كيف افتتحها الله عز وجل بالويل، وهو الهلاك، أو العذاب، أو واد في جهنم؟! فيقف القارئ متدبرا كيف يتوعد الله المصلين بجنهم؟ ثم تأتي الآية الأخرى مجيبة على هذا التساؤل في ذهن الإنسان المتدبر (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) قال عبد الله ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره: يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر. قال ابن كثير: أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا، فيخرجها عن وقتها بالكلية، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كله، ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي(6).
- في حديث العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك -رضي الله عنه- في داره بالبصرة حين انصرف من صلاة الظهر، وداره بجنب المسجد، قال: فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ، قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ، فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا )(7).
لا آثر للصلاة في قلوبهم ولا في أعمالهم، لعدم اهتمامهم بأمر الله، فإن كان هذا حالهم مع أجل الطاعات فإهمالهم لباقي العبادات والقربات أكثر، وتضييعها أسهل.
والسهو -وهو: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه(8)- في الصلاة لا يخلو منه أحد، أما عنها فشيء آخر، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بنُ أبِي وقَاصٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي سَعْدًا فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ )الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) أَسَهْوُ أَحَدِنَا فِي صَلَاتِهِ حَدِيثُ نَفْسِهِ؟ قَالَ سَعْدٌ: )أَوَلَيْسَ كُلُّنَا يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ وَلَكِنَّ السَّاهِي عَنْ صَلَاتِهِ الَّذِي يُصَلِّيهَا لِغَيْرِ وَقْتِهَا، فَذَلِكَ السَّاهِي عَنْهَا(، قَالَ مُصْعَبٌ مُرَّةً أُخْرَى: (تَرْكُهُ الصَّلَاةَ فِي مَوَاقِيتِهَا )(9).
وللصلاة ثمرات يقطفها العبد، تعود عليه ومجتمعه بالخير، إذا ما أدائها تامة كما علمنا نبينا -صلى الله عليه وسلم-، منها:
- الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، وعون على شدائد الدنيا، قال الله عز وجل: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) [البقرة: 45].
- المصلي لا يكون جزوعا عند الشر، ولا هلوعا عند الخير، ولا منوعا للخير، قال ربنا سبحانه: (إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ) [المعارج: 19 - 23].
- الصلاة سبب للنور يوم القيامة، قال تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) [الحديد: 12]، وعن بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِيِّ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(10).
- يقول ابن القيم -رحمه الله-: للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه. فمن قام بحق الموقف الأول هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه، شدد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: (وَمن اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً)(11) [الإنسان: 26 - 27].
وقوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) الذين يعملون حيث يراهم الناس، ويظهرون أعمالهم ليعجب الناس بها، ويثنوا عليهم، وهذا في غير الفريضة.
قال القرطبي -رحمه الله-: ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لأنها أعلام الإسلام، وشعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفى، لأنه لا يلام تركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا. وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين، فتثني عليه بالصلاح(12).
عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: (تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ)(13).
وقد حـذرنا الله تعالى، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- من الرياء وأخبر بأن المرائي لا يقبل عمله، قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا) [النساء: 38]، وقال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: 23].
وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ) قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً)(14).
ومن صفات المكذبين بيوم الدين أيضا أنهم: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) يمنعون ما يعان به الخلق ويصرف في معونتهم كالقلم، والورقة، والإناء وغيره، مع أنه مما يستحب فعله، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، لكن هؤلاء إذا استعارهم أحد ماعونا للحاجة، لا يعيرونه ويعتذرون بمعاذير باطلة، ولا ترق قلوبهم للجياع والمحتاجين.
ومن استعار شيئا فليحافظ عليه وليرده من غير نقص، فإن تلف أو حدث به خلل فليصلحه، أو يرد مثله، أو يعطيه ثمنه، فعلى اليد ما أخذت، في حديث أَبِي أُمَامَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: العَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ(15).
خاتمة: إن سورة الماعون تصف شخصية بشرية بأنه: يكذب بالدين، لقد تأثرت الحياة العملية بسوء الحالة الإيمانية أو عدم وجودها من الأصل، فمن اعتقد بالباطل دعّ اليتيم، ولم يحض على طعام المسكين، وسهى عن صلاته، ومنع المعونة عمن يحتاجها.
- فهل للمسلمين الذين يزعمون أنهم يؤمنون بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به أن يقيسوا أحوالهم وما يجدونه من أنفسهم بما يتلون في هذه السورة الشريفة؟ ليعرفوا هل هم من قسم المصدقين أو المكذبين؟.
- إن تقرير البعث في قلوب العباد، وتذكير الناس بالبعث وبيوم القيامة أصل في صلاح الناس، وفي حسن تصرفاتهم؛ لأن هذا المعتقد ينعكس على أفعال العباد فيمنعهم من السرقة والزنا والغش والخداع.
- حقيقة التصديق بالدين تَحَوُّلٌ في القلب يدفعه إلى الخير والبر، لا يراد من الناس كلمات، إنما يراد منهم معها أعمالا تصدقها، وإلا فهي هباء، لا وزن لها ولا اعتبار.
