زاد الواعظين

القائمة الرئيسية

  • الرئيسية
  • السنة الأولى 1437هـ
  • السنة الثانية 1438هـ
    • عدد المحرم 1438هـ
    • عدد صفر 1438هـ
    • عدد ربيع الأول 1438هـ
    • عدد ربيع الآخر 1438هـ
    • عدد جمادى الأولى 1438هـ
    • عدد جمادى الآخرة 1438هـ
    • عدد رجب 1438هـ
    • عدد شعبان 1438هـ
    • عدد رمضان 1438هـ
    • عدد شوال 1438هـ
    • عدد ذو القعدة 1438هـ
    • عدد ذو الحجة 1438هـ
  • السنة الثالثة 1439هـ
  • زاد الواعظين

 كتاب الواعظ فيس بوك  كتاب الواعظ تويتر

  1. الرئيسية
  2. السنة الثانية 1438هـ
  3. عدد ربيع الآخر 1438هـ

عدد ربيع الآخر 1438هـ

خطورة التشبه - خطبة

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد ربيع الآخر 1438هـ
الزيارات: 22892

خطورة التشبه

خطورة التشبه

معنى التشبه وضوابطه

نهى الإسلام عن التشبه

أسباب  الوقوع في التشبه

صور التشبه

المخرج من الفتنة

مقدمة

لقد بين الله عز وجل لعباده منهاجًا واضحًا من أمر دينهم يَشْرَعُ بهم إلى الحق، فأوصى سبحانه نبيه-صلى الله عليه وسلم- بقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18]، أي: اتَّبع ما يُوحى إليك مِنْ ربِّك وهو شريعتك الحقَّة الثَّابتة بالدلائل والحُجَج، ولا تتَّبع ما لا دليل عليه مِنْ آراء الجهال في دينهم الباطل المبنيِّ على البدع والأَهواء. لذا فليس شيء من أمور الكفار، في دينهم ودنياهم، إلا وهو: إما فاسد وإما ناقص في عاقبته، حتى ما هم عليه من إتقان أمور دنياهم، قد يكون اتباعنا لهم فيه مُضِرًّا: إما بدنيانا وآخرتنا، أو أحدهما، وإن لم ندرك ذلك.

 وأخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- أن ولاية المؤمنين مع بعضهم لا تكون إلا بالدين وللدين وأنهم أولياء بعض وإن تباعدت أنسابهم، فقال-صلى الله عليه وسلم-: (( إنَّمَا وَليِّىَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤمِنِينَ))(1).

فأوجب -صلى الله عليه وسلم- الولاية بالدين ونفاها عن أهل رحمه إذا لم يكونوا على دينه(2).

معنى التشبه وضوابطه:

معنى التشبه: التشبه مأخوذ من المشابهة وهي المماثلة والمحاكاة والتقليد. يقال: شبَّهتُ الشيءَ بالشيءِ أقمته مقامه لصفة جامعة بينهما. وتشبَّه بفلان: تمثَّل به، اقتدى به، حاكاه، وتشبَّه بالنِّساء: ماثَلَهنّ في حركاته وسلوكه، و تشبّه بالكرام: صنع صنيعَهم(3).

وعرفه الغزي-رحمه الله-: بأنه عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به، وعلى هيئته وحليته ونعته وصفته، أو هو عبارة عن تكلف ذلك وتقصده وتعلمه(4).

ضوابطه: إن مخالفة المشركين في عامة أمورهم أصلح لنا- نحن المسلمين- في دنيانا وآخرتنا، وإن كان التشبه بهم في الأمور الدينية، فقد وردت النصوص بالنهي عن ذلك مطلقًا، وأما التشبه في الأمور العادية فهي على قسمين:

الأول: لا يجوز أن نتشبه بهم فيه، وهي الأمور التي هي بمثابة الشعار لهم، أو التي يفعلونها دون غيرهم، وهي من خصائصهم في العادات والأزياء، وما إلى ذلك، فهذا أمر يحرم محاكاتهم فيه.

والثاني: أمور العادات الأخرى فالأصل فيها الإباحة، ويجوز للناس أن يفعلوها، لكن بشرط أن لا يكون ذلك بقصد محاكاة الكافر، وعلى أن يكون ذلك فيما ليست من خصائصهم، وضابط كون الشيء من خصائص الكفار، هو أن يكون مما يفعلونه دون غيرهم، أو أن يكون ذلك شعاراً لهم بحيث يُظن بمن فعله أنه منهم، وإن وجد من يفعله من بعض الأفراد الذين قد يحسبون على المسلمين، فإن ذلك يبقى من خصائصهم، وفعل هؤلاء الأفراد ممن تقحموا هذا الفعل وأقدموا عليه لا يغير من حقيقة الحكم شيئاً(5).

لكن متى يباح التشبه بغير المسلمين؟

يكون التشبه بهم على حسب تقدير المصالح، ودفع المضار، ورفع الحرج عن المسلم، فأخذ العلوم والفنون وأصول الصنائع عنهم لا محذور وراءه، ولا محظور أمامه، ومن هي في أيديهم الآن من أهل المغرب أخذوها منا فهذبوا ونقحوا واستنبطوا، لكن لا نيأس من روح الله، {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] (6).

نهى الإسلام عن التشبه:

لقد بيَّنَ الله عز وجل القدوة المثالية التي يجب أن يتأسى بها كل مسلم ومسلمة فقال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب: 21]. وفي الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبي-صلى الله عليه وسلم- وأنه الأسوة الحسنة لا محال، وجعل متعلَق الائتساء ذات الرسول -صلى الله عليه وسلم- دون وصف خاص ليشمل الائتساء به في أقواله بامتثال أوامره واجتناب ما ينهى عنه، والائتساء بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات(7).

 ولقد أمر الله عز وجل نبيه-صلى الله عليه وسلم- أن يهجر الشرك وأهله، لأنه لا يمكن أن يجتمع الشرك مع الإيمان، فإذا وقع هذا رفع ذاك، وإذا وقع ذاك رفع هذا، كما أنّ الليل والنهار لا يجتمعان فكذلك الشرك والإيمان. ولقد جاء دين الإسلام آمرًا أتباعه بالبعد عن كل ما فيه تقريب من الشرك وأهله، وجاء بالنهي عن كل ما فيه مشابهة للمشركين أو مماثلة لهم. فكان من أول ما نزل من القرءان، قوله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5].

قال الطبري: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها(8).

وقال السعدي-رحمه الله-: ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرًا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه(9).

أسباب الوقوع في التشبه:

1-مكائد الكفار للإسلام والمسلمين: إن أعداء الدين منذ ظهور الإسلام حريصون كل الحرص ولازالوا يسعون بكل الطرق لهدم الإسلام وإيذاء المسلمين، قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ }[البقرة: 120].

وقال سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ}[البقرة: 109] وقال: {إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}[آل عمران: 149].

والمتأمل لواقع المسلمين الآن -بل واقع العالم كله- يدرك تكالب الكفار على الأمة المسلمة اليوم بمحاولة فرض كل أمور الكافرين عليهم من عقائد، ومن عادات، ومن أنظمة، ومن سياسات، ومن أخلاق. . وغيرها، وصدق رسول الله-صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: (( يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ. فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))(10).

2-الجهل بأحكام الدين:

إنَّ الْمُحَرَّمَاتِ جَمِيعَهَا مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ إنَّمَا يَفْعَلُهَا الْعَبْدُ لِجَهْلِهِ، وأَصْلُ وُقُوعِ السَّيِّئَاتِ مِنْهُ عَدَمُ الْعِلْمِ(11). ومن شؤم الجهل قد استعاذ منه الأنبياء كما حدث مع موسى-عليه السلام- في قصة البقرة قال: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [البقرة: 67]. واستعاذ من الجهل نبينا-صلى الله عليه وسلم-، فعن أُمِّ سلمةَ، قالت: ما خرَجَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن بيتي قطُّ إلا رفعَ طَرْفهُ إلى السماءِ فقال: "اللَّهُم اني أعوذُ بِكَ أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهَل أو يُجْهَل عَلىَّ "(12). فالبعض من الناس إلا من رحم ربك، يقعون في التشبه من حيث علموا أم لم يعلموا، بل وبعضهم يستسهل الأمر، والبعض ينبهر بالتقدم المادي مع جهله بحقيقة الحضارة الغربية، فظاهرها بريق ولمعان، وباطنها دمار للأخلاق والقيم، ومن عاش هناك ولو يسيرًا عرف ذلك وأَيقَنه.

3-كثرة النفاق والمنافقين:

إن النفاق أمرُّ وأمضى من السيف على رقاب الأمم، وإذا نظرت إلى هلاك أية أمة تجد أن النفاق لعب دوراً كبيراً في هلاكها، وما نراه اليوم في زماننا من ظهور طائفة من المنافقين يسعون لنشر الشبهات والأباطيل حول القرءان والسنة والصحابة، عبر بعض (شاشات التلفاز)، فباتت تلك الطائفة تكيد بالإسلام والمسلمين وسعوا  لإبراز الباطل وأهله والحط من شأن الحق وأهله، وصدق الله إذ يقول: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [المنافقون: 4]. فذكر أن هؤلاء المنافقين خُشُب مسنَّدة لا خير عندهم ولا فقه لهم ولا علم، وإنما هم صور بلا أحلام، وأشباح بلا عقول، ومع ذلك انخدع الكثير من شباب وشابات المسلمين بأقوالهم وأفعالهم، واقتبسوا منهم كل ردئٍ، ولقد توعَّد اللهُ الذين يسعون بالفساد بالعذاب الأليم فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [النور: 19].

