الرفق رأس الحكمة

الرفق رأس الحكمة

معنى الرفق

مجالات الرفق .

الرفق في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-

والصحابة والتابعين.

مقدمة .

فإن الله تعالى وضع قواعد دينه الذى شرَعه لعباده وجعل مبناها على التيسير والرفق، فلم يرد الله بالناس إلا الخير فيما شرع وأمر حتى يسهل عليهم أن يستقيموا ويستجيبوا لأمر خالقهم سبحانه وتعالى. قال سبحانه: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [الحج: 78]. وقال: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا» [البقرة: 286].

وَعن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»(1).

معنى الرفق:   

الرِّفْقُ: هو لين الجانب بالقول والفعل والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف(2).

قال الغزالي -رحمه الله-: اعْلَمْ أَنَّ الرِّفْقَ مَحْمُودٌ وَيُضَادُّهُ الْعُنْفُ وَالْحِدَّةُ وَالْعُنْفُ نَتِيجَةُ الْغَضَبِ وَالْفَظَاظَةِ، والرفق في الأمور ثمرة لا يثمرها إلا حسن الخلق وَلَا يَحْسُنُ الْخُلُقُ إِلَّا بِضَبْطِ قُوَّةِ الْغَضَبِ وقوة الشهوة وحفظهما عَلَى حَدِّ الِاعْتِدَالِ(3).

مجالات الرفق:

1-الرفق في الدين:

وهو من أعظم مجالات الرفق كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ»(4).

قال الزرقاني -رحمه الله-: والوغول: الدخول، فكأنه قال: إن هذا الدين -مع كونه يسيرًا سهلًا- شديدًا، فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق، فإن من بالغ بغير رفق وتكلّف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يملّ حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله كمثل الذي يعسف الركاب، ويحملها من السير على ما لا تطيق رجاء الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك(5).

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-  قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» (6).

قال أبو الزناد -رحمه الله-: والمراد بهذا الحديث الحض على الرفق فى العمل(7).

ولا يفهم من هذه الأحاديث أن يتكاسل المرء عن العمل، لكن المقصود من ذلك ألا يحمل المرء نفسه إلا على ما تطيق من النوافل  مع الإتيان بالواجبات وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم-  عن الغلو في الدين بقوله -صلى الله عليه وسلم-  للنفر الثلاثة: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»(8).

2- الرفق في الدعوة:

وَالقَوْلُ اللَّيِّنُ وَالتَّصَرُّفُ الرَّفِيقُ أَوْقَعُ فِي النُّفُوسِ، وَأَبْلَغُ فِي تَحْقِيقِ المَطْلُوبِ، وَأَدْعَى إِلَى الإِجَابَةِ وَالقَبُولِ، لاسِيَّمَا فِي مَجَالِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ الله عز وجل لمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ حِينَمَا بَعَثَهُمَا إِلَى طَاغِيَةِ الأَرْضِ فِرْعَوْنَ: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى» [طه: 44]، وَأَوْصَى اللهُ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53]، ولله در القائل:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم         فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسان

وعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا يُرَى بُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، وَظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا» فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَلان الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»(9).

3- الرفق بالوالدين:

قال تعالى: «وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» [الإسراء: 23،24 ].

قال الطبري -رحمه الله-: وكن لهما ذليلا رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبَّا(10).

 4- الرفق بذوي القربى والأرحام:

كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» [النحل: 90].

5- الرفق بين الزوجين:

عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ»(11). وهذا للمسلمين عامة فكيف لو كان للزوج أو للزوجة؟!.

 ومن الأمثلة على رفق الرجل بزوجته، كان من أخلاقه -صلى الله عليه وسلم-  أنه جميلُ العِشرة دائم البِشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- يتودد إليها بذلك.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كُنْتُ إِذَا اشْتَكَيْتُ رَحِمَنِي وَلَطَفَ بِي(12).