----
(1) أخرجه أبو داود (2873) من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: )لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ( الحديث. وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
(2) البخاري (6024)، مسلم (2165/10).
(3) البخاري (13)، مسلم (71/45).
(4) البخاري (5304) واللفظ له، ومسلم (2983/42) من حديث أبي هريرة.
(5) البخاري (2896).
(6) تفسير ابن كثير (8/493).
(7) مسلم (622/195).
(8) العين للفراهيدي (6/149)، تهذيب اللغة للأزهري (6/194).
(9) مسند أبي يعلى (705) بإسناد حسن.
(10) أخرجه: أبو داود (561)، سنن الترمذي (223)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (561).
(11) الفوائد (200).
(12) تفسير القرطبي (20/213).
(13) مسلم (2642/166).
(14) أحمد (23630) بإسناد جيد.
(15) أبو داود (3565)، والترمذي (1265) واللفظ له، والنسائي في الكبرى (5749)، وابن ماجه (2398) وصححه الألباني في صحيح الجامع (4116).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1437هـ
- الزيارات: 21373
الــولاء والبــراء في الإســلام

عناصر الخطبة:
1- معنى الولاء والبراء. 2- مراتب الولاء والبراء وضوابطه.
3- منزلة الولاء والبراء في الإسلام. 4- مظاهر الولاء والبراء.
5- نماذج مضيئة من واقع السلف.
مقدمة: إن الحب في الله والبغض في الله أوثق عرى الإيمان؛ فإذا انْتقَضت تلك العروة فلا تَسَلْ عن محل الإيمان من أهل الزمان، قَالَ ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله-: إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ مَحَلَّ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ فَلَا تَنْظُرْ إلَى زِحَامِهِمْ فِي أَبْوَابِ الْجَوَامِعِ، وَلَا ضَجِيجِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ بِلَبَّيْكَ، وَإِنَّمَا اُنْظُرْ إلَى مُوَاطَأَتِهِمْ أَعْدَاءَ الشَّرِيعَةِ(1).
فما كان لشعيرة الولاء والبراء أن تندرس وتضعف في واقع الكثير من المسلمين إلا بسبب ضعف عبوديتهم ومحبتهم لله تعالى؛ فإن عبادة الله ومحبته هي الأصل، ويتفرع عنها الحبّ والولاء في الله، والبغض والبراء في الله تعالى؛ فكلما كان الشخص أكمل عبودية ومحبة لله تعالى كان أكثر تحقيقاً للولاء والبراء(2).
معنى الولاء والبراء:
الولاء: هو حب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم.
والبراء: هو بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين، من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق(3).
مراتب الولاء والبراء وضوابطه:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وَالْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَادِيَ فِي اللَّهِ وَيُوَالِيَ فِي اللَّهِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَهُ وَإِنْ ظَلَمَهُ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْإِيمَانِيَّةَ. فالْمُؤْمِنَ تَجِبُ مُوَالَاتُهُ وَإِنْ ظَلَمَك وَاعْتَدَى عَلَيْك وَالْكَافِرُ تَجِبُ مُعَادَاتُهُ وَإِنْ أَعْطَاك وَأَحْسَنَ إلَيْك؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَيَكُونُ الْحَبُّ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْبُغْضُ لِأَعْدَائِهِ وَالْإِكْرَامُ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْإِهَانَةُ لِأَعْدَائِهِ وَالثَّوَابُ لِأَوْلِيَائِهِ وَالْعِقَابُ لِأَعْدَائِهِ(4).
الولاء والبراء مُصْطَبِغٌ بسماحة الإسلام ورحمته ووسطيّته، وليس معتقدا يخجل منه المسلمون، بل هو مطلبٌ عادل، لا تخلو أمةٌ تريدُ العزّةَ لأبنائها مِنْ أن تعتقدَه وتتبنّاه منهجا لها، وهو فِطْرةٌ رُكّبَ عليها البشر كلّهم، ولا بُدّ من بقائه على وجه الأرض، ما دام بين الناس اختلافُ عقائد ومناهج، فكل مؤمن موحد ملتزم للأوامر والنواهي الشرعية، تجب محبته وموالاته ونصرته، وكل من حادّ الله ورسوله والصحابة والمؤمنين، من الكافرين والمشركين والمنافقين فيجب بغضه وكرهه، فالمرء يوالى ويعادي على قدر ما عنده من خير وإيمان، أو فسوق وعصيان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: إِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ خَيْرٌ وَشَرٌّ وَفُجُورٌ وَطَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: اسْتَحَقَّ مِنْ الْمُوَالَاةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ وَاسْتَحَقَّ مِنْ الْمُعَادَاتِ وَالْعِقَابِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنْ الشَّرِّ(5).