صور التــشـــبــه:

إن التشبه بغير المسلمين فيه استعباد وتبعية مهينة، ولقد بيَّن  الله تعالى لنا الطريق وحذرنا من التفريق فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، قال الطبري-رحمه الله-: [فَاتَّبِعُوهُ] أي: فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، [وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ] ولا تسلكوا طريقًا سواه، ولا تركبوا منهجًا غيره، ولا تبغوا دينًا خلافه(13). ومن صور التشبه بغير المسلمين:

(أ)التشبه في الأمور العقائدية: وهذه من أخطر مظاهر التشبه، ولقد جاءت السنة بإلحاق من تشبه بغير المسلمين أنه منهم، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى"(14).

وقال المناوي-رحمه الله- في قوله-صلى الله عليه وسلم-: "من تشبه بقوم فهو منهم"  أَي حكمه حكمهم لِأَن كل مَعْصِيّة مِيرَاث من أمة من الْأُمَم الَّتِي أهلكها الله تَعَالَى فَكل من لابس مِنْهَا شَيْئا فَهُوَ مِنْهُم(15).

وقَالَ الطِّيبِيُّ-رحمه الله-: هَذَا عَامٌّ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ وَالشِّعَارِ. ولقد حرص الإسلام كل الحرص في تكوين شخصية مستقلة للفرد المسلم وللمجتمع الإسلامي مستوحاة من الكتاب والسنة لإبراز ذاتيته، بحيث لا يكون المسلم إمعة يقلد بدون وعي، أو إدراك، لذا جاء النهي عن مشابهة الكفار ومشاكلتهم لما في ذلك من تأثير على العقيدة؛ لأن التشبه بالكفار في الظاهر يورث المودة والمحبة، ويكون تابعاً لهم، وهذا ينافي الإيمان،

والله سبحانه وتعالى يريد العزة والكرامة للمسلم، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8](16).

 ومن أمثلة التشبه بالكفار في العقائد، صرف العبادة لغير الله كما يفعله القبوريون في أوليائهم وهو أشبه بمشركي العرب قديمًا، ومنها الغلو في الدين، والاختلاف فيه والرهبانية، وتعطيل الحدود، واتخاذ القبور مساجد، والمغالاة في الأنبياء والصالحين، وبعض الشركيات الأخرى؛ ، ونتيجة لذلك انحرف الكثير من أبناء هذه الأمة عن دينهم وظهر فيهم الكفر والزندقة والإلحاد.

(ب)التشبه في الأعياد:

 والنهي عن التشبه بالكفار يعم كل ما هو من سماتهم؛ ومما نهي عنه التشبه بالكفار في أعيادهم، فالله سبحانه وتعالى لم يشرع للمسلمين سوى عيدين كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم- لأهل المدينة: " قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ يَوْمَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا، يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ"(17).

قال ابن حجر-رحمه الله-: واستُنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم وبالغ الشيخ أبو حفص الكبير النسفي من الحنفية فقال من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد كفر بالله تعالى(18).

وقال تعالى: { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } [الفرقان: 72]. أي: إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له(19). ويحتمل  النهي عن حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي ويدخل فيه أعياد المشركين ومجامع الفساق(20).

ومن أمثلة التشبه بغير المسلمين في الأعياد ما يسمونه بالأعياد الوطنية والقومية، وكعيد الميلاد، وعيد الأم، وعيد الحب. . . وغيرها مما لا أصل في شرعنا والله المستعان.

(ج)التشبه في العادات والأخلاق والسلوك:

 لقد حذر النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمته من مثل ذلك فقال: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ"، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: "فَمَنْ؟ ))(21).

قال محمد بن الحسين الآجري-رحمه الله-: من تصفح أمر هذه الأمة، علم أن أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلى سنن  كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية، وذلك مثل  أمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والبيع والشراء، والمكاسب، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس، ولن يميز هذا إلا عاقل عالم قد أدبه العلم، والله الموفق لكل رشاد، والمعين عليه(22). ذلك وصف الآجري لحال الأمة في زمانه(360هــ) فكيف لو أدرك زماننا؟! !. ومما شاع في زماننا من مظاهر التشبه بغير المسلمين في العادات والأخلاق والسلوك: كحلق اللحى، ولبس ما هو من شعار الكفار كالملابس التي عليها الصلبان، وكتبرج النساء، واختلاط الرجال بالنساء والنساء بالرجال، وتشبه الرجال بالنساء والعكس، وكوصل الشعر عند النساء والقَزَع عند الرجال، وإسبال الثياب عند الرجال، ومنها الاعتماد في المواقيت على الأشهر الإفرنجية متابعة للغرب، ورغبةً عما كان عليه المسلمون من الاعتماد في ذلك على الأشهر العربية، ومنها التحدث باللغات الأجنبية لغير الحاجة. . . وغيرها، وكل هذه الأمور في الشرع دليل على تحريمها إما من الكتاب أو السنة.

المخرج من الفتنة:

لا شك أن آفة التشبه بغير المسلمين، في أزيائهم وعاداتهم وأحكامهم وسياساتهم واقتصادهم قد جرى في كثير من أوساط المسلمين جريان الدم في العروق، وسرى سريان النار في يابس الحطب، بل نجد في زماننا أن الذي يتمسك بتقاليد الغرب وعاداتهم ينعتونه بالمتحضر، ومواكب العصر وأشباه ذلك من ألقابهم والله المستعان، ولا مخرج من هذه الفتن إلا بالتضرع لله عز وجل وصدق الدعاء، والتمسك بهدي النبي-صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50]، أي: فاهربوا أيها الناس من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته، وقال الشهاب: الأمر بالفرار من العقاب، المراد به الأمر بالإيمان والطاعة، لأنه لأمنه من العقاب بالطاعة، كأنه فَرَ لمأمنه. فهو استعارة تمثيلية(23). ولنعلم أن التشبه بالكفار والمشركين فيه مفاسد كبيرة كالشك في عقائد الدين، والطعن في القرءان والسنة، وتضييع الفرائض واستحلال المحرمات والتجاهر بالمنكرات كأكل الربا وشرب الخمر والتبرج والسفور وغيرها من المنكرات.

لكن ليس كل تشبه مذموم فهناك تشبه ممدوح أُمرنا به كالتشبه والتأسي بالأنبياء والصحابة والتابعين والعلماء الربانيين، ولله در القائل:

فتشبّهوا إنْ لم تكونوا مثلَهم                             إنّ التشبّهَ بالكِرامِ فَلاحُ

 ولا شك أن الاقتداء بهؤلاء فيه النجاة في الدنيا والآخرة، وقد بين الحافظ ابن رجب-رحمه الله- الغاية الأساسية من صحبة الأخيار والاقتداء بهم فقال: "فإنما يراد من صحبة الأخيار صلاح الأعمال والأحوال والاقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إِلَى اليقظة، ومن البطالة إِلَى العمل، ومن التخليط إِلَى التكسب، ومن القول والفعل إِلَى الورع، ومعرفة عيوب النفس وآفاتها واحتقارها، فأما من صحبهم وافتخر بصحبتهم وادعى بذلك الدعاوى العريضة وهو مُصرٌ عَلَى غفلته وكسله وبطالته، فهو منقطع عن الله من حيث ظن الوصول إِلَيْهِ، كذلك المبالغة في تعظيمِ الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو مما نهي عنه"(24).

---

(1) أخرجه البخاري(5990)، ومسلم(215).

(2) شرح صحيح البخاري لابن بطال (9/ 206)، التفسير الوسيط - مجمع البحوث (9/ 883).

(3) انظر مختار الصحاح (ص: 161)، المصباح المنير (1/ 303)، ومعجم اللغة العربية (2/ 1161)، مقاييس اللغة (3/ 243).

(4) انظر كتاب حسن التنبه لما ورد في التشبه(1/15).

(5) قال شيخ الإسلام: قد ذكرنا من دلائل الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار، ما دل على أن التشبه بهم  في الجملة منهي عنه، وأن مخالفتهم في هديهم مشروع، إما إيجابا، وإما استحبابا بحسب المواضع. وقد تقدم بيان: أن ما أمر  به من مخالفتهم: مشروع، سواء كان ذلك الفعل مما قصد فاعله التشبه بهم، أو لم يقصد، وكذلك ما نهي عنه من مشابهتهم: يعم ما إذا قصدت مشابهتهم، أو لم تقصد؛ فإن عامة هذه الأعمال لم يكن المسلمون يقصدون المشابهة فيها، وفيها ما لا يتصور قصد المشابهة فيه، كبياض الشعر، وطول الشارب، ونحو ذلك. ثم اعلم أن أعمالهم ثلاثة أقسام:

- قسم مشروع في ديننا، مع كونه كان مشروعا لهم، أو لا يعلم أنه كان مشروعا لهم  لكنهم يفعلونه الآن.

- وقسم كان مشروعا ثم نسخه شرع القرآن.

- وقسم لم يكن مشروعا بحال، وإنما هم أحدثوه. وهذه الأقسام الثلاثة: إما أن تكون  في العبادات المحضة، وإما أن تكون  في العادات المحضة، وهي الآداب، وإما أن تجمع العبادات والعادات. انظر كتاب"اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" لابن تيمية (1/3 47)، ومحاضرة بعنوان "قواعد وضوابط في مسألة التشبه بالكفار" للشيخ خالد عثمان.

(6) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 471)، وانظر مقال بعنوان"التشبه والاقتداء" للشيخ محمد رشيد رضا  مجلة المنار (1/ 551).

(7) التحرير والتنوير (21/ 303).

(8) تفسير الطبري (23/ 13).

(9) تفسير السعدي (ص: 895).

(10) أخرجه داود(4299)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3257).

(11) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (14/ 22) مختصرًا.

(12) أخرجه أبوداود (5094)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (2442).

(13) تفسير الطبري (12/ 228).

(14) أخرجه الترمذي (2695)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5434).

