زاد الواعظين

القائمة الرئيسية

  • الرئيسية
  • السنة الأولى 1437هـ
    • عدد المحرم 1437هـ
    • عدد صفر 1437هـ
    • عدد ربيع الأول 1437هـ
    • عدد ربيع الآخر 1437هـ
    • عدد جمادى الأولى 1437هـ
    • عدد جمادى الآخرة 1437هـ
    • عدد رجب 1437هـ
    • عدد شعبان 1437هـ
    • عدد رمضان 1437هـ
    • عدد شوال 1437هـ
    • عدد ذو القعدة 1437هـ
    • عدد ذو الحجة 1437هـ
  • السنة الثانية 1438هـ
  • السنة الثالثة 1439هـ
  • زاد الواعظين

 كتاب الواعظ فيس بوك  كتاب الواعظ تويتر

  1. الرئيسية
  2. السنة الأولى 1437هـ
  3. عدد رجب 1437هـ

عدد رجب 1437هـ

رسالة من العز بن عبد السلام رحمه الله - افتتاحية العدد

التفاصيل
كتب بواسطة: فضيلة الشيخ صبري عبد المجيد
المجموعة: عدد رجب 1437هـ
الزيارات: 10224

رسالة من العز بن عبد السلام رحمه الله

رسالة من العز بن عبد السلام رحمه الله

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على النبي المصطفى الخاتم، وبعد:

فهذه رسالة مرضية من الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله (ت 660 هـ) إلى الدعاة و طلبة العلم، والشباب المتطلع إلى التدين و الاستقامة، والشيوخ المقلدين.

من كتابه الحافل (القواعد الكبرى) ـ قواعد الأحكام:

وهو من جملة الكتب التي تمت قراءتها مع بعض طلبة العلم النشطاء و الحمد لله على إحسانه و توفيقه.

قال رحمه الله:

فما أحسن أحكام الشرع إذا أجريت على قواعدها (1) و ما أخرج عن قواعده بغير مقتض لإخراج(2) كان مخرجه حائدًا عن تصرف الإله و مقاصده.

والسعيد من نظر بنور بصيرته إلى المصالح التي وضعها الله في أرضه لعباده قبل ورود شرعه، فإذا عرف تلك المصالح و ميّز بين متساوياتها و راجحها و مرجوحها، ثم عرضها على الشرع بعد وروده، فإن كان الشرع موافقًا لها كان معقول المعنى، و ما ورد على خلافها كان تعبدًا (3) (4)

فما أفسد أحوال طلاب العلم إلا اعتقادهم في مقلديهم أن ما يقولونه بمثابة ما قاله الشرع، حتى يتعجبوا من المذهب الذي يخالف مذهبهم، مع كون مذهبهم بعيدًا عن الحق والصواب، ومن هداه الله علم أنهم بشر يصيبون و يخطئون(5) (6)

* وقال رحمه الله:

وَمِنْ الْعَجَبِ الْعَجِيبِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمُقَلِّدِينَ(7) يَقِفُ أَحَدُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَأْخَذِ إمَامِهِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ لِضَعْفِهِ مَدْفَعًا وَمَعَ هَذَا يُقَلِّدُهُ فِيهِ، وَيَتْرُكُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الصَّحِيحَةِ لِمَذْهَبِهِ جُمُودًا عَلَى تَقْلِيدِ إمَامِهِ، بَلْ يَتَحَلَّلُ لِدَفْعِ ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَأَوَّلُهُمَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ الْبَاطِلَةِ نِضَالًا عَنْ مُقَلِّدِهِ، وَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَجَالِسِ فَإِذَا ذُكِرَ لِأَحَدِهِمْ فِي خِلَافٍ مَا وَظَنَّ نَفْسَهُ عَلَيْهِ تَعَجَّبَ غَايَةَ التَّعَجُّبِ مِنْ اسْتِرْوَاحٍ إلَى دَلِيلٍ(8)، بَلْ لِمَا أَلِفَه مِنْ تَقْلِيدِ إمَامِهِ حَتَّى ظَنَّ أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْلَى مِنْ تَعَجُّبِهِ مِنْ مَذْهَبِ غَيْرِهِ، فَالْبَحْثُ مَعَ هَؤُلَاءِ ضَائِعٌ مُفْضٍ إلَى التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ يُجْدِيهَا(9)، وَمَا رَأَيْت أَحَدًا رَجَعَ عَنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ إذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فِي غَيْرِهِ بَلْ يَصِيرُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَبُعْدِهِ، فَالْأَوْلَى تَرْكُ الْبَحْثِ مَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إذَا عَجَزَ أَحَدُهُمْ عَنْ تَمْشِيَةِ مَذْهَبِ إمَامِهِ قَالَ لَعَلَّ إمَامِي وَقَفَ عَلَى دَلِيلٍ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَلَمْ أَهْتَدِ إلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ وَيَفْضُلُ لِخَصْمِهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ وَالْبُرْهَانِ اللَّائِحِ(10)، فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ مَنْ أَعْمَى التَّقْلِيدُ بَصَرَهُ حَتَّى حَمَلَهُ عَلَى مِثْلِ مَا ذُكِرَ(11)، وَفَّقَنَا اللَّهُ لِاتِّبَاعِ الْحَقِّ أَيْنَ مَا كَانَ وَعَلَى لِسَانِ مَنْ ظَهَرَ(12)، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ مُنَاظَرَةِ السَّلَفِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ وَمُسَارَعَتِهِمْ إلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ(13) إذَا ظَهَرَ عَلَى لِسَانِ الْخَصْمِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ قَالَ: مَا نَاظَرْت أَحَدًا إلَّا قُلْت اللَّهُمَّ أَجْرِ الْحَقَّ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعِي اتَّبَعَنِي وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ اتَّبَعْته(14).

أسأل الله عز و جل التوفيق والسداد في القول و العمل، والحمد لله رب العالمين.

 

كتبه

صبري محمد عبد المجيد

---

(1) أحكام الشرع ترتكز على القرآن و صحيح السنة و الإجماع و الصحابة خلف رسول الله، والقياس بأصوله و ضوابطه هذا ما عليه أئمة الهدى سلفًا و خلفًا

(2) النص الصحيح ملزمًا، و الظاهر على ظاهره ما لم يأت صارف مثله أو أقوى منه، و ما أمر الشارع الحكيم بشيء إلا لمصلحة خالصة فيه أو راجحة، وما نهى عن شيء إلا لمفسدة خالصة فيه أو راجحة

(3) خلاصة: التفريق بين إعمال العقل و تحكيم العقل: فالأول مشروع إذا جرى على قواعد الشرع التي أشار إليها العز رحمه الله في مطلع كلامه، و الثاني: محظور و هو أصل عند المعتزلة و غيرهم فاحذره.

(4) القواعد الكبرى(1/276)ط دار القلم

(5) لا يجوز لطالب العلم أن يكون مقلدًا، و على ذلك السالفون الأخيار، والأربعة الكرام، و المحررون في مذاهبهم من الأصفياء الكبار

(6) المصدر نفسه (1/277)

(7) و هذا لا يجوز، و قد رأينا الأئمة المحررين المنصفين في ذلك، كابن عبد البر في المالكية، و ابن قدامة في الحنابلة، و النووي في الشافعية، ومن المتأخرين المنصفين في ذلك في كل المذاهب ابن تيمية و تلميذه ابن القيم، وابن حجر العسقلاني رحم الله الجميع بل رأينا كثيرًا من الأئمة المتخصصين في مذاهبهم كمن سبق ذكرهم يردون قول إمام المذهب المخالف للنص، وغالب مورد هذا في السنة، بل يردون قول الصحابي و من دونه المخالف لسنة رسول الله، و يعتذرون للمخالف الذي على طريق الهدى، بعدم بلوغه النص، أو بلغه من طريق لم يثبت، أو قال بخلافه ثم رجع عنه، و بهذا يُرفع الملام عنهم.

وأما عن التأويل بصرف النصوص عن منطوقها الصريح، و الظاهر بأدنى شبهة، أو برؤية نظرية، أو باللغة فقط، فهذا منبوذ غير مقبول، عند أهل التحقيق من السالفين الأخيار، فلا سبيل إلى الفهم السليم، و المطلب الشرعي الأصيل.

(8) إذا كان هذا في عصر العز بن عبد السلام، فكيف بعصرنا الذي كثر فيه الرويبضة؟

(9) فليحفظ هذا طالب العلم الراغب في القوة العلمية و فقه ما يطلبه، ولا يُشغل نفسه، ولا يُضيع وقته مع مثل هؤلاء.

(10) رحم الله العز بن عبد السلام، ماذا لو جالس و رأى و سمع دكاترة و مشائخ عصرنا؟

(11) هذا ذم صريح للتقليد

(12) هذا مدح لاتباع الدليل، والتحرر من التقليد

(13) الحق: قال الله تعالى و قال رسول الله، لا يُقدم على قول الله و رسوله قول أحد كائنًا ما كان

(14) رحم الله الشافعي و الثلاثة و غيرهم، فهم على طريق مستقيم واحد سواء

قاعدته: إذا صح الحديث فهو مذهبي.

لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه

حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي

إذا قلت قولًا يخالف كتاب الله، وخبر رسول الله فاتركوا قولي (فاضربوا بقولي عرض الحائط)

فهل يعقل هذا العصريون المغرضون المضيعون لهذا النقاء و الصفاء؟

فليعدوا الجواب عند الوقوف بين يدي الله العزيز الجبار

الإسلام دين الوسطية

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد رجب 1437هـ
الزيارات: 20400

الإسلام دين الوسطية

الإسلام دين الوسطية

عناصر الخطبة:

1- مقدمة. 2- حقيقة الوسطية. 3- مظاهر الوسطية في الإسلام. 4- كيف نحقق الوسطية.

مقدمة: تعدُّ الوسطية من أعظم الخصائص التي تميزت بها الأمة الإسلامية، الوسطية بمفهومها الشامل المرتكز على معنى الخيرية والعدالة والبيِّنية، واستمدتها من منهج الإسلام ونظامه، وهو منهج الوسط والاعتدال والتوازن، الذي اختاره الله شعارا مميزا لهذه الأمة التي هي آخر الأمم، وللرسالة التي ختمت بها الرسالات { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]

قال الأستاذ إيرفنج، الأستاذ بجامعة (تنسي) الأمريكية، حينما وقف مخاطباً تجمعاً للمسلمين في مدينة (جلاسجو) ببريطانيا منذ سنوات، قال: إنكم لن تستطيعوا أن تنافسوا الدول الكبرى علمياً، أو تقنياً، أو اقتصادياً، أو سياسياً، أو عسكرياً، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا تلك الدول تجثو على ركبها أمامكم بالإسلام.

 أفيقوا من غفلتكم لقيمة هذا النور الذي تحملون، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض! تعلموا الإسلام وطبّقوه، واحملوه لغيركم من البشر تنفتح أمامكم الدنيا، ويَدِنْ لكم كل ذي سلطان. أعطوني أربعين شاباً ممن يفهمون هذا الدين فهماً عميقاً، ويطبقونه على حياتهم تطبيقاً دقيقاً، ويحسنون عرضه على الناس بلُغةِ العصر وأسلوبه وأنا أفتح بهم الأمريكتين. (1)

إنها الأمة الوسط بكل ما تحويه الكلمة من معانٍ

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُحَمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- بِخَصَائِصَ مَيَّزَهُ بِهَا عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَجَعَلَ لَهُ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، أَفْضَلَ شِرْعَةٍ وَأَكْمَلَ مِنْهَاجٍ.

كَمَا جَعَلَ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، فَهُمْ يُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً هُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ، هَدَاهُمُ اللَّهُ بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ قَبْلَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ وَسَطًا عَدْلًا خِيَارًا. (2)

ما هي حقيقة الوسطية؟

الوسطية هي المنهج الرباني  الذي ينسجم مع الفطرة الإنسانية.

الوسطية هي: تحقيق لمبدأ التوازن الذي تقوم عليه سنة اللَّه في خلقه. (3)

الوسطية هي: اتباع النصوص، لا اتباع الأهواء ولا الآراء.

الوسطية هي: كون الإنسان في دائرة المشروع لا إفراط ولا تفريط.

قال الأوزاعي -رحمه الله-: ما من أَمْرٍ أَمَرَ اللهُ به، إلا عارض الشيطانُ فيه بخصلتين، ولا يبالى أيهما أصاب: الغلو، أو التقصير. (4)

الوسطية هي: حق بين باطلين، وصواب بين خطأين، وخير بين شرين، واعتدالٌ بين طرفين؛ ذلك أن صراط الله مستقيم، وسبل الضلالة تتشعب عن يمينه وشماله؛ فمن كان على ذلك الصراط المستقيم فهو على الوسطية الربانية.

الوسطية: ليست مصطلحاً مطّاطاً يُطوِّعُهُ كلُّ أحدٍ لتبرير ما يراه، ويفعله.

الوسطية: هي الرّاجح دليلاً من الكتاب والسنة، والضعيفُ والشاذّ ليس من الوسطية في شيء.

الوسطية: ليست اتهام المخالف بالتطرُّف والتشدُّد؛ لمجرّد أنه يخالفُ ما أراه.

الوسطية: هي يُسر الإسلام، وليس اليُسرُ معناه: أسهل الأقوال وأخفّها، بل أرجحها وأقواها وأتقاها.

الوسطية: لا تعني تلميعَ ديننا في عيون غير المسلمين، بل الاعتزازَ به، والافتخارَ بأحكامه، رضيَ من رضيَ وسخِط من سخِط.