- لا يدخل في الموالاة معاملة الكفار في الأمور الدنيوية: فقد دلت النصوص الصحيحة على جواز التعامل مع الكفار في المعاملات الدنيوية كالبيع والشراء والإيجار والاستئجار والاستعانة بهم عند الحاجة والضرورة على أن يكون ذلك في نطاق ضيق وأن لا يضر بالإسلام والمسلمين. فقد استأجر النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أرَيْقط هاديًا خِرِّيتًا. والخريت هو الخبير بمعرفة الطريق.
ورهن النبي -صلى الله عليه وسلم- درعه عند يهودي في صاع من شعير، واستعان باليهود الذين كانوا في المدينة في قتال المشركين، وهذا لا يؤثر على الولاء والبراء على أن يلتزم الكفار الذين يقيمون بين المسلمين بالآداب العامة وأن لا يدعوا إلى دينهم(6).
مكانة الولاء والبراء في دين الإسلام:
الولاء والبراء جزء من معنى الشهادة وهي قول: "لا إله" من "لا إله إلا الله".
فإن معناها البراء من كل ما يعبد من دون الله. قال تعالى: »لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ« [البقرة: 256].
قال ابن عثيمين -رحمه الله-: لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك؛ فمن آمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت فليس بمؤمن(7).
- عقيدة الولاء والبراء شرط للإيمان: قال تعالى: »تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ« [المائدة: 80، 81].
قال ابن تيمية -رحمه الله-: فَذَكَرَ جُمْلَةً شَرْطِيَّةً تَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وُجِدَ الْمَشْرُوطُ بِحَرْفِ لَوْ الَّتِي تَقْتَضِي مَعَ الشَّرْطِ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ فَقَالَ: »وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ «فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْمَذْكُورَ يَنْفِي اتِّخَاذَهُمْ أَوْلِيَاءَ وَيُضَادُّهُ وَلَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَاِتِّخَاذُهُمْ أَوْلِيَاءَ فِي الْقَلْبِ(8).
- عقيدة الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أوثَقُ عُرى الإيمان: الْمُوَالَاةُ فِي اللهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللهِ، وَالْحُبُّ فِي اللهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللهِ». (9)
- لن يَصِلَ العبدُ إلى كمال الإيمان ولن ينالَ ولايةَ اللهِ إلا بالولاء والبراء: عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رضي الله عنه-، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ». (10) قال المناوي -رحمه الله-: فدلَّ هذا الحديث على أنَّ من لم يحب لله ويبغض لله لم يستكمل الإيمان(11).
قال ابن رجب -رحمه الله-: فَيَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَمَحَبَّةُ مَنْ يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ عُمُومًا، وَيَحْرُمُ مُوَالَاةُ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَمَنْ يَكْرَهُهُ اللَّهُ عُمُومًا، وَبِهَذَا يَكُونُ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. وَمَنْ كَانَ حُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَعَطَاؤُهُ وَمَنْعُهُ لِهَوَى نَفْسِهِ، كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي إِيمَانِهِ الْوَاجِبِ(12).
من مظاهر الولاء للمؤمنين:
1 - مناصرتهم ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان فيما يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم: قال تعالى: »وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ« [الأنفال: 72].
2 - التألم لآلامهم والسرور بسرورهم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَـــــــــــــــى لَــــــــــهُ سَائِـــرُ الْجَسَدِ
بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)(13).
3 - النصح لهم ومحبة الخير لهم وعدم غشهم وخديعتهم: عن أنس -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ)(14).
4- احترامهم وتوقيرهم وعدم تنقصهم وعيبهم: قال تعالى: »يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ« الآية.
5- الرفق بضعفائهم والدعاء لهم والاستغفار لهم(15).
من مظاهر البراء من الكفار:
بغض الشرك والكفر والنفاق وأهله عموما، أن لا يناصر الكفار ولا يعينهم على المسلمين، أن لا يستعين بهم من غير حاجة ولا يتخذهم بطانة له يحفظونه سره، أن لا يشاركهم في أعيادهم وأفراحهم ولا يهنئهم بها وأن لا يستغفر لهم ولا يترحم عليهم، عدم المداهنة والمجاملة لهم على حساب الدين، أن لا يعظم الكافر بلفظ أو فعل، ترك التشبه بالكفار في الأفعال الظاهرة. (16)
من مظاهر الولاء المحرم للكفار:
- الرضى بكفر الكافرين وعدم تكفيرهم أو الشك في كفرهم أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة: قال تعالى: »يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ« [المائدة: 51].
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ -رحمه الله-: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. قَالَ: فَظَنَنَّاهُ يُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةَ. (17).
قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَهَى الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا أَنْ يَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَنْصَارًا وَحُلَفَاءَ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنِ اتَّخَذَهُمْ نَصِيرًا وَحَلِيفًا وَوَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ مِنْهُمْ فِي التَّحَزُّبِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ(18).
- ومن هذه المظاهر أيضا: الاستعانة بهم والثقة بهم وتوليتهم المناصب التي فيها أسرار المسلمين واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، التسمي بأسمائهم، والتشبه بهم في الملبس والكلام ومما هو من خصائصهم دينا ودنيا، مشاركتهم في أعيادهم الدينية أو مساعدتهم في إقامتها أو تهنئتهم بمناسبتها أو حضور إقامتها(19).