(15) التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 434).

(16) الإيضاح والتبيين لما وقع فيه الأكثرون من مشابهة المشركين، لحمود التويجري (ص: 254).

(17) أخرجه أحمد (12827)، وصححه الألباني في الصحيحة (2021).

(18) فتح الباري لابن حجر (2/ 442).

(19) تفسير الطبري (19/ 315).

(20) انظر مفاتيح الغيب للرازي (24/ 485)، والدر المنثور للسيوطي (6/ 282).

(21) أخرجه البخاري(3456).

(22) الشريعة للآجري (1/ 323).

(23) انظر تفسير الطبري (22/ 440)، و محاسن التأويل للقاسمي (9/ 45).

(24) مجموع رسائل ابن رجب (1/ 251).

وقفات مع مصايا لقمان لابنه - خطبة

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد ربيع الآخر 1438هـ
الزيارات: 39766

وقفات مع وصايا لقمان لابنه

وقفات مع وصايا لقمان لابنه

كثيرًا ما نقرأ سورة لُقمان، لكن ما أحوجَنا إلى وقفة تأمُّل وتدبر ثم التطبيق العملي لمَا تَحمِله وصايا لُقمان مِن مَناهِجَ تربويَّةٍ وتعليميَّة، وتقويم للسُّلوك؛ نقلها الله لنا في القرآن وسمى السورة باسمه لننتبه إلى ما انتهَجه "الأب" لُقمان مع ابنه؛ لِيَجعل منه رجلاً صالحًا، نافعًا لِمُجتَمعه، بأسلوب تربويٍّ رفيع.

من هو لقمان؟

قال ابن كثير -رحمه الله-: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي لُقْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَلْ كَانَ نَبِيًّا، أَوْ عَبْدًا صَالِحًا مِنْ غَيْرِ نُبُوَّةٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، الْأَكْثَرُونَ عَلَى الثَّانِي. (1)

ولكن الله تعالى وصفه بوصف يحتاجه كلّ مربٍّ في تعامله مع مَن يربيه، فقد وصفه بالحكمة فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ} [لقمان: 12]

والحكمة رزق عظيم يؤتيه الله من يشاء من عباده: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269]

الوقفة الأولى مع قوله تعالى {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ}

ويستفاد منها أهمية دور الأسرة  - والأب خاصة -  في تحمل مسؤولية التربية، لأن التربية عبارة عن مجموعة من القيم والأصول والأخلاق التي يكتسبها الأبناء من خلال رؤيتهم ومعايشتهم لآبائهم وأمهاتهم أو ما يغرسه المربون من قيم وأخلاق فيمن يربون.

مشى الطاووسُ يوماً باختيال. . . فقلدَ شكل مشيته بنوهُ

فقالَ علامَ تختالونَ؟ قالوا:. . . بدأت به ونحن مقلدوهُ

فخالف سيركَ المعوجَّ واعدل. . . فإنا إن عدلت معدلوه

أما تدري أبانا كلّ فرعٍ. . . يحاكي في الخطى من أدبوه

وينشأ ناشئ الفتيان منا. . . على ما كان عوَّده أبوه

وما دان الفتى بحِجى، ولكن. . . يعوِّده التديُّنَ أقربوه

ويؤكد هذا المعنى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ)). (2)

فلقد خلق الله تعالى عباده جميعا على الفطرة السوية ولكن يأتي بعض شياطين الجن والإنس ليغيروا هذه الفطرة وينكسوها كما قال تعالى { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } [التين: 4 - 6]

وعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: قال الله تعالى: (( خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا)). (3)

لذلك كانت المسؤولية على الأبوين في المحافظة على هذه الفطرة من الطمس والتغيير، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]

قال عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه-: عَلِّمُوهُمْ، وَأَدِّبُوهُمْ.

وقال ابْن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: اعْمَلُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَاتَّقُوا مَعَاصِيَ اللَّهِ، ومُروا أَهْلِيكُمْ بِالذِّكْرِ، يُنْجِيكُمُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ.

وقال قَتَادَة -رحمه الله-: يَأْمُرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بِأَمْرِ اللَّهِ يَأْمُرَهُمْ بِهِ وَيُسَاعِدَهُمْ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً رَدَعْتَهُمْ عَنْهَا، وَزَجَرْتَهُمْ عَنْهَا. (4)

فعلى الآباء أن يستشعروا أهمية هذه التربية المنوطة بهم، وأنه من الإساءة للأبناء والإخلال بالأمانة التي استودعها الله لهم أن يتركوهم بدون تربية وتوجيه لأنهم مسؤولون عنها أمام الله تعالى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا )). (5)

وعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ )). (6)

وقد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من تضييع هذه الأمانة وبيَّن عاقبة ذلك، فعن مَعْقِل بْن يَسَارٍ -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (( مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ )). وفي رواية: (( فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ)). (7)

الوقفة الثانية مع قوله تعالى{ وَهُوَ يَعِظُهُ  }.

سماها الله تعالى موعظة وهي: التذكير بكلام يلين له القلب وينشرح له الصدر فيكون بذلك ادعى لقبول السامع، فلننتبه لذلك؛ فليست التربية توبيخا ولا تقريعا ولا تقنيطا ولا استهزاء، ومن هنا نعلم سبب الفجوة التي توجد بين الكثير من الأبناء وآبائهم؟!

الوقفة الثالثة مع قوله { يَا بُنَيّ  }

إنها كلمة تحمل كل معاني الاستعطاف والحرص والشفقة والرحمة، وهي أيضا تذكيرٌ بالصلة الوثيقة التي تربط بين المتكلم والسامع وهي ( صلة البنوة ) التي هي من أوثق الصلات بين بني الإنسان؛ فهذه الكلمة تكسر كل حواجز وموانع التمرد من قِبَل الأبناء لذلك انتهَجها إبراهيم مع ابنه إسماعيل حين أمره الله بذبحه، قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى } فما كان لهذا الابن البار بأبيه إلا أن يُبادله هذا الحب والاستعطاف، فيقول: { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } [الصافات: 102].

وكذلك نوح  ينتهجها مع ابنه الكافر المعاند، قال تعالى: { وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42]

وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستخدمها مع غلامٍ يخدمه، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( يَا بُنَيَّ )). (8)   وكأنه يفخر بها ويتباهى وحُقَّ له ذلك.

وها هو لقمان الحكيم يِسلُك نفْسَ المسلك، ويَنتهِج نفْسَ المنهَج؛ منهَج الاستِعطاف لما في ذلك من سرعة استجابة الابن لما يسمع من أبيه.

الدرس الأول: التربية  تبدأ بتصحيح الاعتقاد

انتهَج لقمان مِنهاج التدرُّج في التَّلقين، وابتدأ بأصول المسائل وأهمِّها ألا وهي العقيدة، والبداية في التربية على العقيدة منهج نبوي أصيل، فهذا نوح عليه السلام يوصي ولده بالتوحيد، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما-، قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحًا -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لاِبْنِهِ: آمُرُكَ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فِي كِفَّةٍ، رَجَحَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ )). (9)

وقال تعالى عن إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ } [إبراهيم: 35]

وقال الله تعالى عن إمام الحنفاء وهو يوصي أبناءه: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [البقرة: 132]

وهذا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم يوصي أبناءه: { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132، 133]

لذلك يخرج من صلبه هذا النبي العظيم يوسف عليه السلام شاب ينسى كلَّ مآسي السجن ويدعو إلى التوحيد الذي تربى عليه: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [يوسف: 38، 39]

ومن ذريته أيضا خاتم النبيين محمد -صلى الله عليه وسلم- يبدأ ويلقن الغلمان العقيدة الصحيحة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا، فَقَالَ: (( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ )). (10)

وقال -صلى الله عليه وسلم-  لِمعاذ بن جبَل وهو شاب صغير: (( يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ ))، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (( فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا )). (11)

لماذا التحذير من الشرك؟

قال تعالى عن لقمان: { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان: 13].

لقد وصَف لقمانُ الشِّركَ بالله بأنه ظُلم عَظيم، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالمشرك وضع العبادة في غير موضعها وصرفها لغير مستحقها وسوّى بين الخالق المالك المدبر وبين المخلوق الضعيف، لذلك أنكر الله على أهل الشرك قائلا: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [النحل: 17] فهذا أعظم الظلم والطغيان

لذلك كان الشرك أعظم الذنوب، كما في حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -رضي الله عنه-، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ)). (12)

وعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: (( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ )). (13)

وحذره من الشرك أيضا لأن الله تعالى لا يغفره إن مات عليه صاحبه، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا } [النساء: 116].

وهو سبب حبوط جميع الأعمال: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65]

وهو سبب الحرمان من الجنة والخلود في النار {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]

الدرس الثاني: التربية على الإحسان إلى والوالدين وبرهما

 قال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } [لقمان: 14].

 لقد اقترنَت وحدانيَّة الله تعالى ببرِّ الوالِدَين في القرآن الكريم في أكثر مِن مَوضِع؛ مما يدلُّ على أنَّ هذا الاقتران جاء لِيُنبِّه إلى قدْر الوالدَين ومكانتهما، وإلى أنَّ عُقوقهما هو أكبر جُرم يُقترَف بعد الشِّرك بالله، فجاء التنبيه على برهما والإحسان إليهما في أكثر من موضع منها: قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]

وقال تعالى { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36]

وقال تعالى { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151]

وخصَّ الله تعالى ذكر الأمِّ في قوله سبحانه {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ. . . } تنبيها لما قاسته من تعب ومشقة في الحمل والولادة والرضاعة والرعاية في الصغر لذلك خصها الشرع أيضا بمزيد من البر والإحسان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: (( أُمُّكَ )) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (( ثُمَّ أُمُّكَ )) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (( ثُمَّ أُمُّكَ )) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَبُوكَ )). (14)

وجاء التحذير الصريح من التعرض لهما أو لأحدهما بأدنى نوع من العقوق، قال تعالى { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } [الإسراء: 23]

وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عقوقهما من أكبر الكبائر كما في حديث أَبِي بَكْرَةَ  -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (( أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ )) ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ. . . )). (15)

وعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الكَبَائِرِ، قَالَ: (( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ. . . )). (16)

الدرس الثالث: اختيار الصحبة الصالحة

قال تعالى: { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } [لقمان: 15]. يَعني: اقتفِ أثر الصالِحين، واقْتدِ بعمل الفالِحين، وسرْ على طريقتِهم، وصاحب مَن سلك طريق التوبة إلى الله.

