عدد ربيع الأول 1438هـ
- التفاصيل
- كتب بواسطة: فضيلة الشيخ أحمد سليمان
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1438هـ
- الزيارات: 12740
شواهد المحبة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- وبعد،
فإن العبادة إِنَّمَا تبنى عَلَى ثلاثة أصول: الخوف والرجاء والمحبة.
وكل منهما فرض لازم، والجمع بين الثلاثة حتم واجب، فلهذا كان السَّلف يذمون من تعبد بواحد منها وأهمل الآخرين؛ فإن بدع الخوارج ومن أشبههم إِنَّمَا حدثت من التشديد في الخوف والإعراض عن الرجاء، وبدع المرجئة نشأت من التعليق بالرجاء وحده والإعراض عن الخوف، وبدع كثير من أهل الإباحة والحلول ممن ينسب إِلَى التعبد، نشأت من إفراط المحبة والإعراض عن الخوف والرجاء.
إن الخلل في تحقيق هذه الأصول الثلاثة ترتب عليه خلل عقدي وعملي عظيم، ولك أن تنظر إلى واقع الأمة الإسلامية اليوم لترى شواهد هذا الخلل.
فمن شدد في الخوف تبنى مذهب الإسقاط والتخوين لمن خالفه، فظهرت مذاهب قامت على التكفير والتبديع لمن خالفها في أي جزئية من جزئيات تعمقوا فيها،
وآخرين غلوا في الرجاء فأهملوا أعمال الشريعة وواجباتها وسننها، وياليت الأمر وقف عند هذا التطرف، بل زادت على ذلك فأعلنت النكير على المتمسكين بسنن المرسلين والتبرؤ من السمت الصالح القويم بل ألبسوا المتدينين نحلة المتطرفين ورموهم بكل وصف يزعج المؤمنين
وهم مع ذلك يصاحبون الساقطين ويمازحون المجرمين ويثنون على الفاسقين، ومنهم من يصفهم بالأتقياء الصالحين وهؤلاء كثر لا كثر الله منهم في البلاد.
وثالثة الأثافي مع الغارقين في الوجد والتيه جعلوا العبادة دعاوى، يدعون المحبة وهم منها في منأى قد هجروا الإصلاح وابتعدوا عن الصلاح وما الدين عندهم إلا رقص وأفراح.
ولهذا فهم أسعد الناس بالعطايا قد رضي المجرمون منهم التعبد بالخطايا فعليهم من الله المنايا.
فأهل محبة الله لهم علامات يعرفون بها ومنها كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].
لله تعالى أولياء وناصرون مدخرون في علم الله إن ينصرف هؤلاء يجيء الله بهؤلاء يقومون بكل ما تركه أولئك
فيا معشر الدعاة إلى الله إن أوقفك الله لنصرة دينه والدعوة له إياك أن تتخلى عن هذا التشريف فإن توليت استبدلك الله بخير منك {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (محمد: 38)
فوصف الله تعالى أهل محبته في هذه الآية بأوصاف أربعة:
الأول: الذلة على المؤمنين، والمراد لين الجانب وخفض الجناح والرأفة والرحمة للمؤمنين، كما قال تعالى لرسوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فهم يتواضعون للمؤمنين ويرحمونهم كالوالد مع ولده
الثاني: العزة على الكافرين، والمراد الشدة والغلظة عليهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} فالعداوة نشأت من اختلاف العقائد وليس من علو الموائد فبغضنا لهم لله وحده
الثالث: الجهاد في سبيل الله وهو مجاهدة أعدائه باليد واللسان، وذلك أيضاً من تمام معاداة أعداء الله الَّذِي تستلزمه المحبة، ولما ترك المسلمون هذه الفريضة سلط الله عليهم ذلا نراه اليوم ماثلا أمامنا في كثير من بلاد المسلمين
الرابع: أنهم لا يخافون لومة لائم، والمراد أنهم يجتهدون فيما يرضى به من الأعمال ولا يبالون بلومة من لامهم في شيء منه إذا كان فيه رضا ربهم.
وهذا من علامات المحبة الصادقة، وإن المحب يشتغل بما يرضي به حبيبه ومولاه، ويستوي عنده من حمده في ذلك أو لامه، (1)
فاجعل غايتك رضاء ربك وإن سخطك الناس ولاموك فرضى الناس غاية لا تدرك فعليك بما فيه نجاتك وفلاحك في الآخرة، واعلم أنك إن امتثلت ذلك حول الله قلوب الناس إليك فانقلب الذَّامُّ لك بعدها حامدًا.
وصلى الله على النبي محمد وآله وأصحابه
والحمد لله أولا وآخرًا.
كتبه
أحمد بن سليمان
---
(1) وانظر في ذلك رسالة الحافظ ابن رجب استنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1438هـ
- الزيارات: 18191
محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

أكرم الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بفضائل جمّة، وصفات عدة، فأحسن خلْقَه وأتم خُلُقه، حتى وصفه تعالى بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4)، ومنحه -جل جلاله- فضائل عديدة، وخصائص كثيرة، تميز بها -صلى الله عليه وسلم- عن غيره، فضلًا عن مكانة النبوة التي هي أشرف المراتب.
ما أكرمه عبدًا وسيدًا، وأعظمه أصلا ومَحْتِدا، وأطهره مضجعًا ومولدًا، وأبهرَه صدرًا وموردًا. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه غيوث الندى، وليوث العدا، صلاة وسلاما دائمين إلى أن يبعث الناس غدَا.
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ ابْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ ابْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. (1)
إلى هنا معلوم الصحة ومتفق عليه بين النسَّابين، ولا خلاف أن عدنان من وَلَدِ إسماعيل بن إبراهيم -عليه السلام-.
فنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- خير أهل الأرض نسبًا على الإطلاق، فأشرف القوم قومه، وأشرف القبائل قبيلته.
عن وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: " إِنَّ الله اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ". (2)
ونتناول في الأسطر التالية شيئًا يسيرًا من فضائله -صلى الله عليه وسلم-.
أنه -صلى الله عليه وسلم- أولى بالمؤمنين من أنفسهم: قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (الأحزاب: 6).
قال الشوكاني: فإذا دعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره، وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه، ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم، ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم، وتطلبه خواطرهم. (3)
أنه -صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ". (4)
أنه -صلى الله عليه وسلم- أمان لأمته: وعن أبي موسى الأشعري-رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال " النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأصحابي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أصحابي مَا يُوعَدُونَ وأصحابي أَمَنَةٌ لأمتي فَإِذَا ذَهَبَ أصحابي أَتَى أمتي مَا يُوعَدُونَ". (5)
أنه -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء: قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (الأحزاب: 40)، وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " إِنَّ مَثَلِى وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قبلي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلاَّ وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ ". (6)
أن رسالته -صلى الله عليه وسلم- عامة للناس جميعًا: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قبلي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قبلي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النبي يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". (7)
أخذ الله له -صلى الله عليه وسلم- العهد على جميع الأنبياء: من الأمور التي تدل على عظيم قدره -صلى الله عليه وسلم- عند ربه ما أخذه الله من العهد له -صلى الله عليه وسلم- على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على أنهه لو بعث -صلى الله عليه وسلم- وهم أحياء أو أحد منهم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ۚ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي ۖ قَالُوا أَقْرَرْنَا ۚ قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ)
قرنه -صلى الله عليه وسلم- خير قرون بني آدم: عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بني آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الذي كُنْتُ فِيهِ ". (8)
وعَنْ عَبْدِ الله -رضي الله عنه-عَنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي". (9)
أنه -صلى الله عليه وسلم- خليل الرحمن: عَنْ عَبْدِ الله قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: " أَلاَ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خِلٍّ مِنْ خِلِّهِ وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا إِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الله ". (10)
وهذه الفضيلة لم تثبت لأحد غير نبينا وإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام.
