الـدِّينُ يُسْـرٌ

الدين يسر

لقد خصَّ اللهُ عز وجل هذه الأمة بمزيَّة لم تكن توجد عند باقي الأمم والديانات السابقة لها، وهي أنَّ التكاليف الشرعية جاءت مُيسرة لا مَشقة فيها ولا عُسر، حتى تتماشى مع الطبيعة البشرية التي من عادتها أنها تنفر من الصعوبات، وتمقت التعقيدات، وذلك بسبب ما فطرت عليه من الضعف كما أخبر بذلك ربنا تبارك وتعالى بقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } [النساء: 28]

وهذا من رحمة الله التامة وإحسانه الشامل على عباده، فالإنسان بطبيعته يعتريه الضعف من كل الوجوه ضعف البنية، وضعف الإرادة، وضعف العزيمة، وضعف الإيمان، وضعف الصبر، فناسب ذلك أن يخفف الله عنه، ما يضعف عنه وما لا يطيقه إيمانه وصبره وقوته(1) .

والأدلة على يُسرِ الشريعة الإسلامية كثيرة في القرءان الكريم والسنة النبوية:

   أما أدلة القرءان الكريم:

*قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]

وقوله سبحانه: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]

* وقال عز وجل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ} [الحج: 78]

   وأما أدلة السنة النبوية:

*عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: ((يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا))(2) .

* وَعَنْ عَائِشَةَ-رضي الله عنه-، أَنَّ النبي-صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ))(3).

*وَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ-رضي الله عنه-، أن رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: ((إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ))(4) .

*عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَع-رضي الله عنه-، أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: ((إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ))(5) .

* وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا))(6) .

قوله-صلى الله عليه وسلم-: [إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ] أي: دين الإسلام ذو يسر، وسَمِّى الدينَ يسرًا على سبيل المبالغة فكأنه لشدة اليسر فيه وكثرته، ثم كون هذا الدين يسرًا يجوز أن يكون بالنسبة إلى ذاته، ويجوز أن يكون بالنسبة إلى الأديان قبله لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذي كان على من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم وتوبة

 هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم(7) .

تلك هي القاعدة الكبرى في الشريعة الإسلامية أن مبناها على التيسير الذي لا مشقة فيه ولا عسر.

لكن إشكالًا قد يحصل للبعض من أبناء الإسلام: بأن يفهموا اليسر على غير حقيقته، مما يدفعهم إلي إهمال كثير من الأمور الشرعية بحجة التيسير والتخفيف على أنفسهم، والعجيب أن مثل هؤلاء يحتجون ببعض الأدلة الشرعية دون فهم لها، ويتتبعون الرخص وزلات العلماء بحجة أن هذا الدين يسر، فيأخذوا بقول كل واحد دون النظر هل هذا القول موافق للشرع أم لا؟! المهم عندهم أن يوافق أي قول هواهم، وصدق الله إذ يقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض} [البقرة: 85]

 وهؤلاء يُخشى عليهم من مشابهة اليهود إذ أن الله عز وجل ذمهم بقوله: {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [المائدة: 41].

قيل: أن هذه الآية نزلت في أقوام من اليهود، قتلوا قتيلا وقالوا: تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه(8) .

لذا فدعوى التيسير بهذه الطريقة دعوى باطلة مردودة على أصحابها(9) .

 فلا يجوز تمييع أمور الدين بحجة التيسير لأن هذا مما لا يُقبلُ في الشريعة الإسلامية أبدًا، والأمثلة على ذلك كثيرة منها ما روته أمُّ المؤمنين عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأَةٌ وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: جِئْتُ لِأَتَّبِعَكَ، وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ )) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَةِ أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: ((فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاءِ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: ((تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؟ )) قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((فَانْطَلِقْ))(10) .

وانظر كيف كان رد النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا الرجل؟! أكثر من مرة يقول له: ((فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))، على الرغم من اضطراره وحاجته وكان في أول أمره والذين معه قِلة إلا أنه لم يداهنه ولم يداره ولكن قال له مقالته هذه.

فاتباع الشرع والالتزام به هو سبيل التيسير، وعلى هذا سار سلفنا الصالح رحمة الله عليهم يقولُ عُمَيْرُ بْنُ إِسْحَاقَ: "لمَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَكْثَرُ مِمَّنْ سَبَقَنِي مِنْهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ قَوْمًا أَيْسَرَ سِيرَةً، وَلَا أَقَلَّ تَشْدِيدًا مِنْهُمْ"(11) .