فاختيار الصُّحبَة للأبناء هو اختيار للقِيَم التي نُريد غرْسَها فيهم، وتَحديدٌ للطَّريق الذي نُريد أنْ يَسلكوه؛ لذا فإن مَسؤوليَّة اخْتيار الصُّحبة الصالِحة، وإبعاد الأبناء عن رُفَقاء السُّوء - مُلقاة على كاهِل الآباء. قال الغزالي -رحمه الله-: وَأَصْلُ تَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ الْحِفْظُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ. (17)

وقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثر الرفيق والصاحب إيجابًا وسلبًا فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (( إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً )). (18)

عَنْ أَيُّوبَ السختياني قَالَ: إِنَّ مِنْ سَعَادَةِ الْحَدَثِ – الصغير -  وَالْأَعْجَمِيِّ أَنْ يُوَفِّقَهُمَا اللَّهُ لِعَالِمٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.

وقال يُوسُف بْن أَسْبَاطٍ: كَانَ أَبِي قَدَرِيًّا، وَأَخْوَالِي رَوَافِضَ، فَأَنْقَذَنِي اللَّهُ بِسُفْيَانَ الثوري. (19)

الدرس الرابع: التربية على المراقبة الذاتية

قال تعالى عن لقمان: { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } [لقمان: 16].

إنها وصيَّة ودَرسٌ يَقتضي بموجبه استِحضار مُراقَبة الله لأعمالنا، فكلُّ فعْلٍ وكل تصرُّف، وكلُّ عمَل يأتيه الإنسان، بلْ وكل نجوى، وكلُّ همْس، وكلُّ خائنة عَين إلا وقد عَلِم الله هذا الفِعل، ومَن فعَله، ولِمَ فعَله، ومتَى فعَله، وأين فعَله، وكيف فعَله، ويوم القيامة يُجازيه عليه ويُنبِّئه به، فإنْ كان خَيرًا فخيرًا، وإن كان شرًّا فشرًّا، قال تعالى: { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } [الأنبياء: 47].

وقال تعالى { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة: 7، 8]

ما أجمل أن نغرس في قلوب أبنائنا هذه الوصية الرائعة: إياك أن يراك الله حيث نهاك وأن يفقدك حيث أمرك.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ )). (20)

وقال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [يونس: 61]

الدرْس الخامِس: الوصية بالواجبات

ومنها المحافظة على  الصلاة، قال تعالى عن لقمان: { يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [لقمان: 17].

الدَّعوة لإقامة الصَّلاة والحِفاظ عليها بأركانها وأوقاتها وآدابها وخُشوعِها؛ فهي تَنهى عن الفَحشاء والمُنكَر، وتروض النفْس، وتُهذِّب الرُّوح، وتَمنعُها مِن إتيان المُنكَرات، وتَحضُّها على فعْل الخَيرات، وهي صلة بين العبد وربِّه، مَن حافظَ عليها كان الله حافِظًا له، ومَن أهملَها وضيعها تَعِس وشَقِي في حيَاته وآخرته إلا أن يتوب إلى الله تعالى.

قال الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين تبعا له{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132]

وأثنى الله على نبيه إسماعيل عليه السلام: { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 55]

وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)). (21)

قال البيهقي -رحمه الله- في السنن الكبرى: باب ما على الآباء والأمهات من تعليم الصبيان أمر الطهارة والصلاة. (22)

- ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 قال تعالى عن لقمان: { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ }.

ثم يَدعو لقمان ابنه أن يأمُر بالمعروف ويَنهى عن المُنكَر، وهو انتِقال إلى دعوة الناس وإصلاح حالهم، وأمْرِهم بالمعروف ونهْيِهم عن المُنكَر، والتزوُّد قبل ذلك كله للمَعركة مع الشرِّ بالزَّاد الأصيل، زادِ العبادة لله والتوجُّه إليه بالصَّلاة.

- إن امتلاك روح المبادرة البناءة، والشجاعة الأدبية، وصف نادر في صفوف ناشئتنا، لأسباب متعددة، لعل من أهمها عدم الدربة، والخوف من التبكيت وإهمال التربية على ذلك فلا ينبغي أن نقلل من شأن أبنائنا في الجانب الدعوي بما يتناسب مع حالهم فبأمثالهم غيَّر الله حال أمم ولنعتبر بغلام الأخدود.

الدرس  السادس: الوصية بالأخلاق الحميدة والتحذير من ضدها

- ومن ذلك  الصبر: قال تعالى عن لقمان { وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }

علم لقمان أن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر.(23)

والصبر من أمهات الأخلاق الإنسانية، ومن أجلِّ الأخلاق الإسلامية، وأعظمها أجراً، وأحمدها عاقبة في الدنيا والآخرة، ولهذا فهو أصل تفرعت عنه كثير من الأخلاق الفاضلة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: (( وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ )). (24)

- ومن ذلك  التنفير من الكبر وازدراء الناس:

 قال تعالى عن لقمان: { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ }. أي لا تُعرض بوجهك عن الناس إذا كلَّمتهم أو كلموك، احتقارا منك لهم، واستكبارا عليهم ولكن ألن جانبك، وابسط وجهك إليهم. (25) كما في حديث أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (( لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ )). (26)

- ومن ذلك ذم الخيلاء والفخر:

قال تعالى عن لقمان { وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }.

أي: بطرا، فخرا بالنعم، ناسيا المنعم، معجبا بنفسك، فإن تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}. أي: مختال معجب في نفسه، فخور: أي على غيره، وقال تعالى: {وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا} [الْإِسْرَاءِ: 37]. (27)

ومِن علامات التكبُّر المشْي في الأرض مرَحًا وخُيَلاء وعجبًا بالنفْس، وهذا مرَضٌّ نفسِيٌّ يصيب الكثيرَ مِن الناس ويكون سببا في هلاكهم، فما سبب خسْفِ الله بقارون داره إلا هذا التكبُّر في الأفعال؛ { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ }.

 وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ، يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَخَسَفَ اللهُ بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ )). (28)

- ومن ذلك الأمر  بالوقار والسمت الحسن

قال تعالى عن لقمان{ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ }. أَيِ: امْشِ مَشْيًا مُقْتَصِدًا لَيْسَ بِالْبَطِيءِ الْمُتَثَبِّطِ، وَلَا بِالسَّرِيعِ الْمُفْرِطِ، بَلْ عَدْلًا وَسَطًا بَيْنَ بَيْنَ. (29)

فبدَل أنْ يَمشي الإنسان مُختالاً مُتكبِّرًا، وفي مِشيَته تَبختُر وتَعجرُف، وجَب عليه أن يَمشي مُقتصِدًا مُتواضِعًا، لا بطيئًا مُتبختِرًا، ولا سريعًا مُتجبِّرًا.

- ومن ذلك الأمر باعتدال المنطق  وأدب الحديث

إن الأعم الأغلب أن الشاب ينزع إلى رفع الصوت، والتشدق بالكلام، والتفاصح، كما هو جلي لدى المراهقين، الذين يجدون في ذلك تعبيراً عن القوة والسطوة الكاذبة، فكان بحاجة إلى الوصية بالغض من الصوت: { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ }.

 قال ابن كثير -رحمه الله-: أَيْ: لَا تُبَالِغْ فِي الْكَلَامِ، وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فِيمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّ أَقْبَحَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ، أَيْ: غَايَةُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ أَنَّهُ يُشَبه بِالْحَمِيرِ فِي عُلُوِّهِ وَرَفْعِهِ، وَمَعَ هَذَا هُوَ بَغِيضٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا التَّشْبِيهُ فِي هَذَا بِالْحَمِيرِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ وَذَمَّهُ غَايَةَ الذَّمِّ. (30)

قال السعدي -رحمه الله-: فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد عُلمتْ خسته وبلادته. (31)

---

(1) تفسير ابن كثير (6/ 333)

(2) رواه البخاري (1385) ومسلم (22)

(3) رواه مسلم (2865)

(4) راجع تفسير الطبري (23/ 103) وتفسير ابن كثير (8/ 167)

(5) رواه البخاري (893) ومسلم (1829)

(6) رواه النسائي (9129) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/ 365)

(7) رواه البخاري (7150) ومسلم (142) واللفظ له

(8) رواه مسلم (2151)

(9) رواه أحمد (2/ 170) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 259)

(10) رواه أحمد (2763)، والترمذي (2516) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1318)

(11) رواه البخاري (2856) ومسلم (30)

(12) رواه البخاري (4477) ومسلم (86)

(13) رواه البخاري (2653) ومسلم (88)  

(14) رواه البخاري (5971) ومسلم (2548)

(15) رواه البخاري (2654) ومسلم (87)

(16) رواه البخاري (2653) ومسلم (88)

(17) موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين (ص: 184)

(18) رواه البخاري (5534) ومسلم (2628) من حديث أبي موسى  -رضي الله عنه-.