أن الله رفع له ذكره -صلى الله عليه وسلم-: قال تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح: 4) فلا يذكر سبحانه إلا ذكر معه، ولا تصح للأمة خطبة ولا تشهد حتى يشهدوا أنه عبده ورسوله، وأوجب ذكره في كل خطبة، وفي الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام وفي الأذان الذي هو شعار الإسلام وفي الصلاة التي هي عماد الدين إلى غير ذلك من المواضع.
أن الله وقره في ندائه، فناداه بأحب أسمائه وأوصافه -صلى الله عليه وسلم-: فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ و﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾ وهذه الخصيصة لم تثبت لغيره، بل ثبت أن كلا منهم نودي باسمه فقال تعالى: ﴿ يَا آدَمُ اسْكُنْ ﴾ ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ ﴿ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ ﴾ (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ) (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ) (يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ) (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ) (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ) ولا يخفي على أحد أن السيد إذا دعي أحد عبيده بأفضل ما وجد فيه من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق، دل ذلك على أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه.
النهي عن مناداته باسمه -صلى الله عليه وسلم-: فقال الله تعالى: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(النور: 63)
لا يرفع صوت فوق صوته -صلى الله عليه وسلم-: إن الله نهي الأمة أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته -صلى الله عليه وسلم- ولا يجهروا له بالقول - كما هو الحال بين الناس- حتى لا تحبط أعمالهم فقال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: 2).
رسول الله رائد حياة الأخلاق:
فهذه إشارات سريعة إلى أخلاق سيد المتخلقين بمكارم الأخلاق صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإننا مهما تكلمنا ومهما كتبنا في هذا الموضوع لا نستطيع أن نوفي قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو رائد حياة الأخلاق الكريمة، وهو الذي عَلَّم الدنيا محاسن الأخلاق، فلولاه بعد الله تخبط الناس في الجهل والغفلة والعمى، وصدق الله إذ يقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107).
وقد زَكَّى الله تبارك وتعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- في كل شيء. ومن زكاه ربه فلا يجوز لأحد من أهل الأرض قاطبة أن يظن أنه يأتي في يوم من الأيام ليزكيه، بل إن أي أحد وقف ليزكي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليتكلم عن قدر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنما يرفع من قدر نفسه، ومن قدر السامعين بحديثه عن الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. ولنعلم أنه لا يعرف أحد قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا الرب العلي -سبحانه وتعالى- ولذا:
زَكَّاه ربه في عقله فقال: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ) (النجم: 2).
وزَكَّاه في بصره فقال: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ) (النجم: 17).
وزكاه في صدره فقال: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) (الشرح: 1).
وزكاه في ذكره فقال: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح: 4).
وزكاه في طُهره فقال: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَذ) (الشرح: 2).
وزكاه في صدقه فقال: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ) (النجم: 3).
وزكاه في علمه فقال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ) (النجم: 5).
وزكاه في حلمه فقال: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128).
وزكاه في خلقه كله فقال جل وعلا: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4) -صلى الله عليه وسلم-.
ومما زادني فخرًا وتيها وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي وأن سيرت أحمد لي نبيا.
قال القاضي عياض: اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجمال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا، ومكتسب ديني وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله تعالى زلفى.
فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب، مثل ما كان في جلبته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه، ويلحق به ما تدعوه ضرورة حياته إليه، من غذائه ونومه، وملبسه ومسكنه، ومنكحه، وماله وجاهه. وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة وقواعد الشريعة.
وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية: من الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، والرحمة، وحسن الأدب، والمعاشرة، وأخواتها، وهى التي جماعها: حسن الخلق. (11)
قال أنس -رضي الله عنه-: "كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا". (12)
وهذه باقة متوجة من أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم-.
حلمه وعفوه واحتماله وصبره -صلى الله عليه وسلم-.
حلمه وعفوه واحتماله وصبره -صلى الله عليه وسلم-، كلها معانٍ متقاربة، وهذا كله مما أدب الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199). وقال عبد الله بن الزبير: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) قال: "مَا أَنْزَلَ الله إِلَّا فِي أَخْلَاقِ النَّاسِ"(13). وقال أيضا: أَمَرَ الله نَبِيَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاس. (14)
وقال تعالى لنبيه: (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: 17).
ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عرفت منه زلة وحفظت عنه هفوة وهو -صلى الله عليه وسلم- لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا. (15)
وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا؛ فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ الله فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا". (16)
والحديث في بيان حلمه -صلى الله عليه وسلم- كثير. فَعَنْ جَابِرٍ أخبر أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قِبَلَ نَجْدٍ فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قَفَلَ مَعَهُ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: الله ثَلَاثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. (17)
وعَنْ أنس قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (18)
والحديث عن حلمه عليه الصلاة والسلام، وصبره، وعفوه عند القدرة؛ أكثر من أن تأتي عليه وحسبك ما ذكرناه مما في الصحيح وغيره إلى ما بلغ متواترا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش وأذى الجاهلية ومصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظهره الله عليهم وحكمه فيهم وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم فما زاد على أن عفا وصفح، صلوات ربي وسلامه عليه. (19)
جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته -صلى الله عليه وسلم-:
كان -صلى الله عليه وسلم- لا يوازَى في هذه الأخلاق الكريمة ولا يبارى بهذا وصفه كل من عرفه. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا. (20)
وعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ: لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ. (21)
قال النووي: في هذا كله بيان عظيم سخائه وغزارة جوده -صلى الله عليه وسلم-. (22)
حتى قبل أن يبعث -صلى الله عليه وسلم- فقد قال له ورقة بن نوفل: إِنَّكَ َتَحْمِلُ الْكَلَّ، تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ.(23)
حياؤه وعدم مواجهة الناس بالعتاب -صلى الله عليه وسلم-: وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أشد الناس حياءً وأكثرهم عن العورات إغضاء، قال الله تعالى: ( إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) (الأحزاب: 53). (24)
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي قال: كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. (25) ومحل وجود الحياء منه -صلى الله عليه وسلم- في غير حدود الله. (26)
وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا. (27)
وَعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: " كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا بَلَغَهُ عَنْ الرَّجُلِ الشَّيْءُ لَمْ يَقُلْ: مَا بَالُ فُلَانٍ يَقُولُ، وَلَكِنْ يَقُولُ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا". (28)
حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه مع أصناف الخلق -صلى الله عليه وسلم-: قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: 159). وقال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ) (المؤمنون: 96). وقَالَ أَنَسٌ -رضي الله عنه-: " خَدَمْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ؟ وَكَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا". (29)
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله -رضي الله عنه- قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي، وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: اللهمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا. (30)
وكان -صلى الله عليه وسلم- يمازح أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجرة، ويجيب دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر. (31)
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ. (32)
وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة لم ير قط مادًا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ويكنى أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام. (33)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. (34)
قال ابن حجر: والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد، وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت وبقوله: (حَيْثُ شَاءَتْ) أي من الأمكنة. (35)
شفقته ورأفته ورحمته -صلى الله عليه وسلم-: قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة: 128). وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ جَبْذَةً حَتَّى رَأَيْتُ صَفْحَ أَوْ صَفْحَةَ عُنُقِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَعْطِنِي مِنْ مَالِ الله الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. (36)
ولما حصل له ما حصل في الطائف وكذبه قومه وسال دمه الشريف جاءه جبريل فقال: إِنَّ الله قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا". (37)
تواضعه -صلى الله عليه وسلم-: وأما عن تواضعه -صلى الله عليه وسلم- فعلى علو منصبه ورفعة رتبته فكان أشد الناس تواضعا
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ -رضي الله عنه- يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ.(38)
والإطراء هو المدح بالباطل تقول: أطريت فلانا مدحته فأفرطت في مدحه. (39)
وكان -صلى الله عليه وسلم- يركب الحمار ويردف خلفه ويعود المساكين ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبد ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس. (40)
عَنْ أَنَسِ قال جاء رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ-عليه السلام-. (41)
قال النووي: قال العلماء: إنما قال -صلى الله عليه وسلم- هذا تواضعا واحتراما لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لخلته وأبوته وإلا فنبينا -صلى الله عليه وسلم- أفضل. (42)
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ -صلى الله عليه وسلم- يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. (43)
عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَا كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ، قَالَتْ: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، يَحْلِبُ شَاتَهُ، وَيَخْدِمُ نَفْسَهُ. (44) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. (45)
قال ابن حجر: وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل والأمة دون الحرة وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت وبقوله (حيث شاءت) أي: من الأمكنة. (46)
فهذه بعض شمائله وأخلاقه تعرفوا عليها واحفظوا قدره وتأسوا هديه واتبعوا سنته يكن لكم الخير بإذن الله.