الوسطية: هي تحرّي مرضاة الله، وموافقة مقاصد شريعته، والتمسُّك بما هو الأرجح دليلاً مرادُهُ في نصوص الوحيَين.

الوسطية: هي نشوءُ أجيالٍ من رجالٍ يسيرون على درب الرجال الأوائل، يُتمّون ما بدأوا، ويكملون ما به شرعوا، دون غلو فيهم أو جفاء لهم.

 - بعض مظاهر الوسطية في الإسلام

- ففي باب الاعتقاد

 نجد الإسلام وسطا بين الملل، فلا إلحاد ولا وثنية، لا عبادة الأصنام، ولا عبادة الأحجار التي استهوت اليوم أزيد من ثلث سكان العالم، بل عبادة خالصة لله تعالى، على الوجه المشروع، الذي دل عليه الدليل الصحيح، في ألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل. { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162، 163]

- وسطية الإسلام في الأنبياء

المسلمون وسَط في اعتقادهم بأنبياء الله، يؤمنون بهم جميعا، لا يفرقون بين أحد منهم، ولكنهم يجزمون بأن نبينا محمدا -صلى الله عليه وسلم- خاتمتُهم، والمأمورُ باتباعه بعد بعثته دون سواه.

قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي )). (5)

والمسلمون لا يغلون في نبيهم غلو النصارى في عيسى عليه السلام، ولا يجفون عنه جفاء اليهود لأنبيائهم، انطلاقا من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ». (6)

فالإسلام وسط بين الذين عظَّموا الأنبياء وقدَّسوهم ورفعوهم فوق منزلتهم حتى جعلوهم آلهة، أو أبناء لله، وبين الجفاة الذين كذبوهم وأهانوهم، بل عذبوهم وقتلوهم، بل في الوقت الحاضر بعضهم يقولون: إنهم مجرد مصلحين اجتماعيين، أو هم مصلحون في أوقاتهم فحسب، أما الآن فما أتوا به غير مناسب لهذا الوقت!.

- وفي باب القضاء والقدر

 فإن الإسلام وسط بين المغالين الذين يجعلون العبد مجبورا على فعله، والمفرطين الذين يجعلونه خالق أفعاله، لينطلقوا بعد ذلك إلى الحكم على الناس بالتكفير والإخراج من الملة، بمجرد أفعال صدرت من هذا أو ذاك، وإن لم يستحلوها.

فعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». قَالَهَا ثَلَاثًا. (7)

لاَ تَذْهَبَنَّ فِي الأُمُورِ فَرَطَا                       لاَ تَسْأَلَنَّ إِنْ سَأَلْتَ شَطَطَا

                                  وَكُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيعًا وَسَطَا

- وسطية الإسلام في العبادة:

الإسلام وسط في عباداته وشعائره بين الأديان والنحل التي ألغت الجانب " الرباني " ــ جانب العبادة والتنسك والتأله ــ من فلسفتها وواجباتها، كالبوذية التي اقتصرت فروضها على الجانب الأخلاقي الإنساني وحده. .

وبين الأديان والنحل التي طلبت من أتباعها التفرغ للعبادة والانقطاع عن الحياة والانتاج، كالرهبانية المسيحية.

فالإسلام يكلف المسلم أداء شعائر محدودة في اليوم كالصلاة، أو في السنة كالصوم، أو في العُمُر مرة كالحج، ليظل دائما موصولا بالله، غير مقطوع عن رضاه، ثم يطلقه بعد ذلك ساعيا منتجا، يمشي في مناكب الأرض، ويأكل من رزق الله.

إن تشريع الله في العبادة، تشريع متوسط معتدل، بين الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110]

وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- الصَّلَوَاتِ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. (8)  أي: كانت معتدلة، وسطًا بين الطول والقصر.

ولعل أوضح دليل يذكر هنا: الآيات الآمرة بصلاة الجمعة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 9، 10]

فهذا شأن المسلم مع الدين والحياة حتى في يوم الجمعة: بيع وعمل للدنيا قبل الصلاة، ثم سعي إلى ذكر الله وإلى الصلاة وترك للبيع والشراء وما أشبهه من مشاغل الحياة، ثم انتشار في الأرض وابتغاء الرزق من جديد بعد انقضاء الصلاة، مع عدم الغفلة عن ذكر الله كثيرا في كل حال، فهو أساس الفلاح والنجاح.

- وسطية الإسلام في التشريع:

لا شك أن التشريع الإسلامي، هو التشريع الوسط والأكمل بين الشرائع. . . . ففي التشريع الإسلامي، موازنة دقيقة بين التكليف وبين الاستطاعة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات. (9)

تشريعٌ وسط في التحليل والتحريم بين اليهودية التي أسرفت في التحريم، وكثرت فيها المحرمات، مما حرمه إسرائيل على نفسه، ومما حرمه الله على اليهود، جزاء بغيهم وظلمهم كما قال الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 160، 161]

وبين المسيحية التي أسرفت في الإباحة، حتى أحلت الأشياء المنصوص على تحريمها في التوراة، مع أن الإنجيل يعلن أن المسيح لم يجيء لينقض ناموس التوراة، بل ليكمله.

فالإسلام قد أحل وحرَّم، ولكنه لم يجعل التحليل ولا التحريم من حق بشر، بل من حق الله وحده، ولم يحرم إلا الخبيث الضار، كما لم يحل إلا الطيب النافع. ولهذا كان من أوصاف الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند أهل الكتاب أنه: { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } [الأعراف: 157]

تشريعٌ وسط بين طرفين: 1- طرف كلَّف النفوس ما لا تطيق، حتى جعلوا تعمد إضناء الجسد بالجوع والعطش عبادة، والمشي بدون نعل قربى، والمكوث تحت حرارة الشمس مجاهدة، والاستنكافَ عن الطيبات تربية، والله تعالى يقول: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 32].

وقال إمام المرَبِّين -صلى الله عليه وسلم-: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ)). (10)

قال ابن حجر-رحمه الله-: لَا يَتَعَمَّقُ أَحَدٌ فِي الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ وَيَتْرُكُ الرِّفْقَ إِلَّا عَجَزَ وَانْقَطَعَ فَيُغْلَبُ. (11)

 2- وطرف أحلَّ ما حرَّم الله، وحكَّم العقل القاصر في أحكام الشريعة الربانية، وحكم على بعضها بالتخلف عن معطيات العصر، وعجزها عن مسايرة الركب.

وَلاَ تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ                  كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمورِ ذَمِيمُ

- والتشريع الإسلامي وسط في شؤون الأسرة

فلن تجد أعظم من الإسلام وسطية واعتدالا، فللرجل حقوقه، وللمرأة حقوقها، وللزوج حقوقه، وللزوجة حقوقها، وللآباء حقوقهم، وللأبناء حقوقهم، وللإخوة حقوقهم، وللأقارب حقوقهم، وللجيران حقوقهم، كل ذلك في إطار من التوازن، يضمن تماسك المجتمع، ويحقق التكامل بين أفراده. قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190].

وأقرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قول سلمان لأبي الدرداء -رضي الله عنها-: (( إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)). (12)

تشريع وسط بين الذين شرعوا تعدد الزوجات بغير عدد ولا قيد، وبين الذين رفضوه وأنكروه ولو اقتضته المصلحة وفرضته الضرورة والحاجة.

فقد شرع الإسلام هذا الزواج بشرط القدرة على الإحصان والإنفاق، والثقة بالعدل بين الزوجتين، فإن خاف ألا يعدل، لزمه الاقتصار على واحدة. كما قال الله تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3]

- تشريع وسط في الطلاق

 بين الذين حرموا الطلاق، لأي سبب كان، ولو استحالت الحياة الزوجية إلى الجحيم لا يطاق، كالكاثوليك، وقريب منهم الذين حرموه إلا لعلة الزنا والخيانة  الزوجية كالأرثوذوكس. . وبين الذين أرخوا العنان في أمر الطلاق، فلم يقيدوه بقيد، أو شرط، فمن طلب الطلاق من امرأة أو رجل كان أمره بيده، وبذلك سهل هدم الحياة الزوجية بأوهى سبب، وأصبح هذا الميثاق الغليظ أوهى من بيت العنكبوت.

إنما شرع الإسلام الطلاق، عندما تفشل كل وسائل العلاج الأخرى، ولا يُجدي تحكيم ولا اصلاح، ثم إذا وقع الطلاق يستطيع المطلق مرة ومرة أن يراجع مطلقته ويعيدها إلى حظيرة الزوجية من جديد. كما قال تعالى: { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229]

- وسطية الإسلام في منهج الدعوة

وهو منهج قائم على الاعتدال أساسه الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، عماده اللين والرفق في غير ضعف، وفي الوقت ذاته الجدال بالتي هي أحسن للإقناع وإقامة الحجة، ثم الجلاد لمن كابر وعاند. ولكن دون إكراه ولا قهر، فمن آمن فله ما لنا وعليه ما علينا، ومن اختار دينه فلا حرج على أن يكف عن المسلمين يده ولسانه قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]. (13)

- وسطية الإسلام في جانب الأخلاق:

جاء الإسلام وسطا في أخلاقياته، فلم ينظر إلى الإنسان باعتباره خيرا محضا أو شرا محضا، أي لم يكن تعامله مع الإنسان على أنه ملك أو شيطان. . . وإنما تعامل معه بما يتوافق مع أصل فطرته وطبيعة تكوينه، فهو مخلوق مكلف مختار، صالح للطاعة أو المعصية، فيه الجانب المادي والجانب الروحي، وسأضرب مثالا واحدا على ذلك:

إذا وقع اعتداء على إنسان ما، فإن النصرانية مثلا تدعوه إلى الإفراط في التسامح والعفو، وفي هذا يقول إنجيلهم: (من ضربك على خدك الأيمن فأدِرْ له الخد الأيسر ) ويقول: ( أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم ) ولا شك أنها نظرة مثالية محمودة، ولكنها ليست متوازنة لأن الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الدفاع عن نفسه وردِّ الاعتداء الواقع عليه، والانتقام ممن أهانه أو غضَّ من كرامته، فإذا وقع الاعتداء، وطلب منه إلزاما أن يعفو ويصفح، فلا شك أنه سيكبت غضبه وغيظه على كُرهٍ ومضض، وسيحاول التنفيس عن غضبه وغيظه حينما تسنح الفرصة المناسبة.

أما الإسلام، فلأنه دين متوازن وواقعي، فإنه سيأتي وسطا في هذه القضية، بأن يراعي في النفس البشرية نوازع الرغبة في الانتقام والثأر، فأباح للمعتدى عليه أن يرد الاعتداء بمثله فقط، بحيث لا تنتقل المسألة من خانة رد الاعتداء إلى خانة التشفي والظلم، يقول تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]  ويقول سبحانه: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]

ولكن الإسلام وهو يبيح ردّ الاعتداء، فإنه يرغِّب في العفو والتسامح، أي أنه يطلب من المعتدى عليه أن يتسامى بغريزة رد الاعتداء إلى مستوى أعلى وأفق أرحب. .

 كما بيَّن الإسلام أن العفو والتسامح هو المسلك الأولى والأجدر بالقبول، وذلك في ختام الآية الثانية {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [الشورى: 40]

- ثم يحثُّ الإسلام على السمو إلى منزلة أعلى ومكانة أسمى، وذلك حينما لا يكتفي بالترغيب في العفو، وإنما يرغب في الإحسان إلى المسيء، ومواجهة السيئة لا بسيئة مثلها وإنما بحسنة تزيل أسباب العداوة وتمحو دوافع البغضاء. . (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) ويقول سبحانه: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 34 - 36]، ويقول جل شأنه: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، ويقول { وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43]  وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: « وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا ». (14)

وبهذا أقام الإسلام التوازن في خلق المسلم، فلا إفراط ولا تفريط، ولا وكس ولا شطط.

- الوسطية والاعتدال  والتوازن بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة

ووسطية أهل الإسلام المستقيمين على هديه، تبدو في الاعتدال والتوازن بين مطالب الدنيا والنظرة إليها، ومطالب الآخرة والعمل لها، والأخذ بالأسباب المؤدية إلى ذلك، دون إفراط أو تفريط، ودون إسراف أو تقتير، قال الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77]

يقول ابن كثير -رحمه الله-: أَيِ: اسْتَعْمِلْ مَا وَهَبَكَ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ الْجَزِيلِ وَالنِّعْمَةِ الطَّائِلَةِ، فِي طَاعَةِ رَبِّكَ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، الَّتِي يَحْصُلُ لَكَ بِهَا الثَّوَابُ فِي الدار الآخرة. {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} أَيْ: مِمَّا أَبَاحَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَنَاكَحِ، فَإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حَقًّا، وَلِزَوْرِكِ عَلَيْكَ حَقًّا، فَآتِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ. (15)

فالإسلام وسط بين من غلا في أمر الدنيا، ولم يهتم بالآخرة، وبين من غلا في أمر الآخرة، ونظر إلى الدنيا نظرة ازدراء وابتعاد. وهكذا التوازن بين مطالب البدن ومطالب القلب.