(19) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 66) وما بعدها

(20) رواه الترمذي (1987) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1/ 81)

(21) رواه أبو داود (495) والبزار (9823) وغيرهما من حديث أبي هريرة وابن عمرو وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1022)

(22) ثم ساق بسنده الحديث المتقدم. السنن الكبرى للبيهقي (3/ 83)

(23) تفسير ابن كثير (6/ 338)

(24) رواه البخاري (1469) ومسلم (1053)

(25) تفسير ابن كثير(6/ 338)

(26) رواه مسلم (2626)

(27) تفسير ابن كثير(6/ 339) وتفسير السعدي (ص: 649)  

(28) رواه البخاري (5789) ومسلم (2088)

(29) تفسير ابن كثير(6/ 339)

(30) تفسير ابن كثير (6/ 339)

(31) تفسير السعدي (ص: 649)

منزلة الشكر - خطبة

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد ربيع الآخر 1438هـ
الزيارات: 61967

مــنـــزلــــــة الشــــــــــــــكـر

منزلة الشكر

معنى الشكر

منزلة الشكر

نِعَمٌ يَغْفَلُ عنها الكثير

الأسباب المعينة على الشكر

ثمرات الشكر

مقدمة:

منذ أن استهل المرء صارخًا من بطن أمه وهو في نعم الله يتقلب صباحًا ومساءً، فلا تمر عليه لحظة من اللحظات إلا ولله عليه فيها نعمة من النعم التي تستلزم الشكر عليها.

قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ } [لقمان: 20]

فقد امتنَّ سبحانه على الناس بنعم كثيرة من شمس وقمر ونجم وسحاب ودابة وشجر وماء وبحر وفلك، وغير ذلك من المنافع، التي تجري كلها لمنافعهم ومصالحهم، ولغذائهم وأقواتهم وأرزاقهم وملاذّهم، يتمتعون ببعض ذلك كله، وينتفعون بجميعه، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي: في توحيده وإرسال الرسل. ومجادلته في ذلك بغير علم، ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح(1). بل إن الكثير من الناس -إلا من رحم ربك-من يقابل كل هذه النعم بالكفر والجحود والنكران، والنعمة إن لم تقابل بالشكر قُلِبَتْ نقمةً على أصحابها.

معنى الشكر:

قال ابن منظور: "الشُّكر، عرفان الإحسان ونشره"(2).

وقال الكفويّ: "أصل الشُّكر: تصوّر النّعمة وإظهارها، والشُّكر من العبد: عرفان الإحسان، ومن الله المجازاة والثّناء الجميل"(3).

وقال المُنَاويّ: "الشُّكر: شكران: الأوّل شكر باللّسان وهو الثّناء على المنعم، والآخر: شكر بجميع الجوارح، وهو مكافأة النّعمة بقدر الاستحقاق، والشّكور الباذل وسعه في أداء الشّكر بقلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا واعترافا"(4).

وقال ابن القيّم: "الشُّكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافا، وعلى قلبه شهودًا ومحبّة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة، وقيل: هو الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع"(5).

منزلة الشكر:

لقد بلغ من عِظَمِ منزلة الشكر أن الله سبحانه وتعالى سَمَّى نَفْسَهُ شَاكِرًا وَشَكُورًا وَسَمَّى الشَّاكِرِينَ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ. فَأَعْطَاهُمْ مِنْ وَصْفِهِ. وَسَمَّاهُمْ بِاسْمِهِ. وَحَسْبُكَ بِهَذَا مَحَبَّةً لِلشَّاكِرِينَ وَفَضْلًا(6). كما أثنى سبحانه في كتابه على عباده الشاكرين، وممن أثنى عليهم ربنا تبارك وتعالى الأنبياء، فمثلًا أثنى على أول رسول بعثه بالشكر فقال: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]، كما أثنى على خليله إبراهيم بشكره نعمه فقال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [النحل: 120، 121]

ومن الأدلة على عِظَمِ مَنزلةِ الشُكر:

1-أنه أحدُ قواعد الدين:

قال ابن القيم: "مبْنى الدّين على قاعدتين الذّكر وَالشُّكْر، قَالَ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]"(7).

2-أن الله سبحانه قرنه بالإيمان:

قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147]

فقرن سبحانه الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وآمنوا به(8).

3-أنه مطلبُ الربِّ من عَبدِه:

قال تعالى: {وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]

وقال: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114]

قال السعدي: "قوله {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي: فاشكروه، فدل على أن من لم يشكر الله، لم يعبده وحده، كما أن من شكره، فقد عبده، وأتى بما أمر به"(9).

4-أن الله تعالى جعل الشكر هو الغاية من خلقه وأمره:

قال سبحانه: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [النحل: 78]. لما بين سبحانه لعباده عظيم منته ونعمته عليهم ختم الآية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}  أي: رجاء لحصول شكركم، وأن الله سبحانه إنما خلق هذه الآلات لكم لتقوموا بحق الله فيها من الشكر، وهذا كقوله سبحانه: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}، وشكر الله على هذه النعم وغيرها من النعم إنما يكون باستعمالها في طاعته سبحانه، وما يقرب إلى مرضاته(10).

5-أن الشاكرين قِلة في العالمين:

قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]

وفيه حث على الاهتمام بالعمل الصالح، وإذ كان العمل شكرًا أفاد أن العاملين قليل(11).

والشُّكْرَ حَقِيقَتُهُ الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ لِلْمُنْعِمِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي طَاعَتِهِ، وَالْكُفْرَانُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَعْصِيَةِ. وَقَلِيلٌ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْخَيْرَ أَقَلُّ مِنَ الشَّرِّ، وَالطَّاعَةُ أَقَلُّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ(12).

لذا كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ، أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَقُولُ: ((أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا))(13).

6-الشكر يرضاه ربنا تبارك وتعالى:

قال سبحانه: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7]

وإنما رَضِيَ لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، فَالشُّكْرُ مَعَهُ الْمَزِيدُ أَبَدًا، فَمَتَى لَمْ تَرَ حَالَكَ فِي مَزِيدٍ. فَاسْتَقْبِلِ الشُّكْرَ(14). ولله در القائل:

ومن كان ذا شُكرٍ فأهلُ زيادةٍ                   وأهلٌ لبذلِ العُرْفِ من كان ينعم(15)

نِعَمٌ يَغْفَلُ عنها الكثير:

إنَّ الله تعالى قد أنعمَ على عباده بنعم لاتعد ولا تحصى كما قال: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، وطلب منهمُ الشُّكرَ، ورضي به منهم، قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: " إِنَّ اللَّهَ أَنْعَمَ عَلَى الْعِبَادِ عَلَى قَدْرِهِ، وَكَلَّفَهُمُ الشُّكْرَ عَلَى قَدْرِهِمْ حَتَّى رَضِيَ مِنْهُمْ مِنَ الشُّكْرِ بِالِاعْتِرَافِ بِقُلُوبِهِمْ بِنِعَمِهِ، وَبِالْحَمْدِ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَيْهَا"(16).

وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يُعدِدُ تعالى نعمَه على خلقِه، بأن خلق لهم  السماوات سقفا محفوظًا  والأرض فراشًا، وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجًا من نبات شتى، ما بين ثمار وزروع، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر، تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر يحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر، لجلب ما هنا إلى هناك، وما هناك إلى هاهنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقا للعباد من شرب وسقي وغير ذلك من أنواع المنافع"(17).

ومعنى ((إن تعدوا)): أي: وإن تتعرضوا لتعداد نعم الله التي أنعم بها عليكم إجمالا فضلا عن التفصيل لا تطيقوا إحصاءها بوجه من الوجوه، ولا تقوموا بحصرها على حال من الأحوال وذلك مثل النعم المعتاد بها التي ينسى الناس أنها من النعم، كنعمة التنفس، ونعمة الحواس، ونعمة هضم الطعام(18).

وجَاءَ رَجُلٌ إِلَى يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ فَشَكَى إِلَيْهِ ضِيقًا مِنْ حَالِهِ وَمَعَاشِهِ، وَاغْتِمَامًا مِنْهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ يُونُسُ: أَيَسُرُّكَ بِبَصَرِكَ هَذَا الَّذِي تُبْصِرُ بِهِ مِائَةُ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَسَمْعُكَ الَّذِي تَسْمَعُ بِهِ يَسُرُّكَ بِهِ مِائَةُ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلِسَانُكَ الَّذِي تَنْطِقُ بِهِ مِائَةُ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَفُؤَادُكَ الَّذِي تَعْقِلُ بِهِ مِائَةُ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَيَدَاكَ يَسُرُّكَ بِهِمَا مِائَةُ أَلْفٍ؟

قَالَ: لَا؟ قَالَ: فَرِجْلَاكَ؟ قَالَ: فَذَكَّرَهُ نِعَمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يُونُسُ، قَالَ: أَرَى لَكَ مِئِينَ أُلُوفًا، وَأَنْتَ تَشْكُو الْحَاجَةَ(19).

وعَنِ ابْنِ السَّمَّاكِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ لَهُ: عِظْنِي. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ مُنِعَ عَنْكَ الْمَاءُ سَاعَةً وَاحِدَةً كُنْتَ تفتديها بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَوْ مُنِعَ عَنْكَ الْبَوْلُ سَاعَةً وَاحِدَةً كنت تفتديها بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَمَا تَصْنَعُ بِدُنْيَا لَا تَشْتَرِي بَوْلةً وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ؟ (20).

 فنعم الله على عباده كثيرة قَلَّ أن تعد أو تحصى، وقَلَّ من يشكرها كما قال سبحانه: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } [سبأ: 13]

وقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } [الأعراف: 10]

وقال جلَّ شأنه: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الملك: 23]

فليحذرِ الغافلون عن شكر نعم الله من سؤاله يوم القيامة، ففي الحديث: (( أنَّ اللهَ عزَّ وَجَلَّ يَلْقَى الْعَبْدَ يوم القيامة، فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ(21) أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ، وَتَرْبَعُ، فَيَقُولُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا))(22).