لكن هل معنى التيسير ترك التكاليف الشرعية والسعي وراء الملذات والملهيات؟! أم للأمر ضابط يحكُمُه. ولا شك أن للتيسير ضوابط منها:

1-وجود ما يدعوا إلي التيسير:

فلا بد أن يوجد ما يدعوا إلي التيسير من ضرورة أو حاجة تتنزل منزلة الضرورة، أو مشقة تستوجب التيسير، قال شيخ الإسلام: "وَمِنْ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ الْمَعْجُوزَ عَنْهُ فِي الشَّرْعِ سَاقِطُ الْوُجُوبِ"(12) ، فإذا لم يوجد ذلك فإن التيسير يكون اتباعًا للهوى وتحكيمًا للشهوة.

وعليه يفرق بين من لابس الحكم الشرعي فعجز ، ومن ادعى العجز قبل ملابسته الحكم.

2-أن يكون التيسير قائمًا على دليل شرعي:

فلابد من استناده على دليل شرعي يؤيده، إما من كتاب أوسنة.

قال أَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ: " مَنْ لَمْ يَزِنْ أَفْعَالَهُ وَأَحْوَالَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ خَوَاطِرَهُ، فَلَا تَعُدَّهُ فِي دِيوَانِ الرِّجَالِ"(13) .

3-ألا يعارض نصًا شرعيًا:

فكل قول مخالف لنص شرعي مردود على صاحبه، كما في حديث أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال)) مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ))(14) .

فيشترط للأخذ بالأيسر ألا يخالف نصًا شرعيًا أو إجماعًا.

قال الْقَرَافِيُّ: " كُلُّ شَيْءٍ أَفْتَى فِيهِ الْمُجْتَهِدُ فَخَرَجَتْ فُتْيَاهُ فِيهِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقَوَاعِدِ أَوْ النَّصِّ أَوْ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ لَا يَجُوزُ لِمُقَلِّدِهِ أَنْ يَنْقُلَهُ لِلنَّاسِ وَلَا يُفْتِي بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْفُتْيَا بِغَيْرِ شَرْعٍ حَرَامٌ"(15) .

4-ألا يكون فيه تتبع للرخص والزلات:

قال الأوزاعيُّ: "مَنْ أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ مِنَ الإِسْلاَمِ"(16) .

وَ قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: "لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ أَوْ زَلَّةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ"(17) .

5-ألا يكون فيه إثمٌ:

عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، أَنَّهَا قَالَتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ"(18) .

قال النووي:فيه استحباب الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حرامًا أو مكروهًا (19) .

وقال إِبْرَاهِيمُ النخعيُّ: "إِذَا تَخَالَجَكَ أَمْرَانِ فَظُنَّ أَنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَيْسَرُهُمَا"(20) .

مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية:

مما سبق يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية مُيسرة لا مشقة فيها ولا عسر، فاقتضت حكمة الله تعالى أن تكون الشريعة الخاتمة عامة ميسورة يسهل فهمها وتعقلها والعلم بها لتسع الجميع إذ لوكان العلم بها عسيرًا لكان من العسير على جمهور المكلفين بها أخذها ومعرفتها أولًا، والامتثال لأوامرها ونواهيها ثانيًا(21) .

وتظهر معالم التيسير للشريعة الإسلامية في مجالات كثيرة منها:

1- تيسير القرءان:

فقد جعل الله عز وجل القرءان ميسرًا حتى يسهل الأخذ به وفهمه وتدبره وحفظه، وفي تيسير القرءان قال سبحانه: {إِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [مريم: 97]

وقال عز وجل: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [الدخان: 58]

وقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ }[القمر: 17]

ومعنى تيسير القرءان: تيسير اللفظ وخلوه من التعقيد حتى يسهل حفظه وتسهل تلاوته على الألسن، ولم يكن شيء من كُتِبِ الله تعالى يحفظ على ظهر القلب غير القرآن.

 ومنه تيسير المعنى حتى يسهل فهمه وتدبره على الناس، ولذا يقول الضحاك عن ابن عباس-رضي الله عنه-: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله، عز وجل(22) .

2- العقيدة الإسلامية:

 وعن يسر وسهولة العقيدة الإسلامية يقول الإمام الشاطبي: " إن التَّكَالِيفَ الِاعْتِقَادِيَّة جَاءَت بحيثُ يَسَعُ الْأُمِّيَّ تَعَقُّلُهَا، لِيَسَعَهُ الدُّخُولُ تَحْتَ حُكْمِهَا، وحَتَى تَكُونَ قريبةً لِلْفَهْمِ، مُسهلةً عَلَى الْعَقْلِ، بِحَيْثُ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْجُمْهُورُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثَاقِبَ الْفَهْمِ أَوْ بَلِيدًا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ، لَمْ تَكُنِ الشَّرِيعَةُ عَامَّةً، وَلَمْ تَكُنْ أُمِّيَّةً، وَقَدْ ثَبَتَ كَوْنُهَا كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبُ عِلْمُهَا وَاعْتِقَادُهَا سَهْلَةَ الْمَأْخَذ"(23) .