فقد بلغ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن ثلاثة رهط، أراد أحدهم أن يصلي الليل أبدًا، وأراد ثانيهم أن يصوم الدهر ولا يفطر، وعزم الثالث على أن يعتزل النساء. . ولكن الرسول -صلى الله عليه وسلم-  لم يقر هذا الاتجاه فبادر بعلاجه، وصحح نظرتهم لتحصيل خشية الله وتقواه؛ فبين أنها ليست بالتضلع من أعمال والتفريط في أخرى، ولكنها تحصل بالموازنة بين جميع مطالب الله، وهذا هو عين الوسطية والحكمة والاستقامة والاعتدال والعدل. (16)

وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها بالقسطاس المستقيم، وكان من دعائه: (( اللهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ)). (17)

فهذا الدعاء النبوي المأثور، يبين موقف المسلم من الدين والدنيا والآخرة، أنه يطلبها جميعا، ويسأل الله أن يصلحها له جميعا، الدين والدنيا والآخرة، إذ لا غنى له عن واحد منها، فالدين عصمة أمره، وملاك حياته، والدنيا فيها معاشه، ومتاعه إلى حين، والآخرة إليها معاده ومصيره.

وهو مثل الدعاء القرآني الموجز الذي كان -صلى الله عليه وسلم- كثيرا ما يدعو به: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201]

ومن ذلك الاعتدال في تناول الطيبات:

قال تعالى{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]

وكذلك الاعتدال والتوازن في الإنفاق:

قال تعالى{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29]

وقال تعالى{وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]

- كيف نحقق الوسطية:

إن ما يحقق الوسطية في المجتمع أمور من تمسك بها فقد حقق الوسطية على الوجه المطلوب، أهمها وأعظمها هو:

- التمسك بكتاب الله - عز وجل - وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

فهما الواقيان من الوقوع في الخطأ، والخروج عن الصراط الذي ارتضاه الله لعباده، وارتضاه رسوله -صلى الله عليه وسلم- لأمته، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]

-   تأصيل مفهوم الوسطية في النفوس

 من خلال المناهج الدراسية، ومنابر المساجد، والبرامج الإعلامية عبر وسائل الإعلام، والندوات. . . الخ.

- الممارسة العلمية الواقعية لمنهج الوسطية من قبل العلماء وطلاب العلم والدعاة، مما يتيح للناس أن يروا القدوة الصالحة التي هم في أمسِّ الحاجة إليها.

- تربية الأمة على هذا المنهج تربية عملية شاملة، مما يقضي على الخلل الموجود في محيط المجتمع المسلم سواء أكان إفراطًا أو تفريطًا. (18)

---

(1) مجلة البيان (167/ 8)

(2) الجواب الصحيح (1/ 69)

(3) وسطية الإسلام - عبد العزيز التويجري (ص: 11)

(4) المقاصد الحسنة للسخاوي(ص: 332)

(5) رواه أحمد (3/ 338) وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (1/ 63) من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنها-.

(6) رواه البخاري (3445) من حديث عُمَرَ بن الخطاب -رضي الله عنه-.

(7) رواه مسلم (2670)

(8) رواه مسلم (866).

(9) الأمة الوسط والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله (1/ 72)

(10) رواه البخاري (5861) ومسلم (782) من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

(11) فتح الباري لابن حجر (1/ 94)

(12) رواه البخاري (1968)

(13) وسطية الإسلام ودعوته إلى الحوار (ص: 17)

(14) رواه مسلم (2588)

(15) تفسير ابن كثير (6/ 254)

(16)  الأمة الوسط (1/ 47)

(17) رواه مسلم (2720) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-

(18) الوسطية في ضوء القرآن الكريم لناصر العمر (ص: 362)

الأيمان آداب وأحكام

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد رجب 1437هـ
الزيارات: 12853

الأيمان آداب وأحكام

الأيمان آداب وأحكام

عناصر الخطبة:

1- مقدمة. 2- معنى اليمين. 3- مظاهر حفظ الأيمان. 4- أحكام متعلقة بالأيمان.

مقدمة: الأيمان أمرُها عظيم، والتهاونُ بها خطرُه جسيم، فليست الأيمان مجرّدَ كلام يقال، ولكنها عهدٌ وميثاق، عهدٌ يجب أن تقفَ عنده، وميثاق يجب أن توفيَ به، أيها الجريء: عندما تريد الحلِف فقِف مع نفسك قليلاً وتدبر قول الله تعالى: { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 224] وتأمل في قوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة: 89]

معنى اليمين أو الحلف:

الحلف: هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكرِ مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم، وهي الباء، والواو، والتاء. (1)

- حكمة مشروعية اليمين:

شرع الله عز وجل اليمين لتأكيد الأمر المحلوف عليه، وذلك لحمل المخاطب على الثقة بكلام الحالف، أو لتقوية الطلب من المخاطب، وحثه على فعل شيء أو تركه، أو لتقوية عزم الحالف نفسه على فعل شيء يخشى إحجامها عنه، أو ترك شيء يخشى إقدامها عليه.

 ويجب على من حُلِف له بالله أن يرضى ويسلم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: (( رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي )). (2) وذلك احتراماً لليمين؛ لأنه حلف بالله.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنها-، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلًا يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَقَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللَّهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللَّهِ فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللَّهِ، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ». (3)

فالذي لا يستكفي بالله عز وجل فلا كفاه الله، والذي لا تشفيه اليمين به تبارك وتعالى، بأسمائه وصفاته فلا شفاه الله؛ لأنه قد عظَّم غيرَ الله أكثر منه.

مظاهر حفظ الأيمان:

يجب حفظ الأيمان وعدم الاستهانة بها، وعدم الاحتيال للتخلص من حكمها.

وحفظ اليمين يكون بأمور منها:

1- الإقلال من اليمين قدرَ  الاستطاعة

- فإنّ المكثرَ من الأيمان يوشك أن يقعَ في الكذب من حيث لا يشعر، فمن خَفَّت اليمين على لسانِه لا يبالي على أيّ شيء أطلق اليمين.

قال ابن عثيمين -رحمه الله-: كثرة الحلف بالله يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف بالله، وتعظيم الله تعالى من تمام التوحيد. (4)

قال الشافعي -رحمه الله-: ما حلفتُ بالله صادقا ولا كاذبا. (5)

- وكثرة الحلف كذبًا من أخلاق الكافرين والمنافقين:

قال تعالى في صفة الكفار: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [القلم: 10 - 12]

وقال تعالى في صفة المنافقين: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [المنافقون: 1، 2]

التحذير من التساهل في الأيمان

من التساهل بالأيمان الإكثارُ منها لأجل الرّبح في المكاسب، فيحلف بالله كاذبًا لأجل أن يروّجَ بضاعته وينفِّق سلعتَه، ولا يدري المسكين أنه قد تحمَّل إثمًا عظيمًا، فعن أَبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». (6)

وعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((  ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وذكر منهم: وَرَجُلٌ جَعَلَ اللَّهَ لَهُ بِضَاعَةً فَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ )). (7)

ويتساهل البعضُ في الأيمان في الخصومة

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». (8)

2- ومن مظاهر حفظ الأيمان عدم الحنث  فيها لكن بضوابط هي:

1- يسن الحنث في اليمين إذا كان خيراً، فمن حلف على فعل مكروه، أو ترك مندوب، فيفعل الذي هو خير، ويكفِّر عن يمينه.

2- يجب نقض اليمين إذا حلف على ترك واجب، كمن حلف لا يصل رحمه، أو حلف على فعل محرم، كمن حلف ليشربن الخمر، فهذا الحالف يجب عليه نقض اليمين، ويكفِّر عنها.

3- يباح نقض اليمين إذا حلف على فعل مباح، أو حلف على تركه، ويكفِّر عن يمينه.

1- قال الله تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [224]} [البقرة: 224].

2- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النّبِيّ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ، فَحَلَفَ لاَ يَأْكُلُ، مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ، ثُمّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ، فَأَتَى رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ عَلَىَ يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَليَأَتِهَا، وَليُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ». (9)

3- ومن مظاهر حفظ الأيمان: إخراج الكفارة بعد الحنث

والدليل قول الله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } [المائدة: 89].

قال القرطبي -رحمه الله-: أَيْ بِالْبِدَارِ إِلَى مَا لَزِمَكُمْ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا حَنِثْتُمْ. (10)

- ومن مظاهر حفظ الأيمان: أن لا يحلف بغير الله

لأن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به والعظمة إنما هي لله وحده فلا يحلف إلا بالله وأسمائه وصفاته.

- عَنْ عَبْدِالله بن عمر -رضي الله عنها-، أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَليَحْلِفْ بِالله أوْ لِيَصْمُتْ». (11)

- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ  -رضي الله عنها-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: «أَلاَ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلاَ يَحْلِفْ إِلَّا بِاللَّهِ»، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: «لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ». (12)

وقَالَ عَبْدُ اللهِ بن مسعود -رضي الله عنه-،: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ وَأَنَا صَادِقٌ. (13)

قال ابن تيمية -رحمه الله-: وَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ وَالشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنْ الْكَذِبِ. (14)

فالحلف بغير الله من الشرك الأصغر و الدليل على ذلك:

- حديث عبد الله بْن عُمَرَ -رضي الله عنها-، قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ». (15)

وصورة الحلف بغير الله كأن يقول مثلاً: والنبي. . وحياتك. . والكعبة. . والأمانة. . والنعمة.

وقد يكون الحلف بغير الله شركاً أكبر، وذلك بحسب ما يقوم بقلب الحالف من تعظيم المحلوف به.

عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ ». (16)

قال ابن حجر -رحمه الله-: إِنِ اعْتَقَدَ تَعْظِيمَ مَا ذَكَرَ كَفَرَ وَإِنْ قَصَدَ حَقِيقَةَ التَّعْلِيقِ فَيُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ كَفَرَ لِأَنَّ إِرَادَةَ الْكُفْرِ كُفْرٌ وَإِنْ أَرَادَ الْبُعْدَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ. (17)

وعَنِ بُرَيْدَةَ بنِ الحَصيب -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا». (18)

وعن أَبي هريرة -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ )). (19)

- بعض الأحكام المتعلقة بالأيمان

- أقسام اليمين:

تنقسم اليمين إلى ثلاثة أقسام:

اليمين اللغو. . اليمين الغموس. . اليمين المنعقدة.

1- اليمين اللغو:

وهي الحلف من غير قصد اليمين. (20)، ولغو اليمين يشمل ما يلي:

1- ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد كقول الرجل في معرض كلامه، لا والله لن أذهب، بلى والله سأذهب، وهو قول الشافعية الحنابلة.

2- اليمين التي عقدها يظن صدق نفسه فتبين خلافه، كما ذهب إلى ذلك الحنابلة.

3- وألحق شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، بلغو اليمين ما إذا كان الحالف يعتقد أن المحلوف عليه لا يخالفه فخالفه، وكذلك لا يحنث إذا حلف على غيره ليفعلنه بقصد الإكرام لا بقصد الإلزام. (21)

فهذه اليمين لا تنعقد، ولا كفارة لها، ولا يؤاخذ بها الحالف.

1- قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225].

2- وقال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].

 2- اليمين الغموس:

قال ابن الأثير -رحمه الله-: هِيَ اليَمين الكاذِبة الْفَاجِرَةُ كَالَّتِي يَقْتَطِع بِهَا الحالفُ مالَ غَيْرِهِ. سُمِّيت غَمُوساً، لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صاحِبَها فِي الإثْمِ، ثُمَّ فِي النَّارِ. (22)

وصورتها: أن يحلف على أمر ماض كاذباً عالماً، وهي من الكبائر؛ لأن بها تُهضم الحقوق، وتؤكل الأموال بغير حق، ويُقصد بها الفسق والخيانة، ولا تجدي فيها الكفارة لعظيم إثمها، فلا تجب فيها الكفارة على الصحيح من قولي العلماء، وإنما تجب فيها التوبة والاستغفار. (23)

ومما يؤسف له أن كثيراً من الناس يتساهلون في أمر الأيمان فيقدمون على الحلف متعمدين للكذب وهم لا يعرفون عواقب تلك الأيمان الكاذبة أو يعرفونها ومع ذلك يتلاعبون في الأيمان ويظنون الأمر هيناً وهو عند الله عظيم.

وإليك بعض ما ورد في التحذير من اليمين الغموس

1- قال الله تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [94]} [النحل: 94].

2- وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: 77].

3- وَعَنْ عَبْدِالله بْنِ عَمْرو -رضي الله عنها- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِالله، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ». (24)

- وكم من يمين فاجرةٍ عُجِّل لأهلها العقوبة في الدنيا؛ لأن أيمانهم ظلمٌ وكذِب، تمحَق بركاتِ أموالهم، وتمحَق أعمارَهم، فيعيشون في شقاءٍ وعناء.

4 - وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عمر -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا}. (25)

وفي رواية: ((  مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، يَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ - أَوْ قَالَ: أَخِيهِ - لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ}. )). (26)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-  قَالَ: (( ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا  مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ )). (27)

3-  اليمين المنعقدة:

وهي أن يحلف بالله أو باسم من أسمائه أو صفة من صفاته على أمر مستقبل قاصداً اليمين، توكيداً لفعل شيء أو تركه، كأن يقول: والله، وبالله، وتالله، والرحمن، وعظمة الله، ورحمة الله ونحو ذلك، وهذه اليمين تنعقد، فإن برَّ بيمينه فلا شيء عليه، وإن حنث فعليه الكفارة.

قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: 89].

- شروط اليمين المنعقدة:

يشترط لصحة اليمين التي تجب بها الكفارة ما يلي:

1- أن يكون الحالف بالغاً، عاقلاً، متعمداً، مختاراً، ذاكراً.

2- أن يكون قاصداً اليمين. 3- أن يكون الحلف على أمر مستقبل ممكن.

4- تجب الكفارة إذا حنث في يمينه بفعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله، فإن لم يحنث فلا شيء عليه.