 وفي رواية أخري: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: " يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ، وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ، وَتَرْأَسُ، فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ؟ (23).

فمن عجز عن شكر نعم الله فعليه أن يسارع بالتوبة إلي الله تعالى، كما قال طَلْقُ بْنِ حَبِيبٍ: "إنَّ حُقُوقَ اللهِ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَ اللهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعِبَادُ، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَوَّابِينَ وَأَمْسُوا تَوَّابِينَ"(24).

الأسباب المعينة على الشكر:

وَالشُّكْرُ مَبْنِيٌ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ: خُضُوعُ الشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ. وَحُبُّهُ لَهُ. وَاعْتِرَافُهُ بِنِعْمَتِهِ. وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِهَا. وَأَن ْلَا يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا يَكْرَهُ. فَهَذِهِ الْخَمْسُ: هِيَ أَسَاسُ الشُّكْرِ. وَبِنَاؤُهُ عَلَيْهَا. فَمَتَى عُدِمَ مِنْهَا وَاحِدَةً: اخْتَلَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشُّكْرِ قَاعِدَةٌ(25).

 ومن الأسباب التي تعين على شكر النعم:

    الاعترافُ بنعم الله وذِكرُها وأنها من فضل الله ومنِّه وكرمه. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: "تَذَاكَرُوا النِّعَمَ؛ فَإِنَّ مَنْ ذَكَرَهَا شَكَرَهَا"(26).

    الإكثار من العبادات والعمل الصالح، شكرًا وحمدًا لله على ما أنعم.

    كثرة الدعاء وطلب العون من الله على شكره وحسن عبادته.

    أن يتفكر العبد في عِظَمِ سؤال الله عن هذه النعم يوم القيامة  كما قال عز وجل: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] قال ابن عباس-رضي الله عنه-: "النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، وقال: يسأل الله العباد فيم استعملوها"(27).

    الإقلاع عن الذنوب والمعاصي فإنها تزيل النعم وتنزل النقم.

    النظر إلى من هو أقل منه في شئون الدنيا فإنه معين على استذكار النعم كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ))(28).

ثمرات الشكر:

إن فضيلة الشكر من أعظم النعم، ولا يمكن أن يحافظ على هذه النعمة إلا مُعانٌ من قِبَلِ الرحمن، ولذا كانت وصيةُ النبيِّ-صلى الله عليه وسلم- لمعاذٍ -رضي الله عنه- بقوله: "أُوصيكَ يا معاذ لا تَدَعنَّ في دُبُر كُل صلاةٍ أن تقول: اللهُمَّ أعني على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتك"(29). وكان من دعاء النبي-صلى الله عليه وسلم-: (( رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا، لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا. . . الحديث))(30).

  ومن فوائد وثمرات الشكر التي تعود على العبد:

1-الشكر أمان من عذاب الله:

قال سبحانه: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } [النساء: 147]

2-الشكر سبب لزيادة النعم وحِفظِهَا:

قال تعالى: { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].

الجزاء عن شكر النعمة بالزيادة منها نعمة وفضل من الله، قَالَ عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ: " إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْرِ "(31).

وعَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه-، أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ: " إِنَّ النِّعْمَةَ مَوْصُولَةٌ بِالشُّكْرِ، وَالشُّكْرُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَزِيدِ، وَهُمَا مَقْرُونَانِ فِي قَرْنٍ، وَلَنْ يَنْقَطِعَ الْمَزِيدُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَنْقَطِعَ الشُّكْرُ مِنَ الْعَبْدِ "(32).

3-الشكر موصلٌ لمرضاة الربِّ ومحبته:

قال جلَّ شأنه: {وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7]

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا))(33).

4-الشكر سببٌ في نيلِ الأجرَ الجزيل:

قال تعالى: {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ } [آل عمران: 144]

وإظهارُ الاسمِ الجليلِ-لفظ الجلالة- في موقع الإضمار لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأن جزائِهم(34).

وقال السعدي: "لم يذكر جزاءهم ليدل ذلك على كثرته وعظمته، وليعلم أن الجزاء على قدر الشكر، قلًة وكثرًة وحُسنًا"(35).

5-الشكر ينجي العبد من المهالك:

قال سبحانه مخبرًا عن قوم لوط: { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) }[القمر: 34 - 36]

قال الطبري: "قوله تعالى: (كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) يقول: وكما أثبنا لوطًا وآله، وأنعمنا عليه، فأنجيناهم من عذابنا بطاعتهم إيانا كذلك نثيب من شكرنا على نعمتنا عليه، فأطاعنا وانتهى إلى أمرنا ونهينا من جميع خلقنا"(36)

---

(1) انظر تفسير الطبري (20/ 147)، وتفسير ابن كثير (6/ 347).

(2) لسان العرب (4/ 423)، لابن منظور.

(3) انظر الكليات (ص: 534)، للكفوي، ولسان العرب (4/ 423).

(4) التوقيف على مهمات التعاريف (ص: 206)، للمناوي.

(5) مدارج السالكين لابن القيم (2/ 234).

(6) مدارج السالكين (2/ 233)

(7) الفوائد لابن القيم (ص: 128) مختصرًا.

(8) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 116)لابن القيم.

(9) تفسير السعدي (ص: 81).

(10) انظر التحرير والتنوير (1/ 501)، لابن عاشور، وأبحاث هيئة كبار العلماء (5/ 5).

(11) التحرير والتنوير لابن عاشور(22/ 163).

(12) تفسير القرطبي (14/ 276).

(13) أخرجه البخاري(6471)، من حديث المُغِيرَةِ  بْنِ شُعْبَةَ  -رضي الله عنه-.

(14) وانظر فتح القدير للشوكاني (4/ 518)، مدارج السالكين لابن القيم (2/ 236)،

(15) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص: 264).

(16) جامع العلوم والحكم (2/ 79)، لابن رجب.

(17) تفسير ابن كثير (4/ 511).

(18) انظر فتح القدير للشوكاني (3/ 132)، التحرير والتنوير(13/236)، لابن عاشور.

(19) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 22)، لابي نعيم.

(20) المجالسة وجواهر العلم (3/ 145)لأبي بكر الدينوري.

(21) يعني: يا فلان. انظر الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 1793) للجوهري، في  مادة(فلل).

(22) أخرجه مسلم(2986)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

(23) أخرجه أحمد(10378) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بإسناد صحيح على شرط مسلم.

(24) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف(36306).

(25) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 234)، لابن القيم.

(26) المجالسة وجواهر العلم(2363) لأبي بكر الدينوري.

(27) تفسير الطبري (24/ 582).

(28) أخرجه مسلم(9) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

(29) أخرجه أبو داوود(1522)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود(1362).

(30) أخرجه الترمذي(3551)، من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (8/ 51).

(31) انظر التحرير والتنوير (13/ 193) لابن عاشور، والأثر أخرجه البيهقي في شعب الإيمان(4239).

(32) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (4214).

(33) أخرجه مسلم(89).

(34) تفسير أبي السعود (2/ 94).

(35) تفسير السعدي (ص: 151).

(36) تفسير الطبري (22/ 596).

تأملات في آيات مع بعض آيات سورة ق

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد ربيع الآخر 1438هـ
الزيارات: 17933

تأملات في آيات

مع  بعض آيات سورة ق

مع  بعض آيات سورة ق

عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ -رضي الله عنها-، قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ) إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ.(1)

لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقرأ هذه السورة كل جمعة على المنبر لولا أنها سورة عظيمة في حقائقها، ظاهرة في حجمها، تأخذ بمجامع النفوس، وتقرع القلوب المؤمنة بالله فتبرهن على عقيدة البعث والنشور، من المولد والوفاة، والمحشر والحساب، والثواب والعقاب، بإيضاح عجيب، وبسط دقيق.

قال ابن كثير -رحمه الله-: لقد كان -صلى الله عليه وسلم- يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور، والمعاد والقيام، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب. (2) وهذه بعض الوقفات الإيمانية من خلال تدبر هذه الآيات التي تحرك القلوب وتأخذ بالألباب وتهز المشاعر وتجري دمع العين.

قال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16]   ( حَبْلِ الْوَرِيدِ) هُوَ حَبْلُ الْعَاتِقِ وَهُوَ مُمْتَدٌّ مِنْ نَاحِيَةِ حَلْقِهِ إِلَى عَاتِقِهِ، وَهُمَا وَرِيدَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ. (3)

يخبر الله تعالى، أنه المتفرد بخلق جنس الإنسان، ذكورهم وإناثهم، وأنه يعلم أحواله، وما يسره، ويوسوس في صدره وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، الذي هو أقرب شيء إلى الإنسان، وهو العرق المكتنف لثغرة النحر، وهذا مما يدعو الإنسان إلى مراقبة خالقه المطلع على ضميره وباطنه، القريب منه في جميع أحواله، فيستحي منه أن يراه، حيث نهاه، أو يفقده، حيث أمره. (4)

- في الآية تنبيه وتحذير بالأدنى على الأعلى، فإذا كان الله يعلم ما في ضمير الإنسان وما يدور في نفسه فمن باب أولى يعلم ويرى أعماله الظاهرة فليحذر الإنسان ولينتبه!