---
(1) البخاري كتاب مناقب الأنصار باب 28.
(2) مسلم (2276).
(3) فتح القدير6/18.
(4) مسلم (2278)
(5) مسلم (2531).
(6) البخاري (3535)، مسلم (2286).
(7) البخاري (335)، مسلم (521).
(8) البخاري (3557).
(9) البخاري (2652)، مسلم (2533).
(10) مسلم (2383).
(11) الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1/76.
(12) البخاري (6203)، مسلم (2150).
(13) البخاري (4643).
(14) البخاري (2644).
(15) انظر الشفا 1/118 بتصرف.
(16) البخاري (3560)، مسلم (2327).
(17) البخاري (2910)، مسلم (843).
(18) البخاري (5809)، مسلم (1057).
(19) انظر الشفا 1/123 بتصرف.
(20) البخاري (6034).
(21) البخاري (6033)، مسلم (2307).
(22) شرح النووي على مسلم 8/81.
(23) البخاري (3)، مسلم (160).
(24) الشفا 1/129.
(25) البخاري (6102)، مسلم (2320) واللفظ له.
(26) فتح الباري 6/650.
(27) البخاري (3559)، مسلم (2321).
(28) صحيح. رواه أبو داود في سننه (4788)، وصححه الألباني في الصحيحة (2064).
(29) صحيح. رواه أبو داود في سننه (4774)، والترمذي في سننه (2015) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في المسند 3/197، واللفظ للترمذي، وصححه الألباني في مختصر الشمائل (296).
(30) البخاري (2878)، مسلم (2475).
(31) انظر الشفا 1/134.
(32) أبو داود (4794)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2485).
(33) انظر الشفا 135.
(34) البخاري (6072).
(35) فتح الباري لابن حجر 10/552.
(36) البخاري (5809)، مسلم (1057).
(37) البخاري (3231)، مسلم (1795).
(38) البخاري (3445).
(39) فتح الباري 6/551.
(40) انظر الشفا 1/144.
(41) مسلم (2369).
(42) شرح النووي 8/135.
(43) البخاري (676).
(44) صحيح. الشمائل للترمذي ص 283، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (671).
(45) البخاري (6072).
(46) فتح الباري 10/552.
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1438هـ
- الزيارات: 25342
حق النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته

أيها الأحبة هذا الحبيب يحلو لكل مسلم محب أن يتذكره، وأن يتصوره ويتخيله، وأن يعيش بقلبه مع هذا الحبيب ليعرف كيف كانت حياته؟ كيف كانت معاملاته؟ كيف كانت أخلاقه؟
وقد أمرنا الله -عز وجل-أن نقتفي أثره، وأن نسير على دربه، وأن نقلده في كل شيء، قال -عز وجل-: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (الأحزاب: 21). فنحن مأمورون أن نسير على دربه، وأن نقتفي أثره وأن نتبع سنته.
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشر (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) (الكهف: 110)، ولكنه لم يكن بشرًا عاديًا.
|
فمبلغ العلم فيه أنه بشر |
وأنه خير خلق الله كلهم |
(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ) (الكهف: 110). وهذه هي التي رفعت قدره وأعلت شأنه، ورفعت مكانته عند الله -عز وجل-وعند الخلق، ولن ننال رفقته في الجنة وشفاعته يوم القيامة إلا إن اتبعنا سنته، وسرنا على طريقته واقتفينا أثره (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران: 31) رسول الله لم يكن بشرًا عاديًا، لأنه مشرف بالوحي الذي أنزله الله عليه.
وهذه بعض حقوق النبي -صلى الله عليه وسلم-
1- الإيمان به -صلى الله عليه وسلم-: فالإيمان به من أركان الإيمان التي يجب على المسلم الإيمان بها، ومن هذه الأركان الإيمان بالرسل، وهو رسول من أولئك الرسل عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم، قال الله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا ۚ) (التغابن: 8)، وقد أخبر بوجوب الإيمان به فقال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله"(1).
ومن الإيمان به التصديق الجازم الذي لاشك فيه بأن رسالته ونبوته هي حق من عند الله تعالى، والعمل بمقتضى ذلك، والتصديق بأن كل ما جاء به من الدين وما أخبر به عن الله تعالى حق صحيح، ولابد من تصديق ذلك بالقلب واللسان، فلا يكفي الإيمان به باللسان، والقلب مُنْكِر لذلك، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (النساء: 136).
2- محبته -صلى الله عليه وسلم-: وهذا حق من حقوقه على أمته، وواجب عليهم أيضًا، فينتفي الإيمان بعدم محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد أوجب الله محبة نبيه في كتابه العزيز، فقال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: 24). وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ"(2). وقال -صلى الله عليه وسلم-: " ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ الله وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ"(3).
3- طاعته -صلى الله عليه وسلم- وامتثال أمره: طاعته -صلى الله عليه وسلم- واجبة بكتاب الله -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) (محمد: 33)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) (الأنفال: 20).
قال ابن كثير: يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به والمعاندين له، وأن لا يتركوا طاعته -صلى الله عليه وسلم-، بل امتثلوا أمره، واتركوا زواجره بعدما علمتم ما دعاكم إليه من الحق، قال -صلى الله عليه وسلم-: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل: يا رسول الله، ومن يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى"(4).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته ويقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه"(5).
ومما يدل على عظم شأن طاعته أن الله تعالى قرن طاعته سبحانه بطاعة نبيه فقال تعالى: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: 80). وقال -صلى الله عليه وسلم-: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله "(6).
ولابد من الحذر كل الحذر من مخالفة أمره وأن ذلك مما يحبط الأعمال ويوجب النيران، فقد قال تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) (الجن: 23)، فمن طاعته التمسك بسنته وما أمر به واجتناب ما نهى عنه والابتعاد عنه والاهتداء بهديه، والالتزام بنظافة الثوب والبدن، وتحري الصدق في الأقوال والأفعال، وطلب الحلال في المأكل، والمشرب، والملبس، والنكاح، واجتناب الحرام في ذلك.
4- اتباعه -صلى الله عليه وسلم-: ومما يجب على المؤمن اتباع نبيه، واتباعه -صلى الله عليه وسلم- يكون في الاعتقاد والقول، قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران: 31)، فلا بد للمسلم من اتباع هدي نبيه، واقتفاء آثره والعمل بما جاء به من قول وفعل.
وقال ابن رجب: وقوله: " فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ "(7)، هذا إخبار منه بما سيقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، ويجب على المسلم رد كل قول لقوله، وترك كل تشريع لشرعه والإعراض عن كل ما خالف هديه في القول والعمل والاعتقاد، والأخذ بكل ما صح عنه وثبت نسبته إليه فهو -صلى الله عليه وسلم- أعلم الناس بربه تعالى وأخشاهم وأتقاهم له فيجب التمسك بما جاء به واتباع ذلك بلا تردد ولا شك لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا ينطق عن الهوى وإنما يعلمه ربه-عز وجل-، فالواجب على المؤمن اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في العقيدة والعبادة والسلوك فهذا هو طريق النجاة يوم القيامة بإذن الله تبارك وتعالى ومن خالف ذلك فسيلقي به إلى النار والعياذ بالله(8).