- حكم تكرار اليمين:

1- إذا كرر اليمين على جنس واحد كأن يقول: والله لا آكل هذا التمر، والله لا آكل هذا التمر، فهذه يمين واحدة، ولا تجب بها إلا كفارة واحدة إذا حنث. (28)

2- إذا كرر اليمين على أشياء مختلفة كأن يقول: والله لا آكل هذا اليوم، والله لا أسافر هذا اليوم، فهذا عليه بكل يمين كفارة إن حنث بها.

3- إذا عقد يميناً واحدة على أشياء مختلفة كأن يقول: والله لا أكلت ولا شربت ولا لبست، فهذا عليه كفارة واحدة إذا حنث، فإنه بفعل واحد منها يحنث، وتنحلّ اليمين. (29)

- حكم كفارة اليمين:

الكفارة: سميت بذلك لأنها تغطي الإثم وتستره.

وهي ما يخرجه الحانث في يمينه من إطعام، أو كسوة، أو عتق رقبة، أو صيام، تكفيراً لحنثه في يمينه.

وهي واجبة فيمن حنث في يمينه، وتسقط عنه إذا عجز عنها؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه.

- كفارة اليمين:

يخير من لزمته كفارة يمين بين ما يلي:

1- إطعام عشرة مساكين، لكل واحد نصف صاع من قوت البلد، وهو يساوي كيلو وربع من بر أو أرز أو تمر ونحوها، وإن غدى العشرة مساكين أو عشاهم جاز.

2- كسوة عشرة مساكين مما يُلبس عادة. 3- عتق رقبة مؤمنة.

وهو مخير في هذه الثلاثة، فإن لم يجد أحدها صام ثلاثة أيام، ولا يجوز الصيام مع القدرة على أحد الثلاثة السابقة.

قال الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [المائدة: 89].

- حكم تقديم كفارة اليمين:

يجوز تقديم كفارة اليمين على الحنث، ويجوز تأخيرها عنه.

فإن قدَّم الكفارة كانت محلِّلة لليمين، وإن أخَّرها كانت مكفرة له. (30)

1-  عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ لي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «. . وإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». (31)

2- وَعَنْهُ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «. . . وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ». (32)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ». (33)

- حكم من حَرَّم على نفسه الحلال:

لا يجوز للإنسان أن يُحرِّم على نفسه ما أحلَّه الله له.

1- من حرم على نفسه حلالاً مما أباح الله من طعام، أو شراب، أو لباس، أو فعل، لم يَحْرم عليه، ويجب عليه إن فعله كفارة يمين.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [1] قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } [التحريم: 1- 2].

2- من حرَّم على نفسه زوجته فقال: أنت عليَّ حرام، فإن نواه ظهاراً أو طلاقاً أو يميناً فهو بحسب نيته، وإن لم ينوِ شيئاً فهو يمين. (34)

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [3] فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ [4]} [المجادلة: 3- 4].

وَعَنْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ -رضي الله عنه- قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى». (35)

- حكم مَنْ فَعَل ما حلف عليه ناسياً أو مخطئاً:

إذا حلف الإنسان لا يفعل هذا الشيء، ففعله ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، لم يحنث، ولا كفارة عليه، ويمينه باقية.

وإذا حلف على إنسان قاصداً إكرامه، لا يحنث مطلقاً، فإن كان قاصداً إلزامه ولم يفعل فإنه يحنث، وتلزمه الكفارة، ومن حق المسلم على المسلم إبرار قسمه إذا أقسم عليه إذا لم يكن فيه معصية، أو ضرر عليه.

- حكم الاستثناء في اليمين:

من حلف واستثنى في يمينه لم يحنث، فإذا قال: والله لأفعلنَّ كذا إن شاء الله، أو لأتركنَّ كذا إن شاء الله، فهذا لا يحنث في يمينه إن فعل المحلوف عليه أو تركه.

ويصح الاستثناء في اليمين بثلاثة شروط:

1- أن يقصد تعليق المحلوف عليه بمشيئة الله لا مجرد التبرك.

2- أن يتصل الاستثناء باليمين معاً.

3- أن يكون الاستثناء لفظاً ونطقاً، فلا ينفعه الاستثناء بقلبه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (( قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ نَبِيُّ اللهِ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِغُلَامٍ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ - أَوِ الْمَلَكُ -: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَلَمْ تَأْتِ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقِّ غُلَامٍ )). فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِي حَاجَتِهِ)). (36)

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فَإِنْ شَاءَ رَجَعَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ غَيْرَ حِنْثٍ». (37)

وقوله: (وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ) أي ترك فعل المحلوف عليه (غَيْرَ حَنِثٍ) -بفتح، فكسر-: أي حال كونه غير حانث في الترك. (38)

- المعتبر في اليمين:

2- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ». (39)

3- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «اليَمِينُ عَلَى نِيّةِ المُسْتَحْلِفِ». (40)

قال النووي -رحمه الله-: اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون على نية المستحلِف وهو مراد الحديث أما إذا حلف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في دعوى فالاعتبار بنية الحالف. (41)

فلَا يجوز للمسلم أن يوري فِيمَا إِذا اقتطع مَال أمرىء مُسلم بِيَمِينِهِ، إلا إذا كان مظلوما

قال ابن رجب -رحمه الله-: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الظَّالِمِ، فَأَمَّا الْمَظْلُومُ، فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ ( أي التورية في اليمين )، لحديث سُوَيْدِ بْنِ حَنْظَلَةَ -رضي الله عنه-، قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ فَأَخَذهُ عَدُوٌّ لَهُ فَتَحَرَّجَ القَوْمُ أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي فَخَلَّى سَبيلَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ القَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أَنَّهُ أَخِي، قَالَ: «صَدَقْتَ، المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ». (42)

- الحلف بالطلاق:

1- الحلف بالطلاق يدخل ضمن الحلف بغير الله، وقد مرَّ التحذير منه.

2- ومعنى الحلف بالطلاق هو التعليق الذي يراد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب

3-  اختلف العلماء في الحلف بالطلاق، هل يقع إذا حصل ما علقه عليه أم لا؟

فذهب الجمهور إلى أنه يقع لأنه طلاق معلق بشرط، فيقع بوقوع الشرط، وعلى هذا المذاهب الأربعة.

واختار شيخ الإسلام ابن تيمية عدم وقوع الطلاق، لأن الحالف يريد الزجر والمنع، وهو كاره للطلاق، فهي يمين فيها الكفارة. (43)

---

(1) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10/ 1042)

(2) رواه البخاري (3444) ومسلم (2368)

(3) رواه ابن ماجه (2101) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1213)

(4) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10/ 1042)

(5) سير أعلام النبلاء (10/ 36)

(6) أخرجه البخاري (2087) ومسلم (1606)

(7) أخرجه الطبراني (821) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1/ 589)

(8) رواه مسلم (137)

(9) أخرجه مسلم (1650)

(10) تفسير القرطبي (6/ 285)

(11) أخرجه البخاري (2679) ومسلم (1646)

(12) أخرجه البخاري (3836) ومسلم (1646)

(13) رواه الطبراني في (8902) وصححه الألباني في  إرواء الغليل (8/ 191)

(14) مجموع الفتاوى (1/ 204)

(15) رواه أبو داود (3251) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1067)

(16) أخرجه البخاري (1363) ومسلم (110)

(17) فتح الباري لابن حجر (11/ 539)

(18) رواه أبو داود (3253) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1066)

(19) رواه مسلم (1647)

(20) تفسير ابن كثير (3/ 173)

(21) موقع الإسلام سؤال وجواب (5/ 4469)

(22) النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 386)

(23) فتاوى اللجنة الدائمة - 1 (23/ 133)

(24) أخرجه البخاري (6675)

(25) رواه البخاري (2356) ومسلم (138)

(26) رواه البخاري (6659)

(27) رواه البخاري (2369)

(28) راجع المغني لابن قدامة (9/ 514)

(29) راجع المغني لابن قدامة (9/ 515)

(30) راجع شرح النووي على مسلم (11/ 109)

(31) أخرجه البخاري (6622) ومسلم (1652)

(32) أخرجه البخاري ( 7147)    

(33) رواه مسلم (1650)

(34) راجع المغني لابن قدامة (8/ 8)

(35) أخرجه البخاري (1) ومسلم (1907)

(36) أخرجه البخاري (3424) ومسلم (1654)

(37) أحرجه أبو داود (3262) وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1067)

(38) ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (30/ 353)

(39) أخرجه مسلم (1653)

(40) أخرجه مسلم (1653)

(41) شرح النووي على مسلم (11/ 118)

(42) أخرجه أبو داود (3256)  وصححه الألباني في صحيح أبي داود ( 1- 2 )

(43) فتاوى الشبكة الإسلامية (13/ 10689)

آداب السفر والمواصلات

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد رجب 1437هـ
الزيارات: 18715

آداب السفر و المواصلات

آداب السفر والمواصلات

مقدمة

أولا: تيسير الله للإنسان في السعي والتنقل

ثانيًا: هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر

ثالثا: آداب السفر

رابعًا: ظواهر سيئة في المواصلات وكيفية علاجها

خامسًا: تقديم الخدمات الدعوية في وسائل المواصلات

سادسًا: آداب المرأة المسلمة في وسائل المواصلات

مقدمة

لقد عُنى الإسلام بالمسلم في جميع مجالات حياته في دينه ودنياه وآخرته وفي صحته ومرضه وإقامته وسفره وفي غناه وفقره وفي عباداته ومعاملاته فبين له أحكام كل شيء وما له وما عليه فيها من عبادات ومعاملات وحقوق وواجبات لله ولعباده، ولما كان السفر مظنة المشقة وكان ديننا الإسلامي دين السماحة والسهولة واليسر أبيح للمسافر قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما والفطر في رمضان والمسح على الخفين والجوارب ثلاثة أيام بلياليها فلله الحمد والشكر والثناء على ذلك.

ولما كان كثير من الناس لا يعرفون أحكام العبادات وآداب المسافر في السفر فهذه نبذة مختصرة من آداب المسافر من حين أن يخرج من بيته إلى السفر إلى أن يرجع وما ينبغي له أن يقوله ويفعله في سفره فذكرت آداب السفر القولية والفعلية. (1)

وقفة قبل أن تسافر! !

إن للسفر فوائد كثيرة منها: الترويح عن النفس، التفكر في مخلوقات الله للعبرة، قضاء حوائج العباد، السير في الأرض.

فالسفر عند وضعه في الميزان الشرعي، لابد من ذكر أحكامه، وضوابطه، وبعض آدابه، وذكر بعض الوصايا للمسافر، و ذكر بعض محاذير السفر، وذكر بعض مميزاته.

أولا: تيسير الله للإنسان في السعي والتنقل

1ـ نعمة التكريم بحمل الإنسان في البر و البحر

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا}. الإسراء(70)

قال الطبري: يقول تعالى ذكره (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) بتسليطنا إياهم على غيرهم من الخلق، وتسخيرنا سائر الخلق لهم (وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ) على ظهور الدوابّ والمراكب (و) في (البَحْرِ) في الفلك التي سخرناها لهم. (2)

فالْإِنْسَانَ فِي هَذَا الْعَالَمِ كَالرَّئِيسِ الْمَتْبُوعِ وَالْمَلِكِ الْمُطَاعِ

قال الإمام الفخر الرازي: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ مُؤَكِّدَاتِ التَّكْرِيمِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ تَعَالَى سَخَّرَ هَذِهِ الدَّوَابَّ لَهُ حَتَّى يَرْكَبَهَا وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا وَيَغْزُوَ وَيُقَاتِلَ وَيَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَكَذَلِكَ تَسْخِيرُ اللَّهِ تَعَالَى الْمِيَاهَ وَالسُّفُنَ وَغَيْرَهَا لِيَرْكَبَهَا وَيَنْقِلَ عَلَيْهَا وَيَتَكَسَّبَ بِهَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ ابْنُ آدَمَ، كُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي هَذَا الْعَالَمِ كَالرَّئِيسِ الْمَتْبُوعِ وَالْمَلِكِ الْمُطَاعِ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ رَعِيَّتُهُ وَتَبَعٌ لَهُ. (3)

2ـ تنوع وسائل التنقل وتطور وسائل الراحة فيها

3ـ الشكر على رحمة الله بأن قرب لنا المسافات من بعد ما كان الجهد يصيب الناس في السفر

وقال تعالى {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } [النحل: 7]. يقول: وتحمل هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد آخر لم تكونوا بالغيه إلا بجهد من أنفسكم شديد، ومشقة عظيمة. (4)

4. تقريب المسافات بين البلاد سواء هذا التقريب بسبب سرعة وسائل المواصلات، أو بسبب آخر فقد ذكر الله تعالى قومًا لم يشكروه على هذه النعمة فقال عنهم فقال {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ: 19].

قال الطبري: فتأويل الكلام: فقالوا: يا ربنا باعدْ بين أسفارنا؛ فاجعل بيننا وبين الشأم فلوات ومفاوز، لنركب فيها الرواحل، ونتزود معنا فيها الأزواد، وهذا من الدلالة على بطر القوم نعمة الله عليهم وإحسانه إليهم، وجهلهم بمقدار العافية، ولقد عجل لهم ربهم الإجابة. (5)

إن السفر في الإسلام لا بأس به، بل قد يكون مطلوباً لأغراض شرعية(6).