يقول حاتم الأصم -رحمه الله-: تَعَهَّدْ نَفْسَكَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: إِذَا عَمِلْتَ فَاذْكُرْ نَظَرَ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِذَا تَكَلَّمْتَ فَاذْكُرْ سَمْعَ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِذَا سَكَتَّ فَاذْكُرْ عِلْمَ اللَّهَ فِيكَ. (5)

 وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لِابْنِهِ: إِذَا دَعَتْكَ نَفْسُكَ إِلَى كَبِيرَةٍ، فَارْمِ بِبَصَرِكَ إِلَى السَّمَاءِ، وَاسْتَحِ مِمَّنْ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَارْمِ بِبَصَرِكَ إِلَى الْأَرْضِ وَاسْتَحِ مِمَّنْ فِيهَا، فَإِنْ كُنْتَ لَا مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ تَخَافُ، وَلَا مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ تَسْتَحِي، فَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي عِدَادِ الْبَهَائِمِ.

قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ -رحمه الله-: تُغْلِقُ بَابَكَ، وَتُرْخِي سِتْرَكَ، وَتَسْتَحِي مِنَ النَّاسِ، وَلَا تَسْتَحِي مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي فِي صَدْرِكَ، وَلَا تَسْتَحِي مِنَ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ. (6)

وَإِذَا خَلَوْتَ بِريبَةٍ في ظُلْمَةٍ. . . والنَّفْسُ داعِيَةٌ إلى الطُّغيان

فاستحي مِن نَظَر الإله وقُلْ لَهَا. . . إنَّ الَّذي خَلَقَ الظَّلامَ يَرَانِي(7)

والآيات المبينة لهذا المعنى في القرآن كثيرة جداً منها قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61]

وقال تعالى {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235]

وقال تعالى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا } [الأحزاب: 51]

فإذا اطَّلع اللهُ على قلب الإنسان فرأى خيراً فحالُه ومآله إلى خير {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا} [الأنفال: 70]

وقال تعالى عن أهل بيعة الرضوان: { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } [الفتح: 18]

وقال -صلى الله عليه وسلم- فيمن شهد بدراً (( لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الجَنَّةُ، أَوْ: فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ )). (8)   أما أصحاب القلوب المريضة فقد قال الله فيهم: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]

ومع سعة علم الله تعالى وإحاطته بخلقه إلا أنه سبحانه وكَّل بكل إنسان منهم ملكان يحصيان عليه أعماله قال تعالى { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق: 17 - 18]

(الْمُتَلَقِّيانِ) قَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مَلَكَانِ يَتَلَقَّيَانِ عَمَلَكَ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ يَكْتُبُ حَسَنَاتِكَ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِكَ يَكْتُبُ سَيِّئَاتِكَ. (9)

قال سبحانه: { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [الانفطار: 10 - 12]

وقال {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]  أي: ملائكتنا عندهم يكتبون.

وقال تعالى { وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 28، 29]

وكأن الحكمة من أمره سبحانه وتعالى للحفظة بكتابة الأعمال حكم آخر كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة كما وضحه الله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } [الإسراء: 13، 14]

- وفي الآيتين تنبيه وتحذير من خطر اللسان، فما من لفظةٍ يتلفظ بها الإنسان إلا وهي مسطورة محفوظة، فكم من كلمة رفعت قائلها درجات وكم من كلمة أوبقت في المهلكات والدركات، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )). (10)

ثم انتقل سياق الآيات ليُذكِّر بالحقائق والأهوال التي يغفل عنها الكثير من الناس وهم ملاقوها لا محالة، كان الحَسَن بْن صَالِحٍ -رحمه الله-، إذا صلى الْفَجْر جلس يتذكر الموت وأهوال الآخرة ثم يقول: وَا أَهْوَالَاهُ فَلَوْ كَانَ هَوْلًا وَاحِدًا لَكَفَى، وَلَكِنَّهَا أَهْوَالٌ شَتَّى، ثُمَّ يبكي. (11)  قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)} [ق: 19 - 22]

قال الله تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ). لماذا عبَّر عن مجيئ سكرة الموت بالفعل الماضي والكلام موجه للأحياء وليس للأموات؟ لأن كل إنسان سيموت حتما، فقضية الموت حتمية لا مفر منها، ولأن الموت قريب جدا من كل إنسان، وأنه يأتي بغته بدون إنذار، وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلوم ولا أجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك مستعدا لذلك.(12)

(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) أَيْ جاء الموت بغَمْرَته وَشِدَّته التي تُخمد الأجساد وتُسيطر على الألباب، قال الغزالي -رحمه الله-: اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْعَبْدِ الْمِسْكِينِ كَرْبٌ وَلَا هَوْلٌ وَلَا عَذَابٌ سِوَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ بِمُجَرَّدِهَا لَكَانَ جَدِيرًا بِأَنْ يَتَنَغَّصَ عَلَيْهِ عَيْشُهُ وَيَتَكَدَّرَ عَلَيْهِ سُرُورُهُ وَيُفَارِقَهُ سَهْوُهُ وَغَفْلَتُهُ. (13)

أين المفر من الموت؟ وكيف يكون حالك؟ وسكرة الموت، لم يسلم منها أحب الخلق إلى الله محمد -صلى الله عليه وسلم-، فعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، قالت: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ - أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ، فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: (( لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ )). (14)

وعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الكرب، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلاَمُ: وَا كَرْبَ أَبَتاهُ، فَقَالَ لَهَا: (( لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ )). (15)

وأما قوله { ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ }. أَيْ يُقَالُ لِمَنْ جَاءَتْهُ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ذَلِكَ مَا كُنْتَ تَفِرُّ مِنْهُ وَتَمِيلُ عَنْهُ، والموت هو أشد ما يحاول الإنسان أن يهرب منه، أو يروغ عنه، وأنى له ذلك! فإذا جاء الأجل فلا مفر: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل: 61]

تفرُّ من الموت فإذا هو أمامك، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجمعة: 8]

وإلى سكَّان القصور قال تعالى {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]

وبعد ذكر الموت وسكراته ينتقل السياق إلى ما هو أشد منه وأفظع، إنه مشهد البعث، وهول المحشر، ورهبة الحساب، { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) }. والمعنى: هَذَا الْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ الْكُفَّارَ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ فِيهِ.

إنها نفخة البعث والنشور قال تعالى: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 51 - 54]

إنه تصوير حي، وشاهد قائم لمشهد ينبغي للإنسان أن يستعد له ويعمل له ألف حساب، وانظر إلى حال النبي -صلى الله عليه وسلم- وشدة إشفاقه من النفخ في الصور، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ وحَنَا الجَبْهَةَ وأَصْغَى السَّمْعَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ )) فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قالوا: كيف نصنع؟ فَقَالَ لَهُمْ: (( قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا )). (16)

قال الحارث المحاسبي -رحمه الله-: فيا هَولَ ذلك  اليوم، فما ظنُّك بيومٍ يُنادي فيه المصطفى آدمُ، والخليلُ إبراهيمُ، والكليمُ موسى، والروحُ والكلمةُ عيسى معَ كرامَتِهم على اللهِ عزَّ وجلَّ، وعِظَمِ قدْرِ منازِلهم عندَ الله عزَّ وجلَّ، كُلٌّ يُنادِي: (نفسي نفسي)، شَفَقاً مِنْ شِدةِ غضبِ رَبِّه، فأينَ أنتَ منهم في إشفاقِك في ذلك اليومِ واشتغالِك بِحزنِك وبخوفِك؟. (17)

{ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }.

قال ابن القيم -رحمه الله-: يخبر الله سبحانه عن أَحْوَال الْخلق فِي هَذَا الْيَوْم وَأَن كل أحد يَأْتِي الله سُبْحَانَهُ ذَلِك الْيَوْم وَمَعَهُ سائق يَسُوقهُ وشهيد يشْهد عَلَيْهِ. (18)

قال الغزالي -رحمه الله-: تَوَهَّمْ نَفْسَكَ إذا قرَعَ سمْعَك النداءُ إلى العرضِ، فيكفيك تلك الروعة، إذ يُؤخذ بناصيَتِك فتُقادُ وفؤادُك مضطربٌ ولُبُّكَ طائرٌ وفرائِصُك مرتعدةٌ ولَونُك متغيرٌ، والعالَم عليك من شدةِ الهولِ مُظلمٌ؛ فَقَدِّرْ نفسَك وأنتَ بهذه الصفةِ تتخطَى الرِّقابَ وتَخترقُ الصفوف، وقد رَفَعَ الخلائقُ إليك أبصارَهم، فتوهَّمْ نفسَك أنك في أيدي الموكَلَينِ بك على هذه الصفة حتى انتُهىَ بك إلى عرش الرحمن فرمَوكَ مِن أيديهم وناداك اللهُ سبحانه وتعالى بعظيم كلامه: يا ابن آدم ادن منى فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وفؤاد منكسر وَأُعْطِيتَ كِتَابَكَ الَّذِي لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةَ إِلَّا أَحْصَاهَا فَكَمْ مِنْ فَاحِشَةٍ نَسِيتَهَا فتذكرتَها، وَكَمْ مِنْ طَاعَةٍ غَفَلْتَ عَنْ آفَاتِهَا فَانْكَشَفَ لك عن مساويها، فَلَيْتَ شِعْرِي بِأَيِّ قَدَمٍ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبِأَيِّ لِسَانٍ تُجِيبُ وَبِأَيِّ قَلْبٍ تَعْقِلُ مَا تقول. (19)

{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }

كنت في الدنيا غافلاً عن القيامة والوقوف بين يدي الله، فكشفنا عنك اليوم حجاب الغفلة، فبصرك اليوم قوي نافذ، فأبصرت الحق وأيقنت، ولكن هيهات هيهات فات الأوان، قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } [السجدة: 12]

{وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26)} [ق: 23 - 26]

فالمقصود بالقرين هنا الْمَلَك الْمُوَكَّل بِعَمَلِ ابْنِ آدَمَ: أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَا فَعَلَ

 يَقُول لمّا يحضرهُ هَذَا الَّذِي كنتَ وكّلتني بِهِ فِي الدُّنْيَا قد أحضرته وَأَتَيْتُك بِهِ هَذَا قَول مُجَاهِد. وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْمَعْنى هَذَا مَا كتبته عَلَيْهِ وأحصيته من قَوْله وَعَمله حَاضر عِنْدِي. وَالتَّحْقِيق أَن الْآيَة نتضمن الْأَمريْنِ أَي هَذَا الشَّخْص الَّذِي وكلت بِهِ وَهَذَا عمله الَّذِي أحصيته. (20)

ثم ذكر الله سبحانه صِفَات هَذَا الْمُلقى في النار فَذكر لَهُ سِتّ صِفَات:

 أَحدهَا: أَنه كفار لنعم الله وحقوقه كفار بِدِينِهِ وتوحيده وأسمائه وَصِفَاته كفّار برسله وَمَلَائِكَته كفار بكتبه ولقائه.