 ومن الأدلة أيضًا على سهولة العقيدة وعمومها أن الأعاجم لا يجدون فيها صعوبة ولا مشقة، ومنها حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-: أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله؛ إن علي عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: "مَنْ أنا؟ "، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، فقال: "أعتقها"(24) .

3- الأحكام الشرعية:

الأحكام التكليفية خمسة وهي: الإباحة، والندب، والكراهة، والوجوب، والتحريم.

    فأما المباحات: فلا مشقة فيها من جهة الشرع لأن الخيار في فعلها أو تركها إلى المكلف.

  وأما المندوبات والمكروهات: فنظرًا إلى عدم استلزام فعلها أو تركها لعقوبة يُعلم أن للمكلف فيها خيارًا كذلك، إلا أن الشارع رغب في فعل المندوبات وترك المكروهات لحصول الأجر.

    وأما الفرائض والواجبات: فلم يكلفنا الله تعالى فيها ما فيه مشقة خارجة عن المعتاد، ولا ترك العباد من غير تكليف، بل كانت الشريعة في هذا الأمر جارية على الطريق الوسط الأعدل.

   وأما باب المحرمات: فإن التيسير فيه واضح، فإن الشارع الحكيم برحمته ضيَّقَ باب التحريم جدًا، حتى إن محرمات الأطعمة يوردها القرآن غالبا على سبيل الحصر والقصر، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[البقرة: 173]

فالأصل في المطعومات ونحوها الإباحة، والتحريم استثناء(25) .

4- العبادات:

وفي تيسير العبادة تخفيف على الناس حتى يسهل أداءها بلا مشقة، ومن مظاهر تيسير العبادة في الإسلام:

   تيسير الطهارة:

الطهارة من الأمور الضرورية التي يحتاج إليها المسلم في صلاته وغسله وسائر عباداته، ولو كان فيها شيء من الشدَّة لكان أداء العبادة صعبًا، وهذا من رحمة الله بعباده، ومن ذلك: أن الله عز وجل شرع التيمم عند انعدام الماء أو تعذر استعماله، وجعل طهارة الثياب إذا أصيبت بالنجاسة بالنضح أو الغسل، وقد كانت على خلاف ذلك عند السابقين من الأمم قبلنا، فَعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ-رضي الله عنه- يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، وَيَقُولُ: " إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ "(26) .

   تيسير الصلاة:

فرضت الصلاة خمس مرات في اليوم وقد كانت خمسين في البداية ثم خففت لخمس بأجر خمسين، وهي لا تحتاج إلي وقت طويل ولا تعيق الإنسان عن أداء أعماله اليومية، ومن التيسير في الصلاة، كالجمع بين الصلوات وقصر الصلاة الرباعية ركعتين في السفر، والجو الماطر، وتخفيفها في حالة المرض والعجز كقول النبي-صلى الله عليه وسلم- لمن أصابه المرض)) صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ))(27) .

   تيسير الزكاة:

فُرِضَت الزكاة طهرة للمؤمنين وصدقة على الفقراء والمساكين، ولم تفرض إلا بقدر من المال قليل بعد بلوغ النصاب وحول الحول عليها باستثناء أموال أخرى لا تحتاج إلى حول كزكاة الحرث والركاز وغيرها. ومن التيسير أيضًا أن الشارع حدد نصابها وأصنافها وحدد مصارفها الشرعية.

   تيسير الصيام:

فقد رخص الإسلام الإفطار للحامل والمرضع إن خافت على نفسها وولدها، وكذلك رخص في الإفطار للمسافر والشيخ الكبير العاجز.

   تيسير الحج:

ومن تيسير الحج أن الله عز وجل لم يفرضه إلا على المستطيعين من المكلفين، كما قال سبحانه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97]

ومن سُبل تيسير الحج في الشريعة الإسلامية أنه رخص لمن عجز عن الحج أن يوكل أو يستأجر من يحمله أو يحج عنه كما في الحديث أن امْرَأَةً مِنْ خَشْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لاَ يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))(28) . بل في الحديث نوع آخر من التيسير في الحج وهو جواز حج المرأة عن الرجل.

5- المعاملات:

للمعاملات نصيب من التيسير كما هو موجود في سائر أمور الدين ومن ذلك:

   البيوع: فقد رغب الشرع في التسامح بين الناس في البيع والشراء كما في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى))(29) .