- ثمرات تحقيق الولاء والبراء:
- النجاة من سخط الله تعالى في الدنيا ومن العذاب في الآخرة: قال تعالى: »تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ« [المائدة: 80].
قال ابن كثير -رحمه الله-: يَعْنِي بِذَلِكَ مُوَالَاتِهِمْ لِلْكَافِرِينَ، وَتَرْكَهُمْ مُوَالَاةَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّتِي أَعَقَبَتْهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَسْخَطَتِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ سُخْطًا مُسْتَمِرًّا إِلَى يَوْمِ مَعَادِهِمْ. (20)
وقال تعالى محذرا من الركون إلى أهل الكفر قائلاً: »وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ« [هود: 113].
- الأمن من الفتن: قال تعالى: »وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ « [الأنفال: 73].
- حصول النعم والخيرات في الدنيا، والثناء الحسن في الدارين: تأمل قوله تعالى: »فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا« [مريم: 49 - 50].
- تميز المؤمنين وحصول الفرقان بين أولياء الله تعالى وأولياء الشيطان: قال تعالى: »يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ« [المائدة: 51 - 53].
قال السعدي -رحمه الله-: يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بيَّن لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بَعْضهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم، بل لا يدخرون من مجهودهم شيئا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم(21).
- حصول النصر والتمكين والغلبة على الأعداء: قال تعالى: »إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ« [المائدة: 55 - 56].
قال الطبري -رحمه الله-: وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ جَمِيعًا، الَّذِينَ تَبَرَّءُوا مِنَ
الْيَهُودِ وَحِلْفِهِمْ رِضًا بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِحِلْفِهِمْ، بِأَنَّ مَنْ وَثِقَ بِاللَّهِ وَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لَهُمُ الْغَلَبَةُ وَالدَّوَائِرُ وَالدَّوْلَةُ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ وَحَادَّهُمْ، لِأَنَّهُمْ حِزْبُ اللَّهِ، وَحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ دُونَ حِزْبِ الشَّيْطَانِ(22).
نماذج مضيئة في تحقيق عقيدة الولاء والبراء:
كان لسلف هذه الأمة مواقف أعلنوا فيها بوضوح محبتهم لأهل الإيمان، وبراءتهم من أهل الكفر، وعدواتهم وبغضهم لهم. وهاك بعضها:
1 - إظهار البراءة من المشركين: قال تعالى: »قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ« [الممتحنة: 4].
والتأسي بإبراهيم والذين معه صرح فيه بذكر ثلاثة أمور: الأول: التبرؤ من الكافرين ومما يعبدونه. والثاني: الكفر بهم. والثالث: إظهار العداوة وإعلانها أبداً حتى يؤمنوا بالله وحده.
عَنْ أَبِى مُوسَى -رضي الله عنه- قَالَ: قُلْت لِعُمَر بن الخطاب -رضي الله عنه-: إنَّ لِي كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا قَالَ: ما لَك قَاتَلَك اللَّهُ، أَمَا سَمِعْت اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: »يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ« أَلَا اتَّخَذْت حَنِيفِيًّا قَالَ: قُلْت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِي كِتَابَتُهُ وَلَهُ دِينُهُ قَالَ: لَا أُكْرِمُهُمْ إذْ أَهَانَهُمْ اللَّهُ وَلَا أُعِزُّهُمْ إذْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ وَلَا أُدْنِيهِمْ إذْ أَقْصَاهُمْ اللَّهُ(23).
وها هي قصة أبي بكر النابلسي -رحمه الله- لما قام بين يدي جوهر القائد وسأله عن مقالة
بلغته عنه لم تعجبه فأراد أن يستوثق منها فسأل جوهر القائد أبا بكر النابلسي قائلا: بَلَغَنَا أَنَّكَ قُلْتُ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ عَشْرَةُ أَسهُمٍ، وَجبَ أَنْ يَرْمِيَ فِي الرُّوْمِ سَهْماً، وَفينَا تِسْعَةً. قَالَ: مَا قُلْتُ هَذَا، بَلْ قُلْتُ: إِذَا كَانَ مَعَهُ عَشْرَةُ أَسهُمٍ، وَجبَ أَنْ يرمِيَكُمْ بِتِسعَةً، وَأَنْ يَرمِيَ العَاشرَ فِيْكُمْ أَيْضاً، فَإِنَّكُم غيَّرْتُم الملَّةَ، وَقَتَلْتُم الصَّالِحِيْنَ، وَادَّعَيْتُم الإِلهيَّةِ، فشهرَهُ ثُمَّ ضَرَبَهُ، ثُمَّ أَمرَ يَهُودِيّاً فَسَلَخَهُ، مِنْ مفرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى بُلِغَ الوَجْهُ، فَكَانَ يذكُرُ اللهَ وَيَصْبرُ حَتَّى بلغَ الصَّدْرَ فَرَحمَهُ السَّلاَّخُ، فوكزَهُ بِالسِّكِّينِ مَوْضِعَ قلبِهِ فَقضَى عَلَيْهِ، وَحُشِيَ تِبْناً، وَصُلبَ(24).