 الثَّانِيَة: أَنه معاند للحق بِدَفْعِهِ جحدا وعنادا. الثَّالِثَة: أَنه مناع للخير وَهَذَا يعم مَنعه للخير الَّذِي هُوَ إِحْسَان إِلَى نَفسه من الطَّاعَات والقرب إِلَى الله وَالْخَيْر الَّذِي هُوَ إِحْسَان إِلَى النَّاس فَلَيْسَ فِيهِ خير لنَفسِهِ وَلَا لبني جنسه كَمَا هُوَ الْحَال أَكثر الْخلق.

 الرَّابِعَة: أَنه مَعَ مَنعه للخير مُعْتَد على النَّاس ظلوم غشوم مُعْتَد عَلَيْهِم بِيَدِهِ وَلسَانه.

 الْخَامِسَة: أَنه مريب أَي صَاحب ريب وَشك وَمَعَ هَذَا فَهُوَ آتٍ لكل رِيبَة يُقَال فلَان مريب إِذا كَانَ صَاحب رِيبَة.

 السَّادِسَة: أَنه مَعَ ذَلِك مُشْرك بِاللَّه قد اتّخذ مَعَ الله إِلَهًا آخر يعبده وَيُحِبهُ ويغضب لَهُ ويرضى لَهُ وَيحلف باسمه وينذر لَهُ ويوالي فِيهِ ويعادي فِيهِ. (21)

{ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)} [ق: 27 - 30]

عند ذلك يقول القرين: {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ }  وهو هنا على الأرجح الشيطان الموكل بملازمة الإنسان وإغوائه، يقول: ما كان لي عليه سلطان، بل هو الذي ضل وطغى بنفسه.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ )). قَالُوا: وَإِيَّاكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: (( وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ )). (22)

وعن عُرْوَةَ بن الزبير، أَنَّ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، حَدَّثَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: (( مَا لَكِ؟ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟ )). فَقُلْتُ: وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ )) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: (( نَعَمْ )) قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: (( نَعَمْ )) قُلْتُ: وَمَعَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: (( نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ )). (23)

وقد نقل الله في كتابه براءة الشيطان من اتباعه يوم القيامة فقال تعالى {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إِبْرَاهِيمَ: 22].

فيقول الله قوله الحق الذي يُنهي كل قول: { قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }.

فالمقام ليس مقام اختصام فقَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَأَنْزَلْتُ الْكُتُبَ، وَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَرَاهِينُ، فمَا قلته ووعدت بِهِ لَابُد من فعله وَمَعَ هَذَا فَهُوَ عدل لَا ظلم فِيهِ وَلَا جور لكَمَال علمه سبحانه واطلاعه على أحوال خلقه وَكَمَال عدله.

ثم ينتهي المشهد بوصف رهيب لجهنم وهي تحترق وتفور، وتضطرب وتمور، { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ }

إنها جهنم. . حرها شديد. . وقعرها بعيد. . يلقى فيها كل جبار عنيد. . وهي تنادي هل من مزيد، هل من مزيد. . المزيد من الكفرة والمنافقين. . المزيد من العصاة والمجرمين. .

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (( لاَ تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلقى فيها وتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ )). (24)

ثم ينتقل سياق الآيات مباشرة من مشهد العذاب والجحيم إلى مشهد السرور والنعيم.

 {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) }

فالجنة تزلف وتقرّب لهم غير بعيد، فلا يتكلفون مشقة الوصول إليها، فالجزاء من جنس العمل، فكما أنهم كانوا يتكلفون مشقة السعي إليها في الدنيا فهي الآن تُقرَّب إليهم.

وأَهلها هم الَّذين اتصفوا بِهَذِهِ الصِّفَات الْأَرْبَع: إِحْدَاهَا: أَن يكون أوابا أَي رجَّاعاً إِلَى الله من مَعْصِيَته إِلَى طَاعَته وَمن الْغَفْلَة عَنهُ إِلَى ذكره.

 الثَّانِيَة: أَن يكون حفيظا لما ائتمنه الله عَلَيْهِ وافترضه، حَافظا لما استودعه الله من حقّه وَنعمته، ممسكا نَفسه عَمَّا حرّم عَلَيْهِ.

 الثَّالِثَة: قَوْله {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} يتَضَمَّن الْإِقْرَار بِوُجُودِهِ وربوبيته وَقدرته وَعلمه واطلاعه على تفاصيل أَحْوَال العَبْد ويتضمن الْإِقْرَار بكتبه وَرُسُله وَأمره وَنَهْيه ويتضمن الْإِقْرَار بوعده ووعيده ولقائه فَلَا تصح خشيَة الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ إِلَّا بعد هَذَا كُله.

 الرَّابِعَة: قَوْله {وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} قَالَ ابْن عَبَّاس: رَاجع عَن معاصي الله مقبل على طَاعَة الله وَحَقِيقَة الْإِنَابَة عكوف الْقلب على طَاعَة الله ومحبته والإقبال عَلَيْهِ. (25)

وأما قوله: { ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34)}

قَالَ قَتَادَةُ: سَلِمُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ.

فالجنة دار السلام: { لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الأنعام: 127]

وأهلها إذا دخلوها دخلوها بسلام: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } [الحجر: 45 - 48]

ويسمعون فيها السلام والتسليم { وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23، 24]

وَأما قَوْلُهُ: {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ}    أَيْ: يَخْلُدُونَ فِي الْجَنَّةِ فَلَا يَمُوتُونَ أَبَدًا، وَلَا يَظْعَنُونَ أَبَدًا، وَلَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا. (26)

وإليك بعض الأحاديث التي تدل على خلود أهل الجنة في النعيم المقيم، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ  فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ )). (27)

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنهما-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( يُنَادِي مُنَادٍ ( أي أهلَ الجنة ): إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا )). (28)

وأما قوله { لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) }

فلأهل الجنة ما يشاءون في الجنة من النعيم بل وفوق ما يشاءون قال تعالى {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((قَالَ اللَّهُ: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } )). (29)

وعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رضي الله عنه-، عن رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ، مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، قَالَ: هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ، فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ، قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ "، قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: " {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] الْآيَةَ. )). (30)

وأما المزيد فهو أعظم نعيم أهل الجنة ألا وهو رؤية وجه الملك جل وعلا، عَنْ صُهَيْبٍ الرومي -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ )). (31)

فاللهم إنا نسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءٍ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.

---

(1) رواه مسلم (873)

(2) تفسير ابن كثير (7/ 393)

(3) تفسير القرطبي (17/ 9)

(4) تفسير السعدي (ص: 805)

(5) سير السلف الصالحين لإسماعيل بن محمد الأصبهاني (ص: 1102)

(6) تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 478)

(7) مجموعة القصائد الزهديات (1/ 160)

(8) رواه البخاري (3007) ومسلم (2494) من حديث على بن أبي طالب  -رضي الله عنه-.

(9) تفسير القرطبي (17/ 9)

(10) رواه البخاري (6478)

(11) الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا (ص: 207)

(12) تفسير القرطبي (13/ 348) و روح البيان (2/ 241)

(13) إحياء علوم الدين (4/ 461)

(14) رواه البخاري (6510) 

(15) رواه البخاري (4462)

(16) رواه أحمد والترمذي (2431) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 842)

(17) التوهم في وصف أحوال الآخرة (ص: 16)

(18) الفوائد لابن القيم (ص: 10)

(19) إحياء علوم الدين (4/ 519)

(20) الفوائد لابن القيم (ص: 10)

(21) الفوائد لابن القيم (ص: 11)

(22) رواه مسلم (2814)

(23) رواه مسلم (2815)

(24) رواه البخاري (6661) ومسلم (2848)

(25) الفوائد لابن القيم (ص: 12)

(26) تفسير ابن كثير (7/ 406)

(27) رواه البخاري (4730) ومسلم (2849)

(28) رواه مسلم (2837)

(29) رواه البخاري (3244) ومسلم (2824)

(30) رواه مسلم (189)

(31) رواه مسلم (181)

تحميل عدد ربيع الاخر 1438هـ بصيغة بي دي إف

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد ربيع الآخر 1438هـ
الزيارات: 9078

البحث

جديد الموقع

  • قصة أصحاب القرية
  • المال بين الحكمة الربانية والنفس البشرية
  • الآثار الإيمانية لاسم الله الفتاح
  • منزلة الشكر
  • سورة العصر طوق النجاة من الخُسْر
  • الآثار الإيمانية للقرآن الكريم
  • هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان
  • هنيئا لمن أدرك رمضان

الأكثر قراءة

  • وقفات تربوية مع شهر شعبان - خطبة
  • رجب شهر الغرس - خطبة
  • المنحة في فضل العشر من ذي الحجة - خطبة
  • أمراض القلوب وعلاجها - خطبة
  • تحويل القبلة. . . . و دروس للأمة - خطبة
  • أعمال العشر وتحري ليلة القدر - خطبة
  • منزلة الشكر - خطبة