5- الاقتداء به -صلى الله عليه وسلم-: قال تعالى: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90)، فلقد أمر الله جل وعلا نبيه بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء والرسل. وأمرنا نحن باتباع النبي والاقتداء به فقال تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب: 21)، أي أن لكم فيه قدوة صالحة في أفعاله وأقواله فاقتدوا به، فمن اقتدى به وتأس به سلك الطريق الموصل إلى كرامة الله وهو الصراط المستقيم، فهو -صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة التي يوفق للاقتداء بها من كان يرجو الله واليوم الآخر، لما معه من الإيجار والخوف من الجبار سبحانه، ولما يرجو من ثواب ربه، وما يخشاه من عقابه وعذابه، فكل ذلك حافز، ودافع للاقتداء به في أقواله وأفعاله وأحواله.
6- توقيره -صلى الله عليه وسلم- وتعظيم شأنه: توقيره من آكد حقوقه على أمته قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الفتح: 8 - 9) فيجب توقيره -صلى الله عليه وسلم- وإجلاله وتعظيمه، كما ينبغي له ذلك على ألا يُرفع إلى مقام العبودية فإن ذلك محرم لا يجوز ولا ينبغي إلا لله -عز وجل-. ومن توقيره -صلى الله عليه وسلم- تعظيم شأنه احترامًا، وإكبارًا لكل ما يتعلق به من اسمه وحديثه، وسنته وشريعته، وآل بيته، وصحابته - رضوان الله عليهم- وكل ما اتصل به -صلى الله عليه وسلم- من قريب أو بعيد. فيُرفع من قدره حتى لا يساويه ولا يدانيه أحد من الناس. فمن توقيره -صلى الله عليه وسلم- عدم التقدم بين يديه مصداقًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (الحجرات: 1) أي لا تقولوا قبل قوله وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا، فلا يحل لأحد أن يسبقه بالقول ولا برأي ولا بقضاء بل يتعين عليهم أن يكونوا تابعين له -صلى الله عليه وسلم-. وقال جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: 2)، فهذا نهي من الله -عز وجل-بعدم رفع الصوت عند مخاطبة النبي، ولا يجهر المخاطب له بالقول بل يخفض الصوت ويخاطبه بالأدب ولين الجانب ويخاطبه بالتعظيم والتكريم والإجلال والإعظام.
7- وجوب النصح له -صلى الله عليه وسلم-: قال ابن رجب(9): وأما النصيحة للرسول في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته ومعاونته وبذل المال إذا أراده والمسارعة إلى محبته، وأما بعد موته، فالعناية بطلب سنته والبحث عن أخلاقه وآدابه وتعظيم أمره ولزوم القيام به وشدة الغضب والإعراض عمن يدين بخلاف سنته والغضب على من صنعها لأثرة دنيا وإن كان متدينًا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة، أو صهر، أو هجرة، أو نصرة، أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام والتشبه به في زيه ولباسه، والإيمان به وبما جاء به، ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه. . . . . ونحو ذلك.
ومن النصيحة له -صلى الله عليه وسلم- الذب عن شريعته وحمايتها بألا يزيد فيها أحد ما ليس فيها، أو أن ينتقصها أحد، فيحارب أهل البدع القولية والفعلية والعقدية، كل حسب بدعته، وكذلك احترام أصحابه وتعظيمهم ومحبتهم، لأنهم خير القرون فلا يجتمع حب رسول الله والنصح له وبغض أصحابه أو أحد منهم، فمن سب الصحابة فقد قدح في الدين، لأنهم هم الذين بلغوا دين الله -عز وجل-بعد وفاة نبيه وفي ذلك قدح لله -عز وجل-وسب له، وتشكيك في حكمته تعالى، فالله جل وعلا قد اختار لنبيه ولحمل دينه من هم أهل لذلك لأن الله تعالى تكفل بحفظ دينه، وهيئ له من العلماء من يبلغوه إلى الناس، فالأمة لا تجتمع على ضلالة. فمن النصح له محبة أصحابه لأنهم هم الذين بلغوا عنه هذا الدين، فرضي الله عنهم أجمعين. فاللهم صلي وسلم وزد وبارك على نبينا محمد ما غرد طير وصاح، وصلي على محمد ما أظلم ليل وأشرق صباح.
8- محبة أهل بيته وصحابته -رضي الله عنهم-: إن محبة أهل بيت رسول الله، ومحبة أصحابه -رضي الله عنهم-، كل ذلك من محبته، وهي محبة واجبة فمن أبغض أحدًا من أهل بيت النبي أو أحدًا من صحابته الكرام -رضي الله عنهم-، فقد أبغض النبي -صلى الله عليه وسلم-، لأن محبته مقرونة بمحبتهم. قال -صلى الله عليه وسلم-: "أذكركم الله في أهل بيتي"(10). وقال -صلى الله عليه وسلم- لأم سلمة: " لا تؤذيني في عائشة "(11).
وقوله في صحابته: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ"(12).
وقوله: " لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ". وفي لفظ لمسلم: "لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي". (13)
9- الصلاة عليه -صلى الله عليه وسلم-: ومن حقه على أمته أن يصلوا عليه كلما ذكر -صلى الله عليه وسلم-، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب: 56)
قال ابن كثير: أي أن الله تعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه ثم أمر أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع عليه الثناء عليه من أهل العالَمْينِ: العلوي والسفلي جميعًا(14).
فالصلاة والسلام عليه واجبة على كل مؤمن ومؤمنة لما في ذلك من الأجر العظيم من الله -جل جلاله-ولما في ذلك أيضًا من طاعة لله تعالى عندما أمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه.
قال النووي: إذا صلي على النبي فليجمع بين الصلاة والتسليم - أي ليقل عليه الصلاة والسلام – مصداقًا لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
وعن ابن عمرو أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا "(15).
قال ابن القيم في نونيته:
هَذَا وللمتمسكين بِسنة الْمُخْتَار عِنْد فَسَاد ذِي الْأَزْمَان
أجر عَظِيم لَيْسَ يقدر قدره إلا الَّذِي أعطَاهُ للْإنْسَان
فروى أَبُو دَاوُد فِي سنَن لَهُ وَرَوَاهُ أَيْضًا أحْمَد الشَّيْبَانِيّ
أثرًا تضمن أجر خمسين امريء من صحب أحْمَد خيرة الرَّحْمَن
إِسْنَاده حسن ومصداق لَهُ فِي مُسلم فافهمه فهم بَيَان
إن العبادة وقت هرج هجرة حَقًّا إلي وَذَاكَ ذُو برهَان
هَذَا فكم من هِجْرَة لَك أَيهَا السّني بالتحقيق لَا بِأَمَان
---
(1) البخاري (25)، مسلم (20).
(2) البخاري (15).
(3) البخاري (16).
(4) البخاري (7280).
(5) أحمد 4/130، وأبو داود (4604) بسند صحيح، وصححه الألباني في الجامع الصغير (4408).
(6) البخاري (2957)، ومسلم (1835).
(7) أبو داود (4607)، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (937).
(8) جامع العلوم والحكم الحديث (28) ص459.
(9) جامع العلوم والحكم الحديث السابع.
(10) مسلم (2408).
(11) البخاري (2581).
(12) الترمذي 2676، أبو داود (4607)، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة (937).
(13) البخاري (3673)، ومسلم (2540).
(14) تفسير ابن كثير (3/668).
(15) مسلم (384).
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1438هـ
- الزيارات: 14150
قبسات من مشكاة النبوة
دعاءٌ جامعٌ لسعادة الدارين

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ (( اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ )). (1)
المعاني والفوائد الجامعة
- هذا دعاء عظيم من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم-، فجمع خير الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحقٌّ على كل سامع له أن يحفظه، ويدعو به آناء الليل وآناء النهار، لعل الإنسان يوافق ساعة إجابة، فيحصل على خيري الدنيا والآخرة.