2- البراءة من أهل الكفر والمشركين وإن كانوا من الأقربين: لما بلغ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ما قاله المنافق عبد الله ابْنُ أُبَيٍّ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فقال -صلى الله عليه وسلم- (ادْعُوا لِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ). فَدَعَاهُ، فَقَالَ: (أَلَا تَرَى مَا يَقُولُ أَبُوكَ؟ ) قَالَ: وَمَا يَقُولُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: (يَقُولُ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)؛ فَقَالَ: فَقَدْ صَدَقَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْتَ وَاللَّهِ الْأَعَزُّ وَهُوَ الْأَذَلُّ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ قَدِمْتَ الْمَدِينَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ أَهْلَ يَثْرِبَ لَيَعْلَمُونَ مَا بِهَا أَحَدٌ أَبَرَّ مِنِّي، وَلَئِنْ كَانَ يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَنْ آتِيَهُمَا بِرَأْسِهِ لَآتِيَنَّهُمَا بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا). فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ عَلَى بَابِهَا بِالسَّيْفِ لِأَبِيهِ؛ ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ الْقَائِلُ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، أَمَا وَاللَّهِ لَتَعْرِفَنَّ الْعِزَّةُ لَكَ أَوْ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا يَأْوِيكَ ظِلُّهُ، وَلَا تَأْوِيهِ أَبَدًا إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَقَالَ: يَا لِلْخَزْرَجِ ابْنِي يَمْنَعُنِي بَيْتِي يَا لِلْخَزْرَجِ ابْنِي يَمْنَعُنِي بَيْتِي فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَأْوِيهِ أَبَدًا إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ؛ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ فَكَلَّمُوهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَتَوُا النَّبِيّ-صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: (اذْهَبُوا إِلَيْهِ، فَقُولُوا لَهُ خِلِّهِ وَمَسْكَنَهُ)؛ فَأَتَوْهُ، فَقَالَ: أَمَا إِذَا جَاءَ أَمْرُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَنَعَمْ(25). وعند الترمذي: وَاللَّهِ لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ أَنَّكَ الذَّلِيلُ، وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- العَزِيزُ، فَفَعَلَ(26).
3 - ثبات المؤمن على عقيدته مع شدة إغراءات أهل الباطل: في قصة عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله عنه- ما يدل على ذلك: فعَنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: وَجَّهَ عُمَرُ جَيْشاً إِلَى الرُّوْمِ، فَأَسَرُوا عَبْدَ اللهِ بنَ حُذَافَةَ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِم، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ، وَأُعْطِيَكَ نِصْفَ مُلْكِي؟ قَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيْعَ مَا تَمْلِكُ، وَجَمِيْعَ مُلْكِ العَرَبِ مَا رَجَعْتُ عَنْ دِيْنِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ. قَالَ: إِذاً أَقْتُلُكَ. قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. فَأَمَرَ بِهِ، فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوْهُ قَرِيْباً مِنْ بَدَنِهِ. وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَيَأْبَى، فَأَنْزَلَهُ، وَدَعَا بِقِدْرٍ، فَصَبَّ فِيْهَا مَاءً حَتَّى احْتَرَقَتْ، وَدَعَا بِأَسِيْرَيْنِ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا، فَأُلْقِيَ فِيْهَا، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ بَكَى. فَقِيْلَ لِلْمَلِكِ: إِنَّهُ بَكَى. فَظَنَّ أَنَّه قَدْ جَزِعَ، فَقَالَ: رُدُّوْهُ. مَا أَبْكَاكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ تُلْقَى السَّاعَةَ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ يَكُوْنَ بِعَدَدِ شَعْرِي أَنْفُسٌ تُلْقَى فِي النَّارِ فِي اللهِ. فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي، وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: وَعَنْ جَمِيْعِ الأُسَارَى؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَقُلْتُ فِي نفسي: عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ، أُقَبِّلُ رَأْسَهُ يُخَلِّي عَنْي وَعَنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، لا أُبَالِي فَدَنَا مِنْهُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَقَدِمَ بِالأُسَارَى عَلَى عُمَرَ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ ابْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ(27).
إنها عزة المسلم الحق، وثباته عند الشدائد، وعدم تنازله عن دينه؛ حتى لو أدى ذلك إلى موته.
والله من ورائه القصد
---
(1) الآداب الشرعية (1/ 237)
(2) مجلة البيان (169/ 33)
(3) موسوعة المفاهيم الإسلامية (386/ 2)
(4) مجموع الفتاوى (28/ 208)
(5) مجموع الفتاوى (28/ 208)
(6) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة بتصرف (268)
(7) تفسير العثيمين (3/268)
(8) مجموع الفتاوى (7/ 17)
(9) رواه الطبراني (11587) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 497)
(10) رواه أبو داود (4681) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1034)
(11) فيض القدير (1/ 167)
(12) جامع العلوم والحكم (2/ 398)
(13)صحيح البخاري (6011)، ومسلم (2586).