ومن الأمثلة على رفق المرأة بزوجها ما ذُكِرَ عن خديجة -رضي الله عنها-  في حديث بدأ

الوحي لما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم-  خائفًا يشتكى فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ

عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ(13).

6-الرفق بغير المسلمين:

والمقصود به حسن التعامل معهم ولين الجانب لهم كما أمر الله عز وجل وأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بما لا يخالف شرع الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّ يَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-  فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالعُنْفَ وَالفُحْشَ» قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ» (14).

أَرْشَدَهَا -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الرِّفْقِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ بَابُ الْمُدَارَاةِ وَتَرْكِ الْمُعَادَاةِ وَالْمُعَانَاةِ.

وقال سفيان الثوري -رحمه الله-: لأصحابه تدرون ما الرفق؟ قالوا قل يا أبا محمد. قال: أن تضع الأمور من مواضعها الشدة في موضعها واللين في موضعه والسيف في موضعه والسوط في موضعه.(15)

7-الرفق بالبهائم:

عن عبد الله بن جعفرٍ -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا جملٌ، فلما رأى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَنَّ وذَرَفَت عيناه، فأتاه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فمسح ذِفْرَاه(16) فسكتَ، فقال: «من ربُّ هذا الجملِ؟ لمن هذا الجملُ»؟ فجاء فتًى من الأنصارِ، فقال: لـِي يا رسول الله، قال: «أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمةِ التي مَلَّككَ اللهُ إياها، فإنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُه وتُدْئبه»(17).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا، فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الكَلْبَ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»(18).

 قال ابن بطال -رحمه الله-: فى هذه الأحاديث الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم والرفق بها، وأن ذلك مما يغفر الله به الذنوب ويكفر به الخطايا، ألا ترى أن الذى سقى الكلب الذى وجده بالفلاة لم يكن له ملكًا فغفر الله له. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ»(19).

8-الرفق بالضعفاء والجهلاء:

عَنْ سَهْلٍ الساعدي -رضي الله عنه- قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «وَأَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا» وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى(20).

قال ابن بطال -رحمه الله-: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك(21).

وعَنْ جَابِر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ، قَالَ: «أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ»؟ قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتْ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «صَدَقَتْ صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ»؟(22).

فالرِّفقُ يكون في الأمورِ كلِّها والرِّفقُ مع الناسِ واللِّينُ مَعَهُمْ والتيسيرُ عليهم من أعظمِ أبوابِ الأخلاقِ الإسلاميَّةِ، بل من أَعْظَمِ صفاتِ الكمالِ التي يسودُ بها العُظَماءُ من البشرِ، يُحبُّها اللهُ سبحانه وتعالى، ويُعطي عليها من الأجرِ والثوابِ ما لا يُعطي على غيرِها، وصاحبُ الرِّفقِ قريبٌ من الناسِ هيِّنٌ سهلٌ رقيقٌ رحيمٌ مُحرَّمٌ على النارِ، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ»(23).

وعَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ(24).

الرفق في  حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة والتابعين:

لقد وصف الله عز وجل رحمة نبيِّه -صلى الله عليه وسلم- ورفقه بأمته بقوله: «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ» [التوبة: 128].

وقال تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» [آل عمران: 159].

قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رحمه الله-: هَذَا خُلُقُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ.

قال ابن كثير -رحمه الله-: أَيْ لَوْ كُنْتَ سيِّئَ الْكَلَامِ قَاسِيَ الْقَلْبِ عَلَيْهِمْ لَانْفَضُّوا عَنْكَ وَتَرَكُوكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَمَعَهُمْ عَلَيْكَ، وَأَلَانَ جَانِبَكَ لَهُمْ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو-رضي الله عنه-: إِنَّهُ رَأَى صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-  فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ بفَظٍّ، وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخّاب فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ(25) .