- النظرة الشاملة الكاملة لدين الإسلام التي تجمع للعباد بين مصالح الدين والدنيا.
- التلازم والترابط الوثيق بين إصلاح الدين وإصلاح الدنيا وإصلاح الآخرة، فلا صلاح للدنيا بدون إصلاح الدين، ولا صلاح للدين بدون صلاح الدنيا، ولا صلاح للآخرة بدونهما.
- هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث - التي جمعت للعباد بين مصالح الدين والدنيا - تعتبر غضة في حلوق الذين يتهمون الإسلام ويرمونه بكل نقيصة بأنه دين تخلف ورجعية وأنه دين قاصرٌ عن أن يوفي العباد حاجاتهم ومصالحهم فليرجعوا إلى صوابهم ولينصفوا دين الله من أنفسهم.
قوله: (اللَّهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري):
لنا مع هذه الجملة من الحديث ثلاث وقفات:
- الوقفة الأولى مع المعنى
معنى العصمة: المنع والحفظ، والعاصم المانع، يعني: اللهم احفظْ ديني عن الخَطَأِ والزَّلَل والرِّياء، وعما لا يليقُ ولا تُحِبُّه، فإنه عِمادُ أمري، فإن فَسَدَ دينهُ فَسَدَ جميعُ أموره وخابَ وخَسِر في الدنيا والآخرة. (2)
- ويقتضي هذا الطلب والالتجاء إلى الله أن يَسعى العبدُ في إصلاح دينه بمعرفة الحقِّ واتِّباعه، ومعرفة الباطل واجتنابه، ودفع فتن الشبهات والشهوات. (3)
- الوقفة الثانية: ما يترتب على صلاح دين العبد وفساده
إصلاح الدين أعظم المقاصد، وأهم المطالب؛ لأن من صلح دينه سعد في الدنيا وفي الآخرة، ومن فسد دينه فقد خاب وخسر الدنيا والآخرة، قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ } [النحل: 30] فبيَّن سبحانه أنه يُسعدُ المحسنَ بإحسانه في الدنيا وفى الآخرة، كما أخبر أنه يُشقى المسيءَ بإساءته في الدنيا والآخرة. (4) قال تعالى: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] أَيْ: خَالَفَ أَمْرِي، وَمَا أَنْزَلْتُهُ عَلَى رَسُولِي، أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَنَاسَاهُ وَأَخَذَ مِنْ غَيْرِهِ هُدَاهُ {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} أَيْ: فِي الدُّنْيَا، فَلَا طُمَأْنِينَةَ لَهُ، وَلَا انْشِرَاحَ لِصَدْرِهِ، بَلْ صَدْرُهُ ضَيِّقٌ حَرَج لِضَلَالِهِ، وَإِنْ تَنَعَّم ظَاهِرُهُ، وَلَبِسَ مَا شَاءَ وَأَكَلَ مَا شَاءَ، وَسَكَنَ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنَّ قلبه فِي قَلَقٍ وَحَيْرَةٍ وَشَكٍّ، فَلَا يَزَالُ فِي رِيبَةٍ يَتَرَدَّدُ. فَهَذَا مِنْ ضَنْكِ الْمَعِيشَةِ. (5)
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعِزَّ قَرِينَ طَاعَتِهِ، وَالذُّلَّ قَرِينَ مَعْصِيَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ: 8].
وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تعمّد مخالفة أمره سبب في الذل والصغار، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( َجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي )). (6)
ويؤكد هذا المعنى ما جاء في تفسير قوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ}. [الأعراف: 152]
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ -رحمه الله-: مَا مِنْ مُبْتَدِعٍ إِلَّا وَتَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةٌ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ -رحمه الله-: كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ. (7)
قال ابن تيمية -رحمه الله-: فالعاصي يناله من الذلة والكبت بحسب معصيته. (8)
وَكَانَ مِنْ دُعَاءِ بَعْضِ السَّلَفِ: اللَّهُمَّ أَعِزَّنِي بِطَاعَتِكَ وَلَا تُذِلَّنِي بِمَعْصِيَتِكَ.
وقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّهُمْ - يعنى العصاة- وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ، إِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُ قُلُوبَهُمْ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُذِلَّ مَنْ عَصَاهُ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ:
رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ. . . وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدْمَانُهَا
وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ. . . وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا
وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ. . . وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا(9)
- الوقفة الثالثة: بمَ يكون إصلاح الدين؟
1- بإصلاح القلب
فإذا أصلح العبدُ قلبَه أَمِنَ مِن النفاق والرياء والعجب والكبر. . . . وكل هذه الأمراض وأمثالها من أمراض القلب تقدح في دين العبد وإيمانه إما بالسلب وإما بالنقص فلزم إصلاح القلب أولا ليسلم للعبد دينُه وإيمانه، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنهما- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ وفيه: ((. . . . أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )). (10)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( لاَ يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ )). (11)
2 – بالإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسوله -صلى الله عليه وسلم- في أي عمل يعمله العبد
فإن التمسك بهذين الأصلين عصمة للعبد من الشرور كلها، أسبابها، ونتائجها ونهاياتها، ومن مضلات الفتن، والمحن، والضلالات التي تضيّع الدين والدنيا. (12)
قال ابن القيم -رحمه الله- في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103]
وَهَذَا حَالُ أَرْبَابِ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-(13)
قال بعض السلف: ما مِن فعلةٍ وإن صغُرت إلا ينشر لها ديوانان: لمَ؟ وكيف؟ أي لمَ فعلتَ؟ وكيف فعلت؟. فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما، فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة. (14)
فالله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ )). (15)
وأن يكون مقتديا في عمله بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ )).(16) ولمسلم ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ )). (17)
قوله: (و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي)
أي أصلح لي عيشي في هذه الدار الفانية القصيرة، بأن أُعْطَى الكفاف والصلاح، فيما أحتاج إليه، وأن يكون حلالاً مُعيناً على طاعتك، وعبادتك على الوجه الذي ترضاه عني، وأسألك صلاح الأهل، من الزوجة الصالحة، والذرية والمسكن الهنيء، والحياة الآمنة الطيبة ومنشأ ذلك كله أن يصلح العبد ما بينه وبين ربه تبارك وتعالى باجتناب السيئات وعمل الصالحات. (18) قال جلّ شأنه: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]
قوله: { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً }: أي في الدنيا بالقناعة، وراحة البال، والرزق الحلال والتوفيق لصالح الأعمال. (19) وَالْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ تَشْمَلُ وُجُوهَ الرَّاحَةِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ. (20)
- أسس وقواعد إصلاح الدنيا
ذكر الماوردي عدة أَشْيَاءَ هِيَ قَوَاعِدُ وأسس إصلاح الدنيا من أهمها: دِينٌ مُتَّبَعٌ وَسُلْطَانٌ قَاهِرٌ وَعَدْلٌ شَامِلٌ وَأَمْنٌ عَامٌّ. (21)