(14)صحيح البخاري (6065)، ومسلم (2558).
(15) الولاء والبراء والعداء في الإسلام (ص: 47)
(16) الولاء والبراء والعداء في الإسلام (ص: 48)
(17) تفسير ابن كثير(3/132)
(18) تفسير الطبري (8/507)
(19) الولاء والبراء والعداء في الإسلام ( 48)
(20) تفسير ابن كثير (3/ 164)
(21) تفسير السعدي (ص: 235)
(22) تفسير الطبري (8/ 532)
(23) السنن الكبرى للبيهقي (10/ 127)
(24) سير أعلام النبلاء (16/ 149)
(25) تفسير الطبري (22/ 666)
(26) الترمذي (3315)
(27) سير أعلام النبلاء (2/ 14)
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1437هـ
- الزيارات: 12651
حـق الـوالـديـن

-مقدمة. - فضل البر وخطر العقوق. - كيفية البر والإحسان.
- صور من بر الأنبياء عليهم السلام والسلف رحمهم الله. - ثمرات البر.
أولا: مقدمة:
إن نفوس بني آدم جُبِلَت على حبّ من أحسن إليها، وليس أعظم إحسانًا وتفضلاً بعد الله تبارك وتعالى من الوالدين، لذا نجد في القرآن الكريم الربط المباشر بين بر الوالدين وعبادة الله، إعلانًا لقيمة البر وعلو قدره ومكانته عند الله، وذلك أن رابطة الأبوة والبنوة هي أول رابطة بعد رابطة الإيمان في القوة والرفعة والأهمية والتأدب(1).
ثانيا: فضل بر الوالدين وخطر العقوق:
ومما يدل على عِظَمِ فَضلِ بر الوالدين: 1- أنه قُرن بتوحيد الله في كتابه: قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا )[النساء: 36]. وقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) [الإسراء: 23].
قال ابن كثير -رحمه الله-: يَأْمُرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَى خَلْقِهِ فِي جَمِيعِ الْآنَاتِ وَالْحَالَاتِ، ثُمَّ أَوْصَى بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ، جَعَلَهُمَا سَبَبًا لِخُرُوجِكَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَكَثِيرًا مَا يقرنُ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ، بَيْنَ عِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْوَالِدَيْنِ(2).
وقال القرطبي -رحمه الله-: قَرَنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ بِالتَّوْحِيدِ، لِأَنَّ النَّشْأَةَ الْأُولَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَالنَّشْءَ الثَّانِيَ - وَهُوَ التَّرْبِيَةُ- مِنْ جِهَةِ الْوَالِدَيْنِ(3).
2-أنه وصية الله لعباده: قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ) [العنكبوت: 8]، وقال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ) [لقمان: 14]، وقال عزو جل: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ) [الأحقاف: 15].
قال السعدى -رحمه الله-: أي: عهدنا إليه، وجعلناها وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا(4)؟.
3 - أنه من أفضل الأعمال بعد الصلاة: عَبْدِ اللَّهِ بن مسعُود -رضي الله عنه- قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا) قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الحديث(5).
4-أنه آكد من الجهاد ومقدمٌ عليه إذا لم يكن فرض عين: عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنُ الْعَاصِ -رضي الله عنه- قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ، قَالَ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلاَهُمَا، قَالَ: فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا(6).
قال ابن القيم -رحمه الله-: لَيْسَ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَنْ يَدَعَ الرَّجُلُ أَبَاهُ يَكْنُسُ الْكُنُفَ، وَيُكَارِي عَلَى الْحُمُرِ، وَيُوقِدُ فِي أَتُّونِ الْحَمَّامِ، وَيَحْمِلُ لِلنَّاسِ عَلَى رَأْسِهِ مَا يَتَقَوَّتُ بِأُجْرَتِهِ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْغِنَى وَالْيَسَارِ وَسَعَةِ ذَاتِ الْيَدِ، وَلَيْسَ مِنْ بِرِّ أُمِّهِ أَنْ يَدَعَهَا تَخْدُمُ النَّاسَ، وَتَغْسِلُ ثِيَابَهُمْ، وَتُسْقِي لَهُمُ الْمَاءَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يَصُونُهَا بِمَا يُنْفِقُهُ عَلَيْهَا(7).
ولئن كان بر الوالدين عملا عظيما، فالعقوق من أكبر الكبائر:
1-أن العقوق حرمه الله في كتابه ولو كان يسيرا: قال تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ) [الإسراء: 23].
قال القرطبي -رحمه الله-: وَإِنَّمَا صَارَتْ قولة: أف للأبوين أردأ شيء لِأَنَّهُ رَفَضَهُمَا رَفْضَ كُفْرِ النِّعْمَةِ وَجَحَدَ التَّرْبِيَةَ ورد الوصية التي أوصاه في التنزيل(8).
قال السعدى -رحمه الله-: وهذا أدنى مراتب الأذى نبه به على ما سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية(9).
وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ)(10).