وكذلك شرع فيها بعض الأمور التي تجلب التيسير فيه، كخيار المجلس، ورد السلع للعيب كل ذلك شُرع دفعًا للضرر بين المتبايعين. وشُرع خيار الشرط للمشتري دفعًا للندم(30) .

   المطالبة بالديون:

أذنت الشريعة لصاحب الحق في المطالبة بدينه والإغلاظ فيه إن تبين للدائن مماطلة من المدين، لقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((لَيُّ الواجِدِ يحل عِرضَه وعقوبَتَه)). قال ابن المبارك: يُحلُّ عرضَه: يُغلَّظُ له، وعقوبتُه: يُحبَسُ له(31) .

لكن إذا تبين للدائن أن المدين معسر لا يجد ما يؤدي به فإن الإنظار واجب، وذلك تيسرًا عليه لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[البقرة: 280]

ولقول النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((تَلَقَّتِ الْمَلاَئِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لاَ، قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ، قَالَ-صلى الله عليه وسلم-: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: تَجَوَّزُوا عَنْهُ))(32) .

وختاماً؛ فلقد أخبرنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- بالرفق واليسر في أمور ديننا في أحاديث كثيرة وأرشدنا القصد في الأخذ بها وترك الغلو والتفريط، فقال-صلى الله عليه وسلم-: ((القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا))(33) .

 قال الطيبي: "عليكم بالقصد في الأمور في القول والفعل، وهو الوسط بين الطرفين من الإفراط والتفريط"(34) .

والاقتصاد إنما يكون بلزوم السنة والتقيّد بهدي النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- بلا غلو ولا جفاء ولا إفراط ولا تفريط.

والحمد لله رب العالمين

---

(1) وانظر تفسير السعدي(ص: 175).

(2) أخرجه البخاري(69)، ومسلم(6).

(3) أخرجه مسلم(1777).

(4) أخرجه ابن حبان في صحيحه(3568)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير(1886).

(5) أخرجه أحمد(20349)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير(3309).

(6) أخرجه البخاري(39).

(7) انظر فتح الباري لابن حجر (1/ 93)، وعمدة القاري لبدر الدين العيني(1/ 235).

(8) تفسير الطبري (10/ 302)، تفسير ابن كثير (3/ 113).

(9) ومن الأمثلة على ذلك ما يحدث للبعض ممن يتصدر للفتوى فيستعمل فيها الحيل التي لا تقوم على أصل شرعي ظنًا منه أن ذلك من التيسير على الناس، وفي هؤلاء يقول ابن القيمرحمه الله-: "لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه، فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز ذلك، بل استحب، وقد أرشد الله تعالى نبيه أيوب -عليه السلام- إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثا فيضرب به المرأة ضربة". وانظر إعلام الموقعين عن رب العالمين (4/ 170).

(10) أخرجه مسلم(150).

(11) أخرجه الدَّارمي في سننه(128).

(12) مجموع الفتاوى (20/ 559).

(13) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (10/ 230)، والبيهقي شعب الإيمان(1723).

(14) أخرجه مسلم(18).

(15) الفروق للقرافي(2/ 109).

(16) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى(21446).

(17) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر(1766).

(18) أخرجه البخاري(3560)، ومسلم(6115).

(19) شرح النووي على مسلم (15/ 83).

(20) الآثار لأبي يوسف(888).

(21) الموسوعة الفقهية الكويتية (14/ 215).

(22) وانظر تفسير ابن كثير(7/ 478)، ومفاتيح الغيب للفخر الرازي (29/ 300). والأثر أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (572)، والبغوي في شرح السنة (1/ 182).

(23) وانظر الموافقات للشاطبي(2/ 141).

(24) الحديث أخرجه أحمد بهذا اللفظ(7893)، وأصله عند مسلم(1136) من حديث معاوية بن الحكم السلمي-رضي الله عنه-.

(25) وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية (14/ 224).

(26) أخرجه البخاري(226). ومعنى [يشدد] يحتاط، ومعنى[قرضه] قطعه.

(27) أخرجه البخاري(1117)، من حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ-رضي الله عنه-.

(28) أخرجه البخاري(1513)، ومسلم(407).

(29) أخرجه البخاري(2076) من حديث جابر بن عبد الله.

(30) وانظر المغني لابن قدامة (5/ 101، 6/57)، والموسوعة الفقهية الكويتية (14/ 237).

(31) أخرجه أبو داوود(3628)، وصححه الألباني في المشكاة(2919). وذكره البخاري تعليقًا في بَابِ: لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالٌ (3/ 118)

(32) أخرجه البخاري(2077)، ومسلم(26) واللفظ له. من حديث حذيفة بن اليمان-رضي الله عنه-.

(33) أخرجه البخاري(6463).

(34) شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1865).