- الدين هو الأساس الأول والأعظم في إصلاح الدنيا
قال الماوردي -رحمه الله-: الدِّينَ أَقْوَى قَاعِدَةٍ فِي صَلَاحِ الدُّنْيَا وَاسْتِقَامَتِهَا، وَأَجْدَى الْأُمُورَ نَفْعًا فِي انْتِظَامِهَا وَسَلَامَتِهَا. (22) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنهما-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ )). (23)
وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ((طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَعَ )). (24)
- الأساس الثاني السلطان
قال ابن جماعة -رحمه الله-: الْخلقُ لَا تصلح أَحْوَالهم إِلَّا بسُلْطَان يقوم بسياستهم، ويتجرد لحراستهم.(25)
وكَمَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عفان -رضي الله عنه-: إنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ. (26)
قال ابن تيمية -رحمه الله-: يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِنْ أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ؛ بَلْ لَا قِيَامَ لِلدِّينِ وَلَا لِلدُّنْيَا إلَّا بِهَا. فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُمْ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ وَلَا بُدَّ لَهُمْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِنْ رَأْسٍ. (27)
فالدين والسلطان متلازمان لا قيام لأحدهما بدون الآخر، فإِنْ انْفَرَدَ السُّلْطَانُ عَنْ الدِّينِ أَوْ الدِّينُ عَنْ السُّلْطَانِ فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ. (28)
- الأساس الثالث العدل
فالعَدْل الشَامِل يَدْعُو إلَى الْأُلْفَةِ، وَيَبْعَثُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَتَعَمَّرُ بِهِ الْبِلَادُ، وَتَنْمُو بِهِ الْأَمْوَالُ، وَيَكْثُرُ مَعَهُ النَّسْلُ، وَيَأْمَنُ بِهِ السُّلْطَانُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَسْرَعُ فِي خَرَابِ الْأَرْضِ وَلَا أَفْسَدُ لِضَمَائِرِ الْخَلْقِ مِنْ الْجَوْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ وَلَا يَنْتَهِي إلَى غَايَةٍ. (29)
- الأساس الرابع الأمن
فالأمن تَطْمَئِنَّ إلَيْهِ النُّفُوسُ وَتَنْتَشِرُ فِيهِ الْهِمَمُ، وَيَسْكُنُ إلَيْهِ الْبَرِيءُ، وَيَأْنِسُ بِهِ الضَّعِيفُ. فَلَيْسَ لِخَائِفٍ رَاحَةٌ، وَلَا لِحَاذِرٍ طُمَأْنِينَةٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْأَمْنُ أَهْنَأُ عَيْشٍ، وَالْعَدْلُ أَقْوَى جَيْشٍ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ يَقْبِضُ النَّاسَ عَنْ مَصَالِحِهِمْ، وَيَحْجِزُهُمْ عَنْ تَصَرُّفِهِمْ. (30)
- تعمير الأرض وبناء حضارة للأمة من مقاصد الشريعة الإسلامية
فدين الإسلام دين اعتقاد وعبادة وحضارة، وخير شاهد على ذلك تاريخ السلف وواقعهم، وأما التفريق بين شؤون الدّنيا وشؤون الآخِرة هو سببَ التّخلّف الذي أزرى بأمّتنا وأقعدها عن نشرِ رسالتِها، حين فهِم أقوامٌ مِن ذمّ الدّنيا إهمالَ الحياة الدّنيا وتركَ عمارتها والهروبَ عن إصلاحها وتنميتها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأوجدَ فيهم ذلك سلبيةً مقيتة وانهزاميّة وضعفًا وخوَرًا يأباه الدّين، قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [البقرة: 201]
الحسنة في الدّنيا تشمَل كلَّ مطلوبٍ دنيويّ من عافية ودارٍ رحبة ورزق واسع وعلمٍ نافع وعمل صالح ومركَب حسنٍ وثناءٍ جميل، والحسنة في الآخرة أعلاها دخولُ الجنّة وتوابعُه من الأمنِ من الفزع الأكبر وتيسير الحساب.
والصّحابة -رضي الله عنهم- هم القدوة والنموذجُ في فهم الإسلام، يأخذون بالأسبابِ في الكسب من تجارةٍ وزراعة، ويطلبون العلمَ ويبذلون في سبيل ذلك أوقاتهم ونفوسَهم وأموالهم، فيهم الأغنياءُ دون بطرٍ والفقراء مع التعفُّف، ومع هذا كانوا أبعدَ النّاس عن التهالك على الدنيا، فتَحوا البلدان، وأنشأوا المدُن، وأقاموا الدّولَ، ونشروا الإسلام. (31)
- هل الدنيا مذمومة لذاتها؟ وكيف نجمع بين عمارتها والزهد فيها؟
ليس ذم الدنيا راجعاً إلى مكان الدنيا وهو الأرض، وما أودع فيها من جبال وبحار وأنهار ومعادن، فإن ذلك كله من نعم الله على عباده، لما لهم فيها من المنافع، والاعتبار، الاستدلال على وحدانية الصانع سبحانه، وقدرته وعظمته، وإنما الذم راجع إلى أفعال بنى آدم الواقعة في الدنيا، لأن غالبها واقع على غير الوجه الذى تحمد عاقبته. (32)
يَعِيبُ النَّاسُ كُلُّهُمُ الزَّمَانَا. . . وَمَا لِزَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا
نَعِيبُ زَمَانَنَا وَالْعَيْبُ فِينَا. . . فَلَوْ نَطَقَ الزَّمَانُ بِهِ رَمَانَا (33)
سُئِلَ أَبُو صَفْوَانَ الرُّعَيْنِيُّ: مَا هِيَ الدُّنْيَا الَّتِي ذَمَّهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَجَنَّبَهَا؟ فَقَالَ: كُلُّ مَا أَصَبْتَ فِي الدُّنْيَا تُرِيدُ بِهِ الدُّنْيَا، فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَكُلُّ مَا أَصَبْتَ فِيهَا تُرِيدُ بِهِ الْآخِرَةَ، فَلَيْسَ مِنْهَا.
وَقَالَ الْحَسَنُ -رحمه الله-: نِعْمَتُ الدَّارُ كَانَتِ الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَمِلَ قَلِيلًا، وَأَخَذَ زَادَهُ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ كَانَتْ لِلْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ضَيَّعَ لَيَالِيَهُ، وَكَانَ زَادُهُ مِنْهَا إِلَى النَّارِ.(34)
الدّنيا في المفهوم الإسلاميّ وسيلة وذريعةٌ لتحصيل مقاصدِ الشريعة ومطيّة للآخرة، فإنّها إذا فسدت فربّما أدّى فسادُها إلى إيقاف الدّين، قال الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77]
والآثار الواردة في ذم الدنيا في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- إذا كانت تشغل العبد عن طاعة الله مما يكون قبل الموت، وعلى هذا فإن الأموال والأولاد والمناصب إذا استعان بها صاحبها على طاعة الله فليست مذمومة، وإذا شغلت عن طاعة الله أو أدت إلى معصيته فهي مذمومة.
قَالَ الْحَافِظ ابْنُ الْجَوْزِيِّ -رحمه الله-: وَاعْلَمْ أَنَّ خَلْقًا كَثِيرًا سَمِعُوا ذَمَّ الدُّنْيَا وَلَمْ يَفْهَمُوا الْمَذْمُومَ، وَظَنُّوا أَنَّ الْإِشَارَةَ إلَى هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي خُلِقَتْ لِلْمَنَافِعِ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ فَأَعْرَضُوا عَمَّا يُصْلِحهُمْ مِنْهَا فَتَجَفَّفُوا فَهَلَكُوا.
قال الماوردي -رحمه الله-: لابد للإنْسَان أَنْ يَصْرِفَ إلَى دُنْيَاهُ حَظًّا مِنْ عِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا غِنَى بِهِ عَنْ التَّزَوُّدِ مِنْهَا لِآخِرَتِهِ، وَلَا لَهُ بُدٌّ مِنْ سَدِّ الْخَلَّةِ فِيهَا عِنْدَ حَاجَتِهِ. (35)
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ -رحمه الله-: مَتَاعُ الْغُرُورِ مَا يُلْهِيكَ عَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ، وَمَا لَمْ يُلْهِكَ، فَلَيْسَ بِمَتَاعِ الْغُرُورِ وَلَكِنَّهُ مَتَاعُ بِلَاغٍ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ -رحمه الله-: كَيْفَ لَا أُحِبُّ دُنْيَا قُدِّرَ لِي فِيهَا قُوتٌ أَكْتَسِبُ بِهَا حَيَاةً أُدْرِكُ بِهَا طَاعَةً أَنَالُ بِهَا الْآخِرَةَ.