2-أنه من أكبر الكبائر: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ) قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ) الحديث(11).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: (يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ)(12).
قال ابن بطال -رحمه الله-: هذا الحديث أصل في قطع الذرائع، وأن من آل فعله إلى محرم وإن لم يقصده فهو كمن قصده وتعمده في الإثم، ألا ترى أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يلعن الرجل والديه؟ فكان ظاهر هذا أن يتولى الابن لعنهما بنفسه، فلما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا سب أبا الرجل وسب الرجل أباه وأمه، كان كمن تولى ذلك بنفسه، وكان ما آل إليه فعل ابنه كلعنه في المعنى؛ لأنه كان سببه(13).
3- العقوق يمنع من دخول الجنة: ففي حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ عاقٌّ)(14). أَيْ مَعَ الْفَائِزِينَ السَّابِقِينَ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ أَشَدُّ وَعِيدًا مِنْ لَوْ قِيلَ: يَدْخُلُ النَّارَ، لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى مِنْهُ الْخَلَاصُ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (عَاقٌّ) بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ مُخَالِفٌ لِأَحَدِ وَالِدَيْهِ فِيمَا أُبِيحَ لَهُ بِحَيْثُ يَشُقُّ عَلَيْهِمَا(15).
وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ)(16).
كما تدين تدان، فإن من بذل البر لوالديه سَخَّرَ الله أبنائه يبروه، وإن عقهم سلط أبناؤه عليه، يجنى ثمرة العقوق في الدنيا قبل الآخرة غالبا، إن لم يتب إلى الله تعالى، ففي الحديث عن أبي بكرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: ((اثنان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين)(17).
كيفية بر الوالدين والإحسان إليهما:
بر الوالدين في حياتهما: قال تعالى: (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا )[الإسراء: 23 - 24].
قال ابن كثير -رحمه الله-: أَمَر اللهُ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْفِعْلِ الْحَسَن، أي: للوالدين فَقَالَ: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ أَيْ: لَيِّنًا طَيِّبًا حَسَنًا بِتَأَدُّبٍ وَتَوْقِيرٍ وَتَعْظِيمٍ. وقوله: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ )أَيْ: تَوَاضَعَ لَهُمَا بِفِعْلِكَ (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا) أَيْ: فِي كبرهما وعند وفاتهما (كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (18).
قال ابن عثيمين -رحمه الله-: إن بر الوالدين يكون ببذل المعروف والإحسان إليهما بالقول والفعل والمال.
أما الإحسان بالقول فأن تخاطبهما باللين واللطف مستصحبا كل لفظ طيب يدل على اللين والتكريم.
وأما الإحسان بالفعل فأن تخدمهما ببدنك ما استطعت من قضاء الحوائج والمساعدة على شؤونهما وتيسير أمورهما وطاعتهما في غير ما يضرك في دينك أو دنياك، والله أعلم بما يضرك في ذلك فلا تفت نفسك في شيء لا يضرك بأنه يضرك ثم تعصهما في ذلك.
وأما الإحسان بالمال فأن تبذل لهما من مالك كل ما يحتاجان إليه طيبة به نفسك منشرحا به صدرك غير متبع له بمنة ولا أذى بل تبذله وأنت ترى أن المنة لهما في ذلك في قبوله والانتفاع به(19).
وإن بر الوالدين كما يكون في حياتهما يكون أيضا بعد مماتهما:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)(20).
قال النووي -رحمه الله-: أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها فإن الولد من كسبه وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف(21).
وعَن ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ، إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ، فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ، قَالَ: بَلَى، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ، وَقَالَ: ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. (22) الله أكبر ما أعظم بر الوالدين وأشمله حتى إكرام صديقهما وصلته من برهما.
صور من بر الأنبياء عليهم السلام والصالحين من السلف:
فهذا خليل الرحمن -عليه السلام- لما عارضه أبوه رد عليه بأدبٍ جَمٍ كما ذكر تعالى: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) [مريم: 47].
قال القرطبي -رحمه الله-: لَمْ يُعَارِضْهُ إِبْرَاهِيمُ -عليه السلام- بِسُوءِ الرَّدِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتَالِهِ عَلَى كُفْرِهِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِسَلَامِهِ: الْمُسَالَمَةُ الَّتِي هِيَ الْمُتَارَكَةُ لَا التَّحِيَّةُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْنَاهُ أَمَنَةٌ مِنِّي لَكَ(23).
وهذا إسماعيل الذبيح -عليه السلام- ضرب أروع الأمثلة في البر: قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات: 102].
قال السعدى -رحمه الله-: قوله تعالى: (فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) فإن أمر الله تعالى، لا بد من تنفيذه، (قَالَ) إسماعيل صابرا محتسبا، مرضيا لربه، وبارا بوالده: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} أي: امض لما أمرك الله (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) أخبر أباه أنه موطن نفسه عـــــــــــلى الصبر، وقرن ذلك بمشيئة الله تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة الله تعالى(24).
وقال عن يحيي -عليه السلام-: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم: 12-14].