يقول الثعالبي -رحمه الله- من فضائل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى، ويدعوه شكراً على نعمه

وقد قيل:

لا يصلح النفس إذ كانت مدبرة           إلا التنقل من حال إلى حال

إني رأيت وقوف الماء يفسده             إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب

والأُسد لولا فراق الغاب ما افترست               والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة                لملها الناس من عجم ومن عرب

5ـ على المسلم سواء كان حاكما أو محكوما بتمهيد الطرق للسير وإماطة الأذى عنها

هديه -صلى الله عليه وسلم- في سفره وعباداته فيه(7)

كانت أسفاره -صلى الله عليه وسلم- دائرة بين أربعة أسفار: سفر لهجرته، وسفر للجهاد، وهو أكثرها، وسفر للعمرة وسفر للحج.

وكان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه (8) ولما حج سافر بهن جميعا، وكان إذا سافر، خرج من أول النهار، وكان يستحب الخروج يوم الخميس (9) ودعا الله أن يبارك لأمته في بكورها (10) وكان إذا بعث سرية أو جيشا، بعثهم من أول النهار، وأمر المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يؤمروا أحدهم (11) ونهى أن يسافر الرجل وحده (12) وأخبر أن الراكب شيطان، والراكبين شيطانان، والثلاثة ركب (13)، وذكر عنه أنه كان يقول حين ينهض للسفر: "اللهم إليك توجهت، وبك اعتصمت، اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهتم له، اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت"(14) وكان إذا قدمت له دابته ليركبها يقول "باسم الله" حين يضع رجله في الركاب، فإذا استوى على ظهرها قال: "الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون"، ثم يقول: "الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله" ثم يقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر" ثم يقول: "سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت"(15) وكان يقول: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنَّا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال" وإذا رجع قالهن، وزاد "آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون"(16) وكان هو وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا الأودية سبحوا (17).

وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: "اللهم رب السموات السبع، وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها، وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها، وشر أهلها، وشر ما فيها"(18).

وكان يقصر الرباعية(19) وقال أمية بن خالد، إنا نجد صلاة الحضر وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر فقال له ابن عمر: يا أخي إن الله بعث محمدا -صلى الله عليه وسلم- ولا نعلم شيئا وإنما نفعل كما رأينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يفعل(20).

وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- الاقتصار على الفرض، ولم يحفظ عنه أنه صلى السنة قبلها ولا بعدها إلا سنة الفجر والوتر، ولكن لم يمنع من التطوع قبلها ولا بعدها فهو كالتطوع المطلق لا أنه سنة راتبة للصلاة، وثبت عنه أنه صلى يوم الفتح ثمان ركعات ضحى.

وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- صلاة التطوع على راحلته أين توجهت به(21)وكان يومئ في ركوعه، وكان إذا أراد أن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر، فإن زالت قبل أن يرتحل صلى الظهر، ثم ركب، وكان إذا أعجله السير أخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، ولم يكن من هديه الجمع راكبا ولا حال نزوله وإنما كان يجمع إذا جد به السير(22).

آداب السفر

الآداب العامة:

قال أحمد الفاسي: وقد ألف الناس في آداب السفر وأكثروا وطولوا واقتصروا ومدار ذلك على أن المسافر تتعين عليه خمسة أشياء:

أولها: النظر في حكم سفره بأن كان مباحا أو مندوبا أو واجبا قدم عليه وإلا فلا.

الثاني: أن يستخير الله تعالى ويستشير فيه أهل المعرفة به ما لم يكن واجبا عينا في الحال فلا استخارة ولا استشارة.

الثالث: أن يتعلم ما يلزمه في سفره من أحكام التيمم والقبلة والجمع والقصر ونحو ذلك.

الرابع: أن يتخير صديقا صالحا لرفقته إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ويعزم على إسعافه واتباعه.

والخامس: أن يستعمل الآداب المروية فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلماء الأمة.

 1-  أن لا يخرج من بيته حتى لا يبقى عليه حق يمكنه أداؤه من دين أو نفقة أو رد مظلمة أو غير ذلك إذ لعله لا يرجع ويوصي فيما بلا بد له منه ويترك لأهله كفايتهم قدر سعته وإلا فلهم من لا تضيع ودائعه فيستودع الله صغيرهم وكبيرهم بعزم صحيح وقلب صادق عالما أنه راحم بهم(23)

ضوابط السفر(24):

أن يكون السفر في حدود بلاد الإسلام المحافظة، أما أن يكون إلى بقاعٍ موضوعة، ومستنقعاتٍ محمومة، وأماكن مشبوهة فلا، ما لم يكن ثَم ضرورة، مع المحافظة على شعائر الإسلام، لاسيما الصلاة.

استحباب طلب الرفقة

1- عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لو أن الناس يعلمون من الوحدة (25) ما أعلم ما سار راكب بليل وحده" (26).

2- وعن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده -رضي الله عنهم-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب". (27)

3- وعن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"(28).

4- وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول قال: "خير الصحابة(29) أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة". (30)

الرفق بالدابة أو وسيلة المواصلات المُستخدمة

وذلك بمعرفة آداب السير والنزول والمبيت والنوم في السفر واستحباب السرى والرفق بالدواب ومراعاة مصلحتها وجواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك وأمر من قصر في حقها بالقيام بحقها.

1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إذا سافرتم في الخصب(31) فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في الجدب، فأسرعوا عليها السير، وبادروا بها نقيها، وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها طرق الدواب، ومأوى الهوام بالليل". (32)

ومعنى "أعطوا الإبل حظها من الأرض" أي: أرفقوا بها في السير لترعى في حال سيرها وقوله: نقيها هو بكسر النون وإسكان القاف، وبالياء المثناة من تحت وهو المخ معناه: أسرعوا بها حتى تصلوا المقصد قبل أن يذهب مخها من ضنك السير، والتعريس: النزول في الليل.

فتفقد المركبة، والأخذ بوسائل السلامة والأمان، وعدم تجاوز السرعة النظامية، فإن في الحوادث -لاسيما حوادث السيارات- لعبراً عليكم بأداء حق الطريق، والمحافظة على البيئة، واجعلوا سفركم دراسة في سفر الحياة، وقراءة وتدبراً في دفتر الكون. (33)

2- وعن أبي قتادة، رضي الله عنه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان في سفر، فعرس بليل اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه، رواه مسلم(34).

قال العلماء: إنما نصب ذراعه لئلا يستغرق في النوم، فتفوت صلاة الصبح عن وقتها أو عن أول وقتها.

3- وعن سهل بن عمرو، وقيل سهل بن الربيع بن عمرو الأنصاري المعروف بابن الحنظلية، وهو من أهل بيعة الرضوان، -رضي الله عنه-: قال مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة(35) فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة". (36)

4- وعن أبي جعفر عبد الله بن جعفر-رضي الله عنه- قال: "أردفني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم خلفه، وأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجته هدف أو حائش نحل، يعني: حائط نحل". (37)، (38).

5- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: " كنا إذا نزلنا منزلا، لا نسبح حتى نحل الرحال". (39)

من آداب استخدام وسائل المواصلات: إعانة الرفيق

قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". (40)

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: بينما نحن في سفر إذ جاء رجل على راحلة له، فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "من كان معه فضل ظهر (41) فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له" فذكر من أصناف المال ما ذكره، حتى رأينا، أنه لا حق لأحد منا في فضل. (42)

وعن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أنه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار إن من إخوانكم قوما ليس لهم مال، ولا عشيرة فليضم أحدكم إليه الرجلين، أو الثلاثة، فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة كعقبة يعني أحدهم، قال: فضممت إلي اثنين أو ثلاثة ما لي إلا عقبة (43) كعقبة أحدهم من جملي (44).

وعنه قال: " كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخلف في المسير فيزجي(45) الضعيف ويردف ويدعو له" (46).

من الآداب أيضًا استحباب الدعاء في السفر لييسر الله لك أمرك

1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن(47) دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده". (48)

من الآداب الخروج في الأوقات المباركة إن أمكن لتقليل المشقة التي يواجهها المسافر في المواصلات

عن أنس-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل". (49)

"الدلجة" السير في الليل.

وعن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال "كان الناس إذا نزلوا منزلا تفرقوا في الشعاب(50) والأودية: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان" فلم ينزلوا بعد ذلك منزلا إلا انضم بعضهم إلى بعض". (51)

ظواهر سيئة في المواصلات وكيفية علاجها

1- انتشار سماع الأغاني

قال ابن رجب: واعلمْ أن سماعَ الأغانِي يضادُ سماعَ القرآنِ، مِنْ كلِّ وجهٍ، فإنّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ، ووحيُهُ ونوُرهُ، الذي أحيا اللَّهُ به القُلوبَ الميتةَ، وأخرجَ العبادَ به من الظلماتِ إلى النّورِ، والأغاني وآلاتُها مزاميرُ الشيطانِ، فإنَّ الشيطانَ قرآنهُ الشعرُ، ومؤذِّنُه المزمارُ، ومصائِدُه النّساءُ.

والقرآن تُذكر فيه أسماء الله وصفاته وأفعاله، وقدرته وعظمته، وكبرياؤه وجلاله، ووعده ووعيده.

والأغاني إِنَّمَا يذكر فيها صفات الخمر والصور المحرمة، الجميلة ظاهرها؛ المستقذر باطنها، التي كانت تُرابًا، وتعُود ترابًا.

فمن نزل صفاتها عَلَى صفات من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فقد شبَّه، ومرق من الإسلام كما يمرُق السهمُ من الرمية.

وقد رُئي بعض مشايخ القوم في النوم بعد موته، فسُئل عن حاله فَقَالَ: أوقفني بين يديه، ووبخني وقال: كنت تسمع وتقيسُني بسُعدى ولُبنى. وقد ذكر هذا المنام أبو طالب المكي في كتاب "قوت القلوب".

وإن ذُكر في شيء من الأغاني التوحيد، فغالبه من يسوق ظاهره إلي الإلحاد: من الحلول والاتحاد، وإن ذُكر شيء من الإيمان والمحبة أو توابع ذلك، فإنما يعبر عنه بأسماء قبيحة، كالخمر وأوعيته ومواطنه وآثاره، ويذكر فيه الوصل والهجر، والصدود والتجنِّي، فيطرب بذلك السامعون، وكأنهم يشيرون إِلَى أن الله تعالى يفعل مع عباده المحبين له المتقربين إِلَيْهِ كما يذكرونه، فيبعد ممن يتقرب إِلَيْهِ، ويصد عمن يحبه ويطيعه ويعرض عمن يُقبل عليه.

وهذا جهل عظيم، وغاية ما تحرك هذه الأغاني ما سكن في النفوس من المحبة، فتتحرك القلوب إِلَى محبوباتها -كائنة ما كانت- من مباح ومحرم، وحق وباطل. (52)

2ـ انتشار السرقة في وسائل المواصلات

1ـ إذا كان السفر في أماكن تخشى مكروها فيها فعليك أن تدعو بهذا الدعاء

عن خولة بنت حكيم -رضي الله عنهما- قالت: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك". (53)

تقديم الخدمات الدعوية في وسائل المواصلات

1-  المطويات:

    المطويات هي سهلة العبارة ومختصرة على من لا يقدر على مطالعة الكتب الكبيرة الحجم، ولكن مع الحرص أن تكون هذه المطويات خالية من الاختلافات والتعقيدات، وقبل إعطائها احرص على التشويق لقراءتها. هذا وينبغي الاهتمام بمتابعة سجل الأشرطة والمطويات التي يتم توزيعها تفاديًا للتكرار.

2- الملصقات الدعوية:

هي وسيلة مهمة من وسائل الدعوة، وتكون هذه الوسيلة متيسرة أكثر للدعاة الذين يمارسون مهنة التعليم، ولا بد من الحرص على الإخراج الفني والموضعي الجيد للمجلة: الإطار والمكان المناسب، الخط المتناسق الواضح، الألوان المناسبة، تنويع الأبواب مع التبسيط، وتخصيص باب للمسابقة الرمضانية يخصص لها جوائز قيمة يتم تقديمها خلال أمسية في آخر شهر رمضان أو في أيام العيد. (54)

3-كروت التهنئة وكروت دعوية صغيرة الحجم:

     ويتمّ تصميم الكروت بإتقان، وتكون جميلة الإخراج، ويكتب فيها عبارات دعوية شيقة بمعاني وتعبيرات سلسة، وهذه تصمّم عند المطابع المختصة بإنتاج كروت التهاني والأفراح، وتكون على شكل مجموعات، فواحدة عن التدخين، وأخري عن الغناء، وثالثة عن عقيدة الولاء والبراء، ورابعة عن الربا وهكذا، ويحمل الداعية معه مجموعة متنوعة في جيبه، ومن ثم يقدمها كرسالة أنيقة لمن يراه واقعاً في واحدة من المخالفات الشرعية أو لديه جهل بالعقيدة الصحيحة. وأيضا الاهتمام بالمناسبات الدينية كبداية رمضان، وقبيل العيد، مع الحرص على جودتها من حيث الشكل والألوان، والعبارات المكتوبة، وكذلك الحرص على أن تكون موجّهة لأصحابها بصفة شخصيّة، فكروت التهنئة والأفراح تدخل السرور على نفوس الناس وتشعرهم بأهميتهم وأهمية الكروت، ومن آثارها أن يزول ما بين النفوس من جفاءٍ ووحشةٍ، وبها ترق القلوب، وتصفو النفوس، وتزداد المودَّة والألفة، ويعمّق الحب، وتوثق الروابط، وبالتالي يكسب أنصاراً جدد للدعوة الإسلامية. (55)

قال القرطبي: "الهدية مندوب إليها، وهي ممّا تورث المودة وتذهب العداوة. وقال: "ومن فضل الهدية مع اتباع السنّة أنها تزيل حزازات النفوس وتكسب المُهدي والمُهدَى إليه رنة في اللقاء والجلوس". (56)

5- شعارات دعوية:

ويمكن توفير هذه البرامج بالاتفاق مع تجار المواد المكتبية الذين يستوردونها أو يصنعونها، حيث تتم طباعة برامج تربوية، وشعارات دعوية، أو أقوال مأثورة ومؤثرة على الدفاتر وعلب الألوان، وعلب الهندسة، والأقلام والميداليات، وحافظات أقلام ونحوها. ومن ثمّ إهداؤها إلى الآخرين، بعد طباعة أسمائهم عليها إن أمكن، ووضعها ضمن مظروف فيه كتيبات وأشرطة وغيرها، ولعل هذا الأسلوب مؤثر فعلاً على الطلاب والطالبات.

ومن ذلك تصميم دليل هاتف جيب، وتعبئة الصفحات الأول منه بمجموعة من الحكم والنصائح والمواعظ، وأمّا بقية الصفحات المرتبة هجائيًا فيوضع في رأس كل صفحة حديثاً شريفاً قليل الكلمات يتضمن موعظة أو حكما شرعيا، أو كتابة بيتاً شعرياً مؤثراً ومفيداً من أشعار الزهد والحكمة والحكم وغيرها، ويكون هناك تناسق في ترتيب الأحرف بين أوائل الأبيات والصفحات. (57)

ثانيًا: الوسائل السمعية:

1- توزيع الأشرطة والأقراص

الشريط الإسلامي أو القرص المدمج في عصر التكنولوجيا سلاح من أمضى أسلحة الدعوة في العصر الحاضر، وقد أثبتت التجارب أنه كم من شاب وشابة كان سبب هدايتهما شريطًا سمعه. لكن احذر أن تعطي لغيرك مادة أنت لا تعلم محتواها، فهذا قد يكون له انعكاسات سلبية خطيرة لا مجال للتحدث عنها هنا.

ويمكن تخصيص بعض فئات المجتمع عند توزيع الأشرطة والكتيبات، أمثال: -

1- سائقو سيارات الأجرة فهؤلاء بحاجة ماسة جدّاً إلى الملاحظة والمتابعة، لأسباب متعددة منها

إن كثرة التردد على هذه الطرقات يورث الملل والقلق، لذا تجد أنهم يبحثون عن أي وسيلة مهما كانت تطرد عنهم هذا الملل.

إن الغالبية العظمى منهم يعيشون تحت مستوى الفقر.

إن فسادهم له أثر على غيرهم بشكل بيّن، حيث يكونون عوامل مساعدة في نقل وتهريب وبيع وترويج وسائل الدمار المتنوعة. أو إشاعة الغناء، والمواد والبرامج السمعية المفسدة للدين والأخلاق لذا فإن إهداء أحدهم شريطًا أو مجموعة من الأشرطة سيكون له أثر ليس باليسير عليهم، بل إنّهم يفرحون جدًّا بما تقدم إليهم ويطلبون منك المزيد.

2- الاستفادة من تجمعات النساء والرجال واستغلال العادات والتقاليد الموروثة لدى بعض الأسر واستثمارها في المجال الدعوي، نحو ما ينتشر بين النساء خاصة من قيامهن بزيارة المرأة التي رزقت بمولود، أو المتزوجة حديثًا، أو القادمة من سفر بعيد وغير ذلك، وتقديم هدية المرأة، فحبذا لو ضَمَّنْتَ الهدية المادية مجموعة من الأشرطة، والكتيبات، والنشرات الدعوية وغيرها. (58)

3-الأناشيد:

سابعا: القافلة الدعوية

القافلة الدعوية عبارة عن سيارة صغيرة تحمل طابعاً متميزاً في شكلها ومضمونها، حيث تقوم القافلة بزيارة أماكن تجمَع الناس في المراكز، والأندية، والأسواق التجارية، أي الوصول إلى كثير من فئات المجتمع التي تظهر حاجتهم إلى الاستفادة من البرامج الدعوية، حيث تتوقف القافلة حيث تجمعات الناس، ومن ثم يتحدث الدعاة مع الناس، ويطرحون عليهم الأسئلة الثقافية والمسابقات المتنوعة ذات الطابع الدعوي، ويقدمون لهم الهدايا والجوائز الفورية القيمة. (59) إن الوصول إلى عامة الناس حيث يوجدون، ومن ثم إشاعة الخير بينهم ودعوتهم للإسلام بالكلمة الطيبة والسلوك الحسن يعني قوة التأثير فيهم بطريق غير مباشر.

ثامناً: استخدام شاشات عرض بالمواصلات

آداب المرأة المسلمة في وسائل المواصلات

1ـ تخيير الأوقات التي لا تكون المواصلات مزدحمة

2ـ الرفقة الطيبة ووجود محرم

تحريم سفر المرأة وحدها

1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم عليها". (60)

2- وعن ابن عباس -رضي الله عنه-أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المراة إلا مع ذي محرم" فقال له رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزة كذا وكذا؟ قال: "انطلق فحج مع امرأتك". (61)

تحريم أخذ الزينات والمعطرات:

بل لقد وصل الحال ببعضهن أن تنزع جلباب حيائها قبل أن تغادر أرض بلادها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فيا من أخفيت نواياك في سفرك عن البشر! ويا من قصدت مكاناً لا تقع فيه تحت عينٍ ونظر! ألا تخشى سطوة رب البشر، وأنت تبارزه بالقبائح، وتعامله بالفضائح؟ (62)

وصايا للمسافر

1- أخي احرص على أن يكون مالك وزادك حلالا وأطب مطعمك تجب دعوتك.

2- اذكر الله في كل حين وفي سفرك خصوصا لتنال الحسنات واطمئنان القلب أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ [الرعد: 28].

3- أكثر من الدعاء بالمغفرة والرحمة لك ولإخوانك المسلمين واسأل الله تحقيق وتسهيل ما تريده من أمور الدنيا والآخرة فإن دعوة المسافر مستجابة إذا كان رزقه حلالا.

4- احرص على الاستفادة من الوقت بما ينفع من استماع القرآن وأشرطة المحاضرات المفيدة والكلام الطيب النافع.

5- احرص على مصاحبة الصالحين في سفرك فهم خير رفيق ومعين بل وصاحبهم في أوقات حياتك كلها، فالمرء معتبر بقرينه وسوف يكون على دين خليله.

6- إذا سافرت على سيارتك فلا تعجل ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة.

7- لا بأس بتقطيع أوقات السفر بكلام مباح وشعر جيد فهي مما يروح عن النفس ويخفف متاعب السفر.

---

(1) تذكير البشر بأحكام السفر عبد الله بن جار الله آل جار الله (ص: 1).

(2) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (17/ 501)

(3) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (21/ 375).

(4) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (17/ 170).

(5) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (20/ 389).

(6) دروس للشيخ عبد الرحمن السديس (61/ 4)

(7) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (1/462) والمختصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص60).

(8) فأيتهن خرج سهمها سافر بها معه.

(9) أخرجه البخاري (6/80) في الجهاد.

(10) حديث صحيح أخرجه الدارمي (2/214) وأبو داود (2606) والترمذي (1212) وغيرهم.

(11) أخرجه أبو داود (2608) (2609) وسنده حسن.

(12) روى البخاري (6/92) والترمذي (1673)عن ابن عمر: "لو أن الناس يعلمون ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده».

(13) رواه مالك في الموطأ (2/978) والترمذي (1674) وإسناده حسن وصححه ابن خزيمة والحاكم.

(14) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص185) وفي سنده عمرو بن مساور وهو ضعيف.

(15) رواه الترمذي (3443) في الدعوات وأبو داود (2380، 2381) والحاكم (2/98).

(16) رواه مسلم (1342) وغيره.

(17) خرج هذه الجملة أبو داود (2599).

(18) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (197) وابن حبان (2377) والحاكم (2/100) وسنده حسن وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

(19) فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافرا إلى أن يرجع إلى المدينة.

(20) رواه البيهقي في السنن (3/136) وإسناده حسن.

(21) رواه البخاري ومسلم.

(22) انظر زاد المعاد لابن القيم بتحقيق الأرنوؤط (1/481).

(23)  شرح العلامة أحمد بن محمد البرنسي الفاسي المعروف بزروق المتوفى سنة 899 هـ

على متن الرسالة للإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني(1/482)

(24) دروس للشيخ عبد الرحمن السديس (61/ 5، بترقيم الشاملة آليا)

(25) الوحدة بفتح الواو وسكون الحاء المهملة أي: الانفراد في السفر.

(26) البخاري (6/96) وفيه لو يعلم الناس ما في الوحدة وأخرجه الترمذي (1673).

(27) أبو داود (2607) والترمذي (1674) وهو في الموطأ (2/978)، وسنده حسن.

(28) أبو داود (2608) وسنده حسن، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود أيضًا برقم (2609) وسنده حسن.

(29) خير الصحابة: أي الأصحاب: والسرايا: جمع سرية وهي القطعة من الجيش تخرج منه تغير وترجع إليه.

(30) أبو داود (2611) والترمذي (1555) وأخرجه أحمد (1/294) وصححه ابن حبان (1663) والحاكم (1/443) ووافقه الذهبي.

(31) الخصب بكسر الخاء المعجمة وسكون الصاد المهملة خلاف الجدب.

(32) مسلم (1926) وأخرجه أبو داود (2569) والترمذي (2862).

(33) دروس للشيخ عبد الرحمن السديس (61/ 6، )

(34) مسلم (683).

(35) المعجمة والعجماء بمعنى أي التي لا تتكلم.

(36) أبو داود (2548) وسنده صحيح كما قال المصنف رحمه الله.

(37) ما استتر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي: من الأعين عند قضاء حاجة الإنسان.

(38) مسلم (432) و(2429) وأبو داود (2549) وأخرجه أحمد (1/204) وإسناده صحيح وصححه الحاكم (2/99، 100).

(39) أبو داود (2551) وسنده حسن.

(40) رواه مسلم (2699).

(41) الظهر: ما يركب.

(42) مسلم (1728) وأخرجه أبو داود (1663).

(43) عقبة بضم فسكون: ركوب مركب واحد بالنوب، يتعاقب عليه الرجلان أو الثلاثة أو الأكثر، ولكل واحد نوبة.

(44) أبو داود (2534).

(45) فيزجى بالزاي والجيم أي: يسوق.

(46) أبو داود (2639) وإسناده صحيح.

(47) لا شك فيهن: أي في استجابتهن.

(48) أبو داود (1536)، والترمذي (1906)، وأخرجه ابن ماجه (3862) وابن حبان (2406) وأحمد بن حنبل (2/258) وفي سنده ضعف لكن له شاهد يتقوى به من حديث عقبة بن عامر الجهني عند أحمد بن حنبل (4/154) بلفظ: ثلاثة تستجاب دعوتهم: الوالد والمسافر والمظلوم.

(49) أبو داود (2571) وأخرجه الحاكم (2/114) (1/445) وأبو نعيم في الحلية (9/250) وهو حسن.

(50) الشعاب بكسر الشين: جمع شعب بالكسر وهو الطريق في الجبل، والأودية جمع واد، وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يكون منفذا للسير.

(51) أبو داود (2628) وأخرجه أحمد (4/193) ورجاله ثقات.

(52) مجموع رسائل ابن رجب (2/ 471)

(53) مسلم (2708).

(54)- طرق ووسائل الدعوة إلى الله في أماكن العمل: موقع صيد الفوائد على شبكة المعلومات الدولية(www. saaid. net). 121 وسيلة دعوية: إعداد الفريق العلمي لجناح الوسائل المتميزة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، موقع صيد الفوائد على شبكة المعلومات الدولية (www. saaid. net). دليـل الفرص والوسائل الدعوية: جمع وإعداد خالد بن محمد الدبيخي، موقع منابر الدعوة بإشراف الشيخ حامد عبد الله العلي على شبكة المعلومات الدولية(www. dawah. ws).

(55)- 92 وسيلة دعوية: الشيخ إبراهيم بن عثمان الفارس: ص 14، موقع صيد الفوائد على(www. saaid. net) (الإنترنت). وانظر موقع منابر الدعوة بإشراف الشيخ حامد عبد الله العلي. 

(56)- تفسير القرطبي: 13/132

(57)- 92 وسيلة دعوية: مصدر سابق، ص 20.

(58)- 92 وسيلة دعوية: مصدر سابق، ص 20-21.

(59) انظر موقع قافلة الخير على شبكة المعلومات الدولية(http: //www. islamic-ef. org/arabic).

(60) البخاري (2/468) ومسلم (1339) وأخرجه أبو داود (1726) والترمذي (1170).

(61) رياض الصالحين من أحاديث سيد المرسلين بتحقيق شعيب الأرنؤوط (ص 407-418).

(62) دروس للشيخ عبد الرحمن السديس (61/ 7، )

وقد ذكر الفقهاء في آداب السفر أن المسافر إذا انفلتت دابته بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله احبسوا، وإذا أضل شيئاً أو أراد عوناً فليقل: يا عباد الله أعينوني أو أغيثوني فإن لله عباداً لا نراهم، واستدل الفقهاء على ذلك بما رواه ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، فإن لله عباداً يجيبونه" ففيه نداء وطلب نفع.

أقول: هذا الحديث ضعيف، قال في مجمع الزوائد: وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا، فإن لله حاضراً في الأرض ليحسبه". رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه معروف بن حسان وهو ضعيف اهـ. قال الذهبي في الميزان: معروف بن حسان أبو معاذ السمرقندي عن عمر بن ذر، قال ابن عدي: منكر الحديث، قد روى عن عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة

النجم الثاقب في سيرة علي بن أبي طالب

التفاصيل
كتب بواسطة: اللجنة العلمية
المجموعة: عدد رجب 1437هـ
الزيارات: 14680

النجم الثاقب في سيرة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-

النجم الثاقب في سيرة علي بن أبي طالب

اسمه ونسبه

هو على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. (1)

وأبو طالب اسمه عبد مناف، عبد المطلب اسمه شيبة الحمد(2)، فهو ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم، وولده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان اسم علىٍّ عند مولوده أسد، سمته بذلك أمه -رضي الله عنهما- باسم أبيها أسد بن هاشم، ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر حيث يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة      كليث غابات كريه المنظرة. (3)

وحيدرة: من أسماء الأسد، وكان أبو طالب غائبًا فلما عاد، لم يعجبه هذا الأسم وسماه عليًا. (4)

كنيته

أبو الحسن، نسبة إلى ابنه الأكبر الحسن وهو من ولد فاطمة بنت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ويكنى أيضًا بأبى تراب، كنية كناه بها النبي -صلى الله عليه وسلم- فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ بِهِ إِذَا دُعِيَ بِهَا، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْتَ فَاطِمَةَ -رضي الله عنهما-، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي البَيْتِ، فَقَالَ: "أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ" فَقَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِإِنْسَانٍ: "انْظُرْ أَيْنَ هُوَ" فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ فِي المَسْجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ: "قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ". (5)

ومن كناه أيضاً: أبو الحسن والحسين وأبو القاسم الهاشمى، وأبو السبطين. (6)

أما لقبه: فهو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين. (7)

مولده -رضي الله عنه-

اختلفت الروايات وتعددت في تحديد سنة ولادته وأرجح هذه الروايات ما ذكره ابن إسحاق أن ولادته قبل البعثة بعشر سنين، ورجح هذا القول الحافظ ابن حجر. (8)

صفاته الخَلقية

يقول ابن عبد البر-رحمه الله-: "وأحسن مَا رأيت فِي صفة علي -رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ ربعة من الرجال إِلَى القصر مَا هُوَ، أدعج العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حسنا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شئن الكفين أغيد، كأن عنقه إبريق فضةٍ، أصلع ليس فِي رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري، لا يتبين عضده من ساعده، قد أدمجت إدماجا، إذا مشى تكفأ، وإذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، وَهُوَ إِلَى السمن مَا هُوَ، شديد الساعد واليد، وإذا مشى للحرب هرول، ثبت الجنان، قوي شجاع، مَنْصُور على من لاقاه". (9)

إسلامه وأهم أعماله في مكة قبل الهجرة وبعض مناقبه

أولا: إسلامه

كان من أكبر نعم الله عز وجل على علي -رضي الله عنه-، إذ رباه وأدبه النبي -صلى الله عليه وسلم-، فانعكس هذا الخلق القرآني على علي -رضي الله عنه-، وكفى بتربية النبي -صلى الله عليه وسلم- تربية لعلي -رضي الله عنه-، فقد نشأ في بيت الإسلام وتعرف إلى أسراره في مرحلة مبكرة من حياته، وذلك قبل أن تتخطى الدعوة حدود البيت وتنطلق إلى البحث عن أنصار يشدون أزرها وينطلقون بها في دنيا الناس، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، وقد اختلف العلماء فيمن آمن بعد السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، هل هو أبو بكر الصديق أم على -رضي الله عنهم-؟ والذي أميل إليه من بين أقوال العلماء، أن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، ومن الصبيان على بن أبي طالب -رضي الله عنه-، ومن النساء خديجة بنت خويلد -رضي الله عنهما-، وهي أول من آمن على الإطلاق، ومن الموالي زيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وبهذا يكون أمير المؤمنين أول الصغار إسلامًا. (10)

ثانياً: تقديمه نفسه فداء للنبي -صلى الله عليه وسلم-

يقول الحافظ ابن حجر -رحمه الله- "وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ بن شِهَابٍ قَالَ فَرَقَدَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُوَرِّي عَنْهُ وَبَاتَتْ قُرَيْشٌ تَخْتَلِفُ وَتَأْتَمِرُ أَيُّهُمْ يَهْجُمُ عَلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ فَيُوثِقُهُ حَتَّى أَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ -رضي الله عنه- فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لَا عِلْمَ لِي فَعَلِمُوا أَنه فر مِنْهُم وَذكر بن إِسْحَاقَ نَحْوَهُ وَزَادَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ لَا يَبِيتُ عَلَى فِرَاشِهِ فَدَعَا عَلِيًّا -رضي الله عنه- فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيتَ عَلَى فِرَاشِهِ وَيُسَجَّى بِبُرْدِهِ الْأَخْضَرِ فَفَعَلَ ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْقَوْمِ وَمَعَهُ حَفْنَةٌ مِنْ تُرَابٍ فَجَعَلَ ينثرها على رؤوسهم وَهُوَ يَقْرَأُ يس إِلَى فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ وَذكر أَحْمد من حَدِيث بن عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا الْآيَةَ قَالَ تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلِ اقْتُلُوهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ أَخْرِجُوهُ فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَاتَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَخَرَجَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا -رضي الله عنه- يَحْسِبُونَهُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَعْنِي يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَقُومُ فَيَفْعَلُونَ بِهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَرَأَوْا عَلِيًّا -رضي الله عنه- رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ فَقَالُوا أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا قَالَ لَا أَدْرِي. . . . . . . . . . ". (11)

 وفي هذا الموقف دروس وعبر وفوائد نقتصر منها على ما يخص علي -رضي الله عنه-:

1- في تلبية على -رضي الله عنه- لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلا للجندي الصادق، المخلص لدعوة الإسلام، حيث فدى قائده بحياته، ففي سلامة القائد سلامة الدعوة، وفي هلاكه خذلانها، ووهنها، فما فعله على -رضي الله عنه- ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعتبر تضحية غالية، إذ كان من المحتمل أن تهوى سيوف فتيان قريش على رأس على -رضي الله عنه-، ولكن عليًا -رضي الله عنه- لم يبال بذلك، فحسبه أن يسلم رسول الله نبي الأمة، وقائد الدعوة. (12)

2- في هذه القصة دلالة قاطعة على شجاعة -رضي الله عنه-، فإنه يعلم وهو يقوم بتنفيذ ما أمر به أنه معرض لخطر عظيم، فقد يقتحمون عليه داره ويقتلونه دون أن يتثبتوا من هويته، وقد يباغتونه وهو خارج في الصباح من غير أن يتبينوا من هو، والقوم يتربصون به طوال الليل يترقبون هذه اللحظة وقد بلغ منهم الجهد كل مبلغ، فأصبحوا غير قادرين على التأكد من شخصية الخارج من الدار، أهو محمد -صلى الله عليه وسلم-أم رجل آخر؟ لابد أن ذلك كله قد دار في عقل على -رضي الله عنه- لكنه بادر وسعد بالتنفيذ فهو يحب الله ورسوله حبًا ملك عليه قلبه، فجعل سلامة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هدفه الأسمى ولو كلفه ذلك التضحية بحياته.

ثالثاً: مناقبه:

وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِعَلِيٍّ -رضي الله عنه-: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ" وَقَالَ عُمَرُ: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ". (13)

وعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ، قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ، قَالَ: هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ، أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ ". (14)

وعن ابْنَ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، أَنَّ فَاطِمَةَ -رضي الله عنهما-، شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمَا". فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: "أَلاَ أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ". (15)

وعَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه-، قَالَ: "اقْضُوا كَمَا كُنْتُمْ تَقْضُونَ، فَإِنِّي أَكْرَهُ الِاخْتِلاَفَ، حَتَّى يَكُونَ لِلنَّاسِ جَمَاعَةٌ، أَوْ أَمُوتَ كَمَا مَاتَ أَصْحَابِي" فَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ: "يَرَى أَنَّ عَامَّةَ مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ الكَذِبُ". (16)

وعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَعْدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَنْ أَسُبَّهُ، لَأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ لَهُ، خَلَّفَهُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ خَلَّفْتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعْدِي" وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ" قَالَ فَتَطَاوَلْنَا لَهَا فَقَالَ: "ادْعُوا لِي عَلِيًّا" فَأُتِيَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران: 61] دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: "اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي". (17)

وعن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا، بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ " فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: "وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي" فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ؟ يَا زَيْدُ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. (18)

مكانة القرآن الكريم عند علي -رضي الله عنه-:

عاش أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- حياته مع القرآن تلاوة وحفظًا وفهمًا وعملاً، ولشدة اهتمام أمير المؤمنين عليّ بالقرآن حصل على علم كبير به وبعلومه، فعَن أَبي الطُّفَيلِ -رضي الله عنه-، قالَ: قالَ عَليٌّ " سَلوني عَن كِتاب الله؛ فَإِنَّهُ لَيسَ مِن آيَةٍ إِلاَّ وقَد عَرَفتُ بِلَيلٍ نَزَلَت أَم بِنَهارٍ، في سَهلٍ أَم في جَبَلٍ". (19)

وكان كثيراً ما يقول "سلوني قبل أن تفقدوني"، وكان ذلك عندما مات أكثر علماء الصحابة.

ما نزل في شأنه من القرآن الكريم:

كان القرآن الكريم ينزل على رسول الله يعالج أحداثًا واقعية حصلت في المجتمع النبوي الكريم، فيثنى على عمل ما، ويشيد بأقوام، ويحذر من آخرين، وينبه على بعض الأخطاء، وقد نزلت بعض الآيات التي خلدت بعض المآثر لأمير المؤمنين وبعض الصحابة -رضي الله عنهم-أجمعين.

1 - منها قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ - يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ - وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ - كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ - إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 19 - 23].

فعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه-، أَنَّهُ قَالَ: "أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ" وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [الحج: 19] قَالَ: " هُمُ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: حَمْزَةُ، وَعَلِيٌّ، وَعُبَيْدَةُ، أَوْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الحَارِثِ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ ". (20)

  2- وهو أحد من نزل فيهم قول الله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]. وذلك في وفد نجران حينما جادلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في عيسى بن مريم، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى أمه الطاهرة فعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:. . . . . . . . . . وَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران: 61] دَعَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: "اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي". (21)

 3 - مواقفة القرآن له في كون الجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام فعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أُسْقِيَ الْحَاجَّ، وَقَالَ آخَرُ: مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَالَ آخَرُ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 19] الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا. (22)

تفسير عليّ -رضي الله عنه- لبعض الآيات القرآنية

1 - َقَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا {الذَّارِيَاتِ ذَرُوًا} [الذاريات: 1] قَالَ: «الرِّيَاحُ» قَالَ: فَمَا {الْحَامِلَاتِ وِقْرًا} قَالَ: «السَّحَابُ». قَالَ: فَمَا {الْجَارِيَاتِ يُسْرًا} قَالَ: «السُّفُنُ». قَالَ: فَمَا {الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ». قَالَ: فَمَنِ {الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ} [إبراهيم: 28] قَالَ: «مُنَافِقُو قُرَيْشٍ» قال الحاكم هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ". (23)

2 - قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} [التكوير: 15]: قال علي -رضي الله عنه- "هن الكواكب، تكنس بالليل، وتخنس بالنهار، فلا ترى". (24)

اتباع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للسنة وتعظيمه لها

كان أمير المؤمنين على شديد الحرص على الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وحياته العملية خير دليل على ذلك، وهذه بعض الأمثلة المتنوعة التي كان يتبع فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يفرق بين صغيرة ولا كبيرة:

فعَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ قَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهَا قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ، ثُمَّ حَمِدَ اللهَ ثَلاثًا، وَكَبَّرَ ثَلاثًا، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي. ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " يَعْجَبُ الرَّبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَيَقُولُ: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي ". (25)

وعَنْ زَاذَانَ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه-، شَرِبَ قَائِمًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ كَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ، فَقَالَ: مَا تَنْظُرُونَ؟ إِنْ أَشْرَبْ قَائِمًا، " فَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَشْرَبُ قَائِمًا، وَإِنْ أَشْرَبْ قَاعِدًا، فَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَشْرَبُ قَاعِدًا ". (26)

وعَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيٍّ -رضي الله عنه-، قَالَ: كُنْتُ أَرَى أَنَّ بَاطِنَ الْقَدَمَيْنِ أَحَقُّ بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِمَا، حَتَّى رَأَيْتُ " رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَمْسَحُ ظَاهِرَهُمَا ". (27)

موقف على -رضي الله عنه- من حادثة الإفك

ورد حديث الإفك الذي اتهم فيه المنافقون عائشة -رضي الله عنهما- به، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استدعى عليًا وأسامة واستشارهما في فراق أهله، لما كثر القول وأقلق النبي -صلى الله عليه وسلم- واستلبث الوحي، فأما أسامة، فأشار عليه بالذي يعلم من براءتها، فقال: يا رسول الله أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا، وأما على بن أبى طالب -رضي الله عنه- فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بريرة فقال: أي بَريَرة هل رأيت من شيء يَريبك؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن أيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله،. . . . . . . . . . . . . ". (28)