وقال سفيان بن عيينة: ليس من حب الدنيا طلبك ما لا بد منه. (36)
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَإِذْ قَدْ عَرَفْت الْمَذْمُومَ مِنْ الدُّنْيَا فَكُنْ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا تَأْخُذْ فَوْقَ مَا يُصْلِحُك، وَلَا تَمْنَعْ نَفْسَك حَظَّهَا الَّذِي يُقِيمُهَا. كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: إذَا وَجَدْنَا أَكَلْنَا أَكْلَ الرِّجَالِ، وَإِذَا فَقَدْنَا صَبْرَنَا صَبْرَ الرِّجَالِ. (37)
قوله: (وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي)
أي وفّقني للعمل الصالح الذي يرضيك عني، وملازمة طاعتك، والتوفيق إلى حسن الخاتمة حتى رجوعي إليك يوم القيامة، فأفوز بالجنان، قال اللَّه تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} [هود: 104] لم يقل تعالى ممدود، بل قال: ( مَعْدُودٍ ) أي يُعدّ عدّاً إلى هذا اليوم العظيم، فينبغي لنا أن نعدّ العُدّة لهذا اليوم. (38)
وسؤال العبد ربه صلاح آخرته يشتمل على ثلاثة أركان:
- التوفيق لفعل الطاعات والتسديد في فعلها
- والمداومة على ذلك حتى يلاقاه
- والتوفيق لحسن الخاتمة
قوله: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير):
أي اجعل يا اللَّه الحياة سبباً في زيادة كل خير يرضيك عني من العبادة والطاعة، ويُفهم من ذلك أن طول عمر المسلم زيادة في الأعمال الصالحة الرافعة للدرجات العالية في الدار الآخرة، كما سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: (( مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ )). (39)
قوله: (و اجعل الموت راحة لي من كل شر )
أي اجعل الموت راحة لي من كل هموم الدنيا وغمومها من الفتن والمحن، والابتلاءات بالمعصية والغفلة، ويُفهم من ذلك أن المؤمن يستريح غاية الراحة، ويسلم السلامة الكاملة عند خروجه من هذه الدار، كما في حديث أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: (( مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ )) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: (( العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ )). (40)
وقيل للإمام أحمد -رحمه الله-: متى يجد العبد طعم الراحة؟ فقال: عند أول قدم يضعها في الجنة. (41)
قال ابن القيم -رحمه الله-: ليس للعابدين مستراحٌ إلا تحتَ شجرة طوبى، ولا للمحبين قرارٌ إلا يوم المزيد، فمثلْ لقلبك الاستراحةَ تحت شجرة طوبى يَهنْ عليك النصب، واستحضر يوم المزيد يهن عليك ما تتحمل من أجله. (42)
وفيه دلالة على أنه يجوز الدعاء بالموت إذا خاف على نفسه الفتنة. (43)
---
(1) رواه مسلم (2720)
(2) المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري الحنفي (3/ 243) والتنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (3/ 152)
(3) فقه الأدعية والأذكار لعبد الرزاق البدر (2/ 153)
(4) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 23)
(5) تفسير ابن كثير (5/ 322)
(6) رواه أحمد (2/ 50) وحسنه الألباني بشواهده، ونقل تقوية العراقي وابن تيمية وابن حجر للحديث في: جلباب المرأة المسلمة (ص: 204)
(7) تفسير ابن كثير (3/ 478) تفسير القرطبي (7/ 292) مجموع الفتاوى (13/ 196)
(8) الصارم المسلول (ص: 30)
(9) الداء والدواء (ص: 59)
(10) رواه البخاري (52) ومسلم (1599)
(11) رواه أحمد (3/ 198) وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (6/ 822)
(12) شرح الدعاء من الكتاب والسنة (ص: 309)
(13) اجتماع الجيوش الإسلامية (2/ 89)
(14) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 8)
(15) رواه مسلم (2985)
(16) رواه البخاري (2697) ومسلم (1718)
(17) رواه مسلم (1718)
(18) شرح الدعاء من الكتاب والسنة لماهر بن مقدم (ص: 310)
(19) شرح الدعاء من الكتاب والسنة (ص: 310)
(20) تفسير ابن كثير (4/ 601)
(21) أدب الدنيا والدين (ص: 133)
(22) أدب الدنيا والدين (ص: 133)
(23) رواه مسلم (1054)
(24) رواه الترمذي (2349) وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (4/ 11)
(25) تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة(ص: 48)
(26) مجموع الفتاوى (11/ 416)
(27) مجموع الفتاوى (28/ 390)
(28) مجموع الفتاوى (28/ 394)
(29) أدب الدنيا والدين (ص: 139)
(30) أدب الدنيا والدين (ص: 142)
(31) فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب لمحمد عويضة (9/ 272)
(32) فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب (9/ 272)
(33) الزهد الكبير للبيهقي (ص: 124)
(34) جامع العلوم والحكم (2/ 193)
(35) أدب الدنيا والدين (ص: 131)
(36) صفة الصفوة (1/ 425) و تلبيس إبليس (ص: 163)
(37) غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (2/ 548)
(38) شرح الدعاء من الكتاب والسنة (ص: 310)
(39) رواه أحمد (4/ 188) والترمذي (2329) من حديث عبد الله بن بسر -رضي الله عنه- وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 624)
(40) رواه البخاري (6512) ومسلم (950)
(41) طبقات الحنابلة (1/ 293)
(42) بدائع الفوائد (3/ 218)
(43) البدر التمام شرح بلوغ المرام للمغربي (10/ 477)
- التفاصيل
- كتب بواسطة: اللجنة العلمية
- المجموعة: عدد ربيع الأول 1438هـ
- الزيارات: 13521
قل هو من عند أنفسكم

إن وصف الدواء لا يكون إلا بعد تشخيص الداء ومعرفة أسباب المرض، ولا يكون ذلك إلا بعد أن يعترف المريض بمرضه ثم يسعى في علاجه؛ وهذه قاعدة في أمراض الأجساد وأمراض القلوب بل وأمراض الأمم.
وإننا إذا نظرنا في واقع الناس فرأينا ضيقًا وضنكًا وفقرًا ومرضًا واختلافًا وتفرقًا فلنعلم أن كل ذلك عقوبات إلهية وآيات ربانية، وأن سر هذه الانتكاسات وسبب تلك العقوبات هو فعل المحرمات وترك المأمورات؛ قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]
وإذا كان من رحمة الله تعالى أنه يضاعف الحسنات فمن مقتضى عدله سبحانه أنه يجازى على السيئة بمثلها {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} [يونس: 27]
ومن هنا كان من شؤم المعاصي والمخالفات أنها تقلب العافية بلاًء والأمن خوفًا والنصر هزيمًة؛ ففي غزوة أحد كانت المعصية سببًا في تخلف النصر عن المسلمين، فبسبب معصية واحدة خولف فيها أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذهب النصر بعد أن لاح في الأفق{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152]، فإذا كان هذا بسبب معصية واحدة فكيف بحال الناس اليوم وقد صار الإسلام غريبا بين أهله وأضحت السنة محل هجر وترك بل محل سخرية واستهزاء من أناس قد تسموا بأسماء المسلمين وعاشوا بين ظهرانيهم.