ومن الأمثلة على ذلك: 

دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته وبكائه شفقة عليهم ورفقا بهم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ-رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: تَلاَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ -عليه السلام-: «رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي» الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى -عليه السلام-: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى» فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ»؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عليه السلام- فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-  بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ: «يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ ، وَلاَ نسوؤك»(26)

قال النووي -رحمه الله-: هذا الحديث مشتمل على أنواع من الفوائد منها بيان كمال شفقة النبي -صلى الله عليه وسلم-  على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم(27)

وعَنْ جَابِر -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي»(28).

وسجل الصحابة والتابعون أروع الأمثلة في الرفق والرحمة في جميع مجالاتها:

فهذا أبوبكر الصديق

-رضي الله عنه-

  لم يبق شيئا في بيت المال إلا أنفقه، ولما قيل له ألا تجعل على بيت المال من يحرسه قال: لا يُخشى عليه. ولما مات دخلوا بيت المال فلم يجدوا فيه سوى خَيشةٍ نفضوها فلم يجدوا فيها إلا درهما فترحموا عليه جميعا.

وهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خرج ذات ليلة فسمع بكاء صبى فتوجه نحوه

فقال لأمه اتق الله وأحسني إلى صبيك ثم عاد إلى بكائه فعاد إلى أمه مرة بعد مرة كل ذلك يقول: اتق الله، وأحسني إلى صبيك، ثم قال لها: إني لأراك أُمَّ سُوءٍ، مالي

أرى ابنك لا يقر. قالت: يا عبد الله، قد أبرمتني منذ الليلة إني أريغه على الفطام فيأبى، قال: ولم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للفطم، قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرا. قال: ويحك لا تعجليه. فصلى الفجر، ثم قال: بؤسا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين؟ ثم أمر مناديا فنادى: لا تعجلوا صبيانكم من الفطام، فإنا نفرض لكل مولود. وكتب بذلك إلى الآفاق(29).

---

(1) أخرجه البخاري (39).

(2) فتح الباري لابن حجر (10/449),وانظر النهاية لابن الأثير (2/246), تهذيب اللغة للأزهري (9/100).

(3) إحياء علوم الدين للغزالي (3/184).

(4) أخرجه أحمد (13052), وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2246).

(5) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية (5/361).

(6) أخرجه البخاري (39).

(7) شرح صحيح البخاري لابن بطال (1/96).

(8) أخرجه البخاري (5063), ومسلم (3384).

(9) أخرجه أحمد (1338) , وصححه الألباني في مشكاة المصابيح(1232).

(10) تفسير الطبري (17/ 418).

(11) أخرجه الترمذي (1956), وصححه الألباني في صحيح الجامع (2908).

(12) هذه اللفظة في تاريخ المدينة لابن شبة (1/330), والحديث مفصلاً في البخاري برقم (1748).

(13) أخرجه البخاري (3), ومسلم (322).

(14) أخرجه البخاري (6030).

(15) إحياء علوم الدين (3/ 186).

(16) ذفراه: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الاذن. تاج اللغة وصحاح العربية للأزهري (2/663).

(17) أخرجه أبو داود (2549), وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2297).

(18) أخرجه البخاري(6009),ومسلم(5921).

(19) شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 219). والحديث أخرجه البخاري (5997)ومسلم (6097).

(20) أخرجه البخاري (5304).

(21) فتح الباري لابن حجر (10/ 436).

(22) أخرجه ابن ماجه (4010),وقال الألباني صحيح لغيره , وانظر التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (7/ 42).

(23) أخرجه أحمد (3938), وصححه الألباني في صحيح الجامع (3135).

(24) أخرجه الترمذي (2013), وصححه الألباني في صحيح الجامع (6055).

(25) تفسير ابن كثير (2/ 148),والحديث أخرجه البخاري(4838).

(26) أخرجه مسلم(419).

(27) شرح النووي على مسلم (3/ 78).

(28) أخرجه مسلم(2285).

(29) مسند الفاروق لابن كثير (2/ 479).