إن الكلام الذي قاله علىّ -رضي الله عنه- إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي -صلى الله عليه وسلم-، لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل. وكان شديد الغيرة، فرأى على -رضي الله عنه- في بادئ الأمر أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن تتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، والذي يتأمل كلام علي -رضي الله عنه- يرى أنه لم ينل من عائشة -رضي الله عنهما- بأدنى كلمة يفهم منها أنه عرَّض بأخلاقها، أو تناولها بسوء، بل كان رأيه خيرًا لها، فهو يقول إن أردت أن ترتاح من المشكلة فإن غيرها كثير، وإن أردت الوصول للحقيقة، فاسأل الجارية توصلك إليها، وهي براءة عائشة -رضي الله عنهما-. (29)

مكانة علي -رضي الله عنه- في القضاء ودوره في الدعوة

أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليًا بأن يقضي بين الناس في اليمن، وهذا على -رضي الله عنه- يحدثنا بنفسه حيث قال "بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ تَبْعَثُنِي إِلَى قَوْمٍ أَسَنَّ مِنِّي، وَأَنَا حَدَثٌ لَا أُبْصِرُ الْقَضَاءَ؟ قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: " اللهُمَّ ثَبِّتْ لِسَانَهُ، وَاهْدِ قَلْبَهُ، يَا عَلِيُّ، إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ " قَالَ: فَمَا اخْتَلَفَ عَلَيَّ قَضَاءٌ بَعْدُ، أَوْ مَا أَشْكَلَ عَلَيَّ قَضَاءٌ بَعْدُ". (30)

 وبعد ما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة استجابت القبائل العربية بالجزيرة إلى الإسلام، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرسل الدعاة إلى القبائل التي لم تستجب بعد، فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ -رضي الله عنه- إِلَى الْيَمَنِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَكُنْتُ فِيمَنْ سَارَ مَعَهُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، لا يُجِيبُونَهُ إِلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- فِي أَثَرِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْفِلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ مِمَّنَ كَانَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يُعَقِّبَ مَعَهُ تَرَكَهُ، قَالَ الْبَرَاءُ: فَكُنْتُ مِمَّنْ عَقَّبَ مَعَ عَلِيٍّ إِلَى أَوَائِلِ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَجَمَعُوا لَهُ، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْفَجْرَ، فَلَمَّا فَرَغَ صَفَّنَا صَفًّا وَاحِدًا، ثُمَّ تَقَدْمَ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ كُلُّهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ، كَبَّرَ جَالِسًا، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَى هَمْدَانَ ثَلاثًا، فَتَتَابَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ عَلَى الإِسْلامِ. (31) أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ صَدْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ مَسْلَمَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ، فَلَمْ يَسُقْهُ بِتَمَامِهِ، وَسُجُودُ الشُّكْرِ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِ. (32)

وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ -رضي الله عنه-، قَالَ "أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- وَهُوَ بِالْيَمَنِ، فِي ثَلَاثَةٍ قَدْ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ. (33)

مبايعة علي لأبى بكر بالخلافة -رضي الله عنهم-

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: " لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَامَ خُطَبَاءُ الأَنْصَارِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنْكُمْ قَرَنَ مَعَهُ رَجُلاً مِنَّا، فَنَرَى أَنْ يَلِيَ هَذَا الأَمْرَ رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا مِنْكُمْ وَالآخَرُ مِنَّا، قَالَ: فَتَتَابَعَتْ خُطَبَاءُ الأَنْصَارِ عَلَى ذَلِكَ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ -رضي الله عنه-، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الإِمَامَ يَكُونُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه-، فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ ثُمَّ قَالَ: أَمَا لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ ثُمَّ أَخَذَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ، فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا، فَلَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: نَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَتَوْا بِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَخَتَنُهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصًا الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: لاَ تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَبَايَعَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَحَوَارِيُّهُ أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ: لاَ تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَبَايَعَاهُ. هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. (34)

يقول ابن كثير -رحمه الله- وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ الْمُنْذِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قِطْعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيِّ وَفِيهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ وَهِيَ مُبَايَعَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِمَّا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ أَوْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنَ الْوَفَاةِ، وَهَذَا حَقٌّ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ لَمْ يُفَارِقِ الصِّدِّيقَ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُ. (35)

بلاغة علي -رضي الله عنه- وطلاقة لسانه وحسن بيانه

كان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من أفصح الصحابة ومن أفصح العرب قاطبة وكان ذو حكمة وبلاغة وأُتي لساناً زلقاً وفراسة عالية لكنه ابتلي بشيعة افتروا عليه من الكذب ما لا يحصى فعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من أكثر الصحابة الذين كُذب عليهم، بل أُلفت الكتب الكثيرة التي تعج بالكذب عليه لنقل كلامه وشرحه لكننا سنحاول ذكر بعض ما صح عنه من الكلام الجميل والخطب والمواعظ البليغة.

فعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: " سِرْنَا مَعَهُ، يَعْنِي عَلِيًّا -رضي الله عنه-، حِينَ رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ بَابِ الْكُوفَةِ إِذَا نَحْنُ بِقُبُورِ سَبْعَةٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: "مَا هَذِهِ الْقُبُورُ؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ خَبَّابًا تُوُفِّيَ بَعْدَ مَخْرَجِكَ إِلَى صِفِّينَ، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي ظَهْرِ الْكُوفَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ -رضي الله عنه- "رَحِمَ اللهُ خَبَّابًا، لَقَدْ أَسْلَمَ رَاغِبًا، وَهَاجَرَ طَائِعًا، وَعَاشَ مُجَاهِدًا، وَابْتُلِيَ فِي جِسْمِهِ أَحْوَالًا، وَلَنْ يُضَيِّعَ اللهُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا". (36)

وقَالَ الكميل بن زياد: " أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَّانِ، فَلَمَّا أَصْحَرْنَا جَلَسَ ثُمَّ تَنَفَّسَ ثُمَّ قَالَ: " يَا كُمَيْلُ بْنَ زِيَادٍ الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، وَاحْفَظْ مَا أَقُولُ لَكَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ. الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ، وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، الْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الْعَمَلِ، وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ، وَمَحَبَّةُ الْعَالِمِ دَيْنٌ يُدَانُ بِهَا، الْعِلْمُ يُكْسِبُ الْعَالِمَ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَجَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَصَنِيعَةُ الْمَالِ تَزُولُ بِزَوَالِهِ. مَاتَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ، أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، هَاهْ إِنَّ هَهُنَا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ - عِلْمًا لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً، بَلَى أَصَبْتُهُ لَقِنًا غَيْرَ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، يَسْتَعْمِلُ آلَةَ الدِّينِ لِلدُّنْيَا، يَسْتَظْهِرُ بِحُجَجِ اللهِ عَلَى كِتَابِهِ، وَبِنِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ، أَوْ مُنْقَادًا لِأَهْلِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي إِحْيَائِهِ، يَقْتَدِحُ الشَّكَّ فِي قَلْبِهِ، بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، أَوْ مَنْهُوَمٌ بِاللَّذَّاتِ، سَلِسُ الْقِيَادِ لِلشَّهَوَاتِ، أَوْ مُغْرًى بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ وَالِادِّخَارِ، وَلَيْسَا مِنْ دُعَاةِ الدِّينِ، أَقْرَبُ شَبَهًا بِهِمَا الْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ، كَذَلِكَ يَمُوتُ الْعِلْمُ بِمَوْتِ حَامِلِيهِ، اللهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ، أُولَئِكَ هُمُ الْأَقَلُّونَ عَدَدًا، الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللهِ قَدْرًا، بِهِمْ يَدْفَعُ اللهُ عَنْ حُجَجِهِ، حَتَّى يَؤُدُوهَا إِلَى نُظَرَائِهِمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا مِمَّا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، صَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَنْظَرِ الْأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي بِلَادِهِ، وَدُعَاتُهُ إِلَى دِينِهِ. هَاهْ هَاهْ شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِهِمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكَ، إِذَا شِئْتَ فَقُمْ ". (37)

---

(1) الطبقات الكبرى (3/ 19)، صفة الصفوة (1/ 308)، البداية والنهاية (7/ 333)، الإصابة (1/ 507)، الاستيعاب (1089)، المنتظم (5/ 66).

(2) الاستيعاب (3/ 1089).

(3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/ 787).

(4) تاريخ دمشق لابن عساكر (42/ 17).

(5) صحيح البخاري (8/ 63) رقم 6280.

(6) الرياض النضرة في مناقب العشرة (1/ 50).

(7) أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للصلابي (1/ 28).

(8) الإصابة في تمييز الصحابة (4/ 464).

(9) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (3/ 1123).

(10) أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للصلابي (1/ 44).

(11) فتح الباري لابن حجر (7/ 236).

(12) السيرة النبوية للسباعي: ص (345).

(13) صحيح البخاري (5/ 18) معلقاً.

(14) صحيح البخاري (5/ 19) رقم 3704.

(15) صحيح البخاري (5/ 19) رقم 3705.

(16) صحيح البخاري (5/ 19) رقم 3707.

(17) صحيح مسلم (4/ 1871) رقم 32 (2404).

(18) صحيح مسلم (4/ 1873) رقم 36(2408).

(19) صحيح أخرجه ابن سعد في الطبقات (2/ 292) رقم 2525، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (2/ 352).

(20) صحيح البخاري (5/ 75) رقم 3965.

(21) صحيح مسلم (4/ 1871) رقم 32(2404).

(22) صحيح مسلم (3/ 1499) رقم 111(1879).

(23) صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 506) رقم 3736، والشاشي في المسند (2/ 96) رقم 620، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 464) رقم 726.

(24) محتمل للتحسين أخرجه سعيد بن منصور في سننه (8/ 266) رقم 2406.

(25) محتمل للتحسين أخرجه أحمد في مسنده (2/ 148) رقم 753، (2/ 248) رقم 930، ومعمر بن راشد في جامعه (10/ 396) رقم 19480، والطيالسي في مسنده (1/ 120) رقم 134، وعبد بن حميد في المنتخب من المسند (1/ 127) رقم 88 وانظر حاشية المحقق لمسند عبد بن حميد ففيها كلام نافع.

(26) صحيح أخرجه أحمد في مسنده (2/ 179) رقم 795، وغيره.

(27) صحيح بطرقه وشواهده أخرجه أحمد في مسنده (2/ 139) رقم 737، وأبو يعلى الموصلي مسنده (1/ 287) رقم 346، وانظر بقية طرقه في المسند الجامع (13/ 163) رقم 10012.

(28) أخرجه البخاري رقم 4750.

(29) أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- للصلابي (1/ 152).

(30) حسن لغيره أخرجه أحمد في مسنده (2/ 225) رقم 882، وفي فضائل الصحابة (2/ 699) رقم 1195، والحاكم في المستدرك (3/ 135) رقم 4658.

(31) صحيح أخرجه الروياني في مسنده (1/ 218) رقم 304، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 516) رقم 3932، وانظر إرواء الغليل (2/ 229).

(32) السنن الكبرى للبيهقي (2/ 517).

(33) صحيح بطرقه أخرجه ابن ماجة في سننه (3/ 436) رقم 2348، وأبو داود في سننه (2/ 281) رقم 2269، والنسائي في سننه (6/ 182) رقم 3488، وانظر صحيح أبي داود للألباني (7/ 36) رقم 1963.

(34) صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 76) رقم 4457، والبيهقي في السنن الكبرى (8/ 246) رقم 16538.

(35) البداية والنهاية لابن كثير (5/ 270).

(36) صحيح أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (4/ 56) رقم 3618، وأبو نعيم في الحلية (1/ 147).

(37) أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/ 79)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 984) رقم 1878، والشجري في الأمالي (1/ 88)، وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي الطيوري في الطيوريات (2/ 607) رقم 535، وأبو بكر الأبهري في فوائده (ص: 32) رقم 16، والخطيب في تاريخه (7/ 408) رقم 3366، وفي الفقيه والمتفقه (1/ 184)، وأبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى الجريرى النهرواني في الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي (ص: 584)، وابن عساكر في تاريخه (14/ 17) رقم 3353، والمزي في تهذيب الكمال (24/ 218) رقم 4996، والذهبي في تذكرة الحفاظ (1/ 13) رقم( 4- 4/ 1) من طرق عن ثَابِتُ بْنُ أَبِي صَفِيَّةَ أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ قال. . . . . . . . .

قلت: هذا الأثر تكلم أهل العلم على إسناده وصعفوه، لكن قال ابن عبد البر "حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسْتَغْنَى عَنِ الْإِسْنَادِ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ"، وقال الخطيب البغدادي "هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَحَادِيثِ مَعْنًى، وَأَشْرَفِهَا لَفْظًا".

  1. من أخطاء بعض الدعاة - عدم التدرج في إنكار المنكر
  2. قطوف من بستان الواعظين - الفتور الدعوي الأسباب والحلول
  3. تحميل عدد رجب 1437هـ بصيغة بي دي إف

الصفحة 1 من 2

  • 1
  • 2

البحث

جديد الموقع

  • قصة أصحاب القرية
  • المال بين الحكمة الربانية والنفس البشرية
  • الآثار الإيمانية لاسم الله الفتاح
  • منزلة الشكر
  • سورة العصر طوق النجاة من الخُسْر
  • الآثار الإيمانية للقرآن الكريم
  • هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في رمضان
  • هنيئا لمن أدرك رمضان

الأكثر قراءة

  • وقفات تربوية مع شهر شعبان - خطبة
  • رجب شهر الغرس - خطبة
  • أمراض القلوب وعلاجها - خطبة
  • تحويل القبلة. . . . و دروس للأمة - خطبة
  • أعمال العشر وتحري ليلة القدر - خطبة
  • منزلة الشكر - خطبة
  • تذكير الآباء بضرورة تربية الأبناء - خطبة