عموم العقاب الرباني إذا كثر الخبث
إن الفساد إذا كثُر وإن العصيان إذا ظهر وإن الخبَث إذا انتشر وإن الناس إذا سكتوا عن المنكر إذا ظهر فعله وعن المعروف إذا ظهر تركه فيوشك أن يعمَّ العذابُ الجميع، ولا يخصُّ الظالمين فقط
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]
وعن زينب بنت جحش-رضي الله عنها-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: "لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ" وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ"(1)
وعن عَائِشَة -رضي الله عنها-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ" قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ"(2)
وإن عموم العقاب الرباني عند كثرة الفساد والإفساد إنما هو محض عدل من الله ومحض تقصير وتفريط من الناس. قَالَ سُبحَانَهُ: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]
وَقَالَ تَعَالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44]
ذلك أن المنهج الإسلامي قائم على التنويع بين المسئولية الفردية والجماعية فلا يلتزم المسلم بقيامه على حدود الله في نفسه فقط بل له دور في تقويم غيره.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا(3)
أسباب العقوبات:
إننا إذا كان مستقرًا لدينا نحن المسلمين اعتقادُ عدل الله وحكمته فيما قضى وقدَّر فلنعلم أن الثواب والعقاب لا يكون بغير أسباب مؤدية إما إلى سعة وخير وبركة أو إلى ضيق وشر وشدة؛ وإننا إذا رأينا الواقع يشير إلى الأصناف الأخيرة فلنعلم أن لذلك أسبابًا منها:
1- التفسير المادي للآيات الكونية والعقوبات الربانية:
إن مما يؤسف له ألا يدرك الناس حكمة الآيات وعلة العقوبات، فتراهم يخضعونها للغة الأرقام الحسابية والقوانين الطبيعية؛ فلا تتحقق لديهم ثمرة إيمانية ولا يتأتى منهم رجوع إلى رب البرية، والله تعالى ما يرسل بالآيات إلا تخويفا لعباده وتذكيرا لهم بالرجوع والإنابة إليه.
قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]
وقال: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]
وقال: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة: 21]
من أجل ذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد حرص على أن يربي أصحابه والأمة من بعدهم على إدراك مُراد الرب سبحانه وحكمته من آياته الكونية التي يسميها البعض ظواهر طبيعية خروجًا بها عما أراده الله لها من معانٍ إيمانية وآثار اعتقادية.
عن زيد بن خالد الجهني، قال: صَلَّى بِنَا -صلى الله عليه وسلم- وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ "(4)
وعن عائشة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا. (5)
وإن من أعظم الخسران أن يزين الشيطان لهؤلاء الذين يفسرون الأشياء تفسير ماديًا مجردًا عن أي معنى إيماني فيستمرون على غيِّهم وضلالهم حتى آخر لحظات حياتهم؛ فهذه عاد { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر: 8] كفروا ربهم وكذبوا نبيهم، فأذن الله بهلاكهم فظنوا أنه خيرٌ قد سيق إليهم وكأن العافية حالًا لا تَحـُول {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأحقاف: 24، 25]
2- تبرير الأخطاء
إن تبرير الأخطاء بالحجج الواهية والتقيد الأعمى والعادات المتبَّعة من أعظم أسباب الهلاك والإهلاك، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الزخرف: 23 - 25]
وإن الاعتراف بالخطأ أول طريق التوبة، قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- في قصة الإفك التي ساقها البخاري في صحيحه: وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. (6)
وإن المرء مهما أوتي من قدرة على الجدَل وذكر المبررات والأعذار فينبغي له أن يعلم أنه يعامل رب العزة الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
روى الشيخان عن كعب بن مالك يحكي خبر تخلُّفه عن غزوة العسرة وفيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ". فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ، تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لاَ وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى، وَلاَ أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ". (7)
فهذا كعب -رضي الله عنه- رجل شاعر فصيح اللسان قوي البيان قد أوتي جدلًا وقدرًة على الحوار وذكر الأعذار ولكنه يعلم أن ذلك لا يغني عنه من الله شيئا فقد قال رب العزة عن نفسه: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 18، 19]
3- الاغترار بحلم الله وإلف المعصية
إن إمهال الله للظلمة والفجرة والعصاة ليس نسيانًا ولا إهمالًا ولكنه ربما كان إمهالًا واستدراجًا، {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183]، {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق: 17]
وعن أبي موسى -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ" قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].
قال ابن القيم: وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين، ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند. (8)
وإن من أسباب عدم الشعور بالذنب وخطره إلفَ المعصية والتعودَ عليها حتى تصير أمرًا واقعًا في حياة الناس فتتعودها الجوارح ويألفها القلب ويفقد العبد الشعور بخطرها؛ فعند مسلم من حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ. (9)
4-كفران النعم وعدم شكر المنعم
إن شكر النعم سبب في حفظها بل في مزيدها {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، كما أن كفران النعم سبب للعذاب والعقاب؛ {وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]
وقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]
وإن الناس يتقلبون في نعم الله ليل نهار ولكن عندما تعمى البصائر عن رؤية النعم وتنصرف القلوب والجوارح عن شكر المنعم فإن الكفران سبب في زوالها.
قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ: 15 - 17]
وهذا صاحب الجنتين الذي قصَّ علينا رب العزة من خبر جرأته على ربه في سورة الكهف {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 35، 36]
فعاقبه الله على هذه الجرأة {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} [الكهف: 42، 43]
5- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لقد مضت سنة الله في كونه بأنه يسلط عقوبته على من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمم {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78]
فلا تكون النجاة من العقوبة لمن لم يشارك في المنكر فقط بل لا تكون النجاة إلا لمن نهى عن المنكر على قدر ما يستطيع {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 164، 165]
المخرج من العقوبات الربانية
1- تحقيق حقيقة الإيمان والعمل الصالح
إن تحقيق حقيقة الإيمان سبب في الأمن والرزق والحياة الطيبة والنجاة من العقاب؛ قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]
وقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]
1- الدعاء والتضرع لا سيما عند حلول المصائب:
قال تعالى: {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43].
{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]
2- الاستغفار والعمل الصالح
إذا كان من مقتضى ضعف الإنسان ونقصه أنه يقع في المعاصي والمخالفات كما في حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ. (10)
فإن الله قد فتح له باب التوبة والمغفرة وجعل سبحانه الاستغفار جالبا للثواب ومانعا من العقاب فقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]، وقال: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].
3- الأمر بالمعروف والرشاد والنهي عن المنكر والفساد
{فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ} [هود: 116]
فإن العبد إذا نهى عن المنكر والفساد وأمر بالمعروف والرشاد فهو بين حالين: إما أن يستجاب له فيكون سبب في هداية المفسدين، وإما أن يعذر إلى الله فلا يناله العذاب مع المعذبين؛ فقد قص ربنا علينا من نبأ طوائف بني إسرائيل الثلاثة، الذين وقعوا في الفساد، والذين نهوا عن الفساد، والذين اعتزلوا فلم يفعلوا ولم ينهوا، ثم بين رب العزة أن النجاة كانت لطائفة واحدة فقال عز من قائل: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 164، 165]
4- أن نعلم أن تغيير الواقع سبب في تغيير الحال
إن المرء إذا نظر في حاله وحال من حوله فرأى تحولا من منحة إلى محنة أو من رخاء إلى شدة أو عكس ذلك فليعلم أن ذلك إنما هو نتيجة لأن الناس قد غيروا ما بأنفسهم فغير الله حالهم.
قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: من الآية 11].
وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الأنفال: من الآية 53].
خاتمة
إن الله تعالى لم يقنط عباده من رحمته حتى من أسرف على نفسه قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]
بل إنه سبحانه يفرح بتوبة عبده ورجوعه إليه؛ فعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ، سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلاَةٍ. (11)
ومع ذلك فإن الله قد أعلم عباده بفقرهم إليه وغناه عنهم وقدرته عليهم فقال: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [فاطر: 15 - 17]
وقال رب العالمين مهددا أهل الضلالة ومثبتا أهل الهداية: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا} [مريم: 75، 76]
---
(1) أخرجه البخاري (3346) واللفظ له، ومسلم (2880)
(2) أخرجه البخاري (2118)، ومسلم (2884)
(3) أخرجه البخاري (2493)
(4) أخرجه مسلم (71)
(5) جزء من حديث عائشة، أخرجه البخاري (1044)، ومسلم (901)
(6) أخرجه البخاري (2661)
(7) أخرجه البخاري (4418)، ومسلم (2769)
(8) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم (ص: 28)
(9) أخرجه مسلم (144)
(10) أخرجه مسلم (2749)
(11) أخرجه البخاري: (6309) واللفظ له، ومسلم: (2747)