قال الطبري -رحمه الله-: يقول تعالى ذكره: وكان برّا بوالديه، مسارعا في طاعتهما ومحبتهما، غير عاقّ بهما (وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) يقول جلّ ثناؤه: ولم يكن مستكبرا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان لله ولوالديه متواضعًا متذللًا يأتمر لما أمر به، وينتهي عما نُهِي عنه، لا يَعْصِي ربه، ولا والديه(25).
وذكر سبحانه وتعالى عيسى -عليه السلام- فقال: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [مريم: 32].
قال ابن كثير -رحمه الله-: وَأَمَرَنِي بِبِرِّ وَالِدَتِي، وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) أَيْ: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا مُسْتَكْبِرًا عَنْ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ وَبِرِّ وَالِدَتِي، فَأَشْقَى بِذَلِكَ.
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -رحمه الله-: الْجَبَّارُ الشقي: الذي يقبل على الغضب(26).
وهذا سيد الأنبياء وخاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم- يقول كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي)(27).
وهذه صور من بر الصالحين من السلف: فَعَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، لاَ يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، إِلاَّ مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ(28).
عَنِ عَبدِ اللهِ بْنِ عَوْنٍ -رحمه الله-: أَنَّهُ نَادَتْهُ أُمُّهُ فَأَجَابَهَا فَعَلَا صَوْتُهَ صَوتَها فَأَعْتَقَ رَقَبَتَيْنِ(29).
وقيل لزين العابدين عليّ بن الحسين -رحمه الله-: أنت من أبرّ الناس ولا نراك تؤاكل أمّك؟ قال: أخاف أن تسير يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.
وقيل لعمر بن ذرّ -رحمه الله-: كيف كان بر ابنك بك؟ قال: ما مشيت نهارا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلا إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحا وأنا تحته(30).
ثمرات بر الوالدين:
1-أنَّه سبب في تفريج الكُرُبات: ففي قصة أصحاب الغار الثلاثة، كان فيهم رجلاً باراً بوالديه فقال: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَامْرَأَتِي، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ، حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلاَبِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً، فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ(31).
2-سبب في إجابة الدعاء: وفى حديث عمر -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن أويس القرني -رحمه الله-: (لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)(32).
3-أنَّ البر سبب في زيادة العمر: عَنْ سَلْمَانَ الفارسي -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَلاَ يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلاَّ البِرُّ. (33)
5-تحصيل الخير بدعاء الوالدين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ، لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ)(34).
4-أنَّ الوالدين سبب في دخول الجنة: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ، أَنَّ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ -رضي الله عنه- جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: (هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَالْزَمْهَا، فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا)(35).
وعن أبى الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (الوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ البَابَ أَوْ احْفَظْهُ)(36).
وعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ-رضي الله عنها-، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ قَارِئًا، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، وَكَانَ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ بِأُمِّهِ)(37).
---
(1) بروا آبائكم تبركم أبناؤكم لداود بن أحمد العلواني.
(2) تفسير ابن كثير (2/ 297).
(3) تفسير القرطبي (2/ 13).
(4) تفسير السعدي (ص: 648).
(5) أخرجه البخاري (5970) ومسلم(139).
(6) أخرجه مسلم (6599).
(7) زاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 490).
(8) تفسير القرطبي (10/ 243).
(9) تفسير السعدي (ص: 456).
(10) أخرجه البخاري (5975).
(11) أخرجه البخاري (5631)، ومسلم (172).
(12) أخرجه البخاري(5628).
(13) شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 192).
(14) صحيح ابن حبان(3384)، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (5/ 270).
(15) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2389).
(16) أخرجه النسائي (2562)، وصححه الألباني في الجامع الصغير (3071).
(17) أولادنا بين البر والعقوق للشيخ محمد حسان، والحديث رواه البخاري في التاريخ الكبير (494)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (1/ 90)
(18) تفسير ابن كثير (5/ 64).
(19) بر الوالدين، للشيخ محمد بن صالح العثيمين.
(20) أخرجه مسلم(4232).
(21) شرح النووي على مسلم (11/ 85).
(22) أخرجه مسلم (6607).
(23) تفسير القرطبي (11/ 111).
(24) تفسير السعدي (ص: 706).
(25) تفسير الطبري (18/ 160).
(26) تفسير ابن كثير (5/ 229).
(27) أخرجه مسلم (2218).
(28) أخرجه مسلم (6582).
(29) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 39).
(30) عيون الأخبار (3/ 111).
(31) أخرجه البخاري (2208)، ومسلم ( 7049).
(32) أخرجه مسلم (6584).
(33) أخرجه الترمذي(2139)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير(7687).
(34) أخرجه ابن ماجه (3862)، وحسنه الألباني في الصحيحة (569).
(35) أخرجه النسائي (3104)، وقال الألباني في إرواء الغليل (5/ 21) الحديث بمجموع طرقه صحيح.
(36) أخرجه الترمذي (1900)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (7145).
(37) البر والصلة للحسين بن حرب (20)، وصححه الألباني في الصحيحة (